الناقد حسين علي هارف: مسرحية الأطفال ينبغي أن تأخذ بنظر الاعتبار القاموس اللفظي والقرائي ومستوى الإدراك الطفل نفسيا واجتماعيا / حاوره : خضيرالزيدي
الفرجة: حدثنا عن أهمية وجود مسرح للطفل وما مؤثراته في وعي الأطفال ؟
حسين علي: مسرح الطفل حاجة ثقافية واجتماعية ونفسية مهمة لتحقيق غايات تربوية وتعليمية وجمالية فضلا عن أهميته في تحقيق الإشباع الوجداني للطفل كما أن ذلك المسرح من شانه أن يساعد في تنشئة اجتماعية ونفسية جيدة للطفل وتنمية مهاراته وشخصيته وتنمية ذائقته الجمالية والفنية في التعاطي مع المحيط والمجتمع والبيئة والمعلوم لدينا بان الطفل في مراحل نموه المبكر يكون مطواعا وقابلا للتشكل. وهذا ما يجعل من مسرح الطفل وسيلة إنماء وتطوير فعالة في بناء شخصيته وفي تشكيل وعيه الوطني والعلمي والثقافي والاجتماعي (الابتدائي) ليكون نواة لتشكيل شخصيته كمواطن يعي حقوقه وواجباته تجاه المجتمع والوطن ومن ثم إعداده كمواطن ناجح ايجابي محصن من السلوكيات والأفكار السلبية والمنحرفة. المسرح من هذا التصور وسيط تعليمي وتربوي ناجح وهو وسيلة حضارية متقدمة ومؤثرة لإعداد الطفل وتشكيل وعيه وتنمية مدياته ومهاراته وذائقته
الفرجة: من هذا التصور هل يمكن أن نقول أن الكاتب العراقي والمخرج يفتقدان لرؤية بنائية تخص تفعيل هذه الظاهرة ؟
حسين علي: نعم هم يفتقدون لرؤية واضحة في تقديم منجز مسرحي يوائم الطفل من حيث قدراته الذهنية والنفسية واللغوية وحاجاته الوجدانية بسبب عدم وقوفهم على إمكانيات وحاجات المتلقي ( الطفل ) وطبيعة المرحلة المستهدفة وغياب النص والعرض الذي يحدد فئته. إذ لا زلنا نقدم توصيف عام (مسرحية للأطفال ) ولم ندخل مرحلة التخصيص الواعي (مسرحية للأطفال 6-9 سنوات ) أو مسرحية للأطفال 9- 2 سنة وهكذا . من جانب آخر لم يعمل المخرجون إلى تحديد الفضاءات المسرحية التي يمكن استثمارها في عرض مسرح الطفل ولا زالوا أسيري القاعات المسرحية وهم لا يفكرون في الذهاب إلى الطفل حيث يتواجد في المدرسة أو في الحدائق والمتنزهات العامة. كما أن المخرجين بحاجة للتواصل في العروض اليومية وعدم الاكتفاء بعرض واحد يقدم في إطار مهرجان أو في مناسبة معينة أم مسرح الطفل. ليس مسرح مناسبات أو مسرح رسمي بل هو حاجة ثقافية يومية تحتاج إلى استمرارية العروض وتحقيق موسم مسرحي متواصل لتكوين جمهور مسرحي من الأطفال وتشكيل الذائقة الفنية لهذا الجمهور وتحقيق تربية مسرحية له.
الفرجة: هل كشفت العروض المسرحية المقدمة عن ميول تشد انتباه الطفل بحيث أصبح تفعيله ضرورة ملحة؟
حسين علي: نعم ففي السنوات الأخيرة تم تفعيله نسبيا من خلال مهرجانات مسرحية عديدة عقدتها دائرة السينما والمسرح ودائرة ثقافة الأطفال ومؤسسات ومنظمات المجتمع المدني، وقد أفرزت تلك العروض استجابات رائقة من قبل جمهور الأطفال الذين شدتهم تلك العروض وتفاعلوا معها وأحبوها، لاسيما وإنهم افتقدوا للعروض المسرحية التي لم يعتادوا عليها وكانت جديدة على مشاهداتهم وتجربتهم. فالطفل العراقي يمتاز بالذكاء إضافة لحبه للمرح واللعب والحركة وهذا ما يوفره له المسرح ومسرح الدمى بشكل كبير وكل هذه الأسباب تجعل من مسرح الطفل وتفعيله ضرورة اجتماعية وثقافية كبيرة.
الفرجة: ألا تجد بأن الأدوار الفعلية المهمة للنشاط المسرحي المدرسي باتت غائبة ولهذا جعلتنا نفتقد إلى التربية الصحيحة والذائقة السليمة فيما يخص الجمال ورؤيتنا له؟
حسين علي : هناك نشاط مدرسي ملحوظ على مستوى المهرجانات. فوزارة التربية نظمت العديد من المهرجانات المسرحية للمسرح الثانوي والابتدائي، ولكن النشاط المسرحي المدرسي داخل المدارس غائب أي في ظل وجود مسرح مدرسي (رسمي ) مهرجاني لا يوجد نشاطات مسرحية تقدم داخل المدارس يقوم بها الطلبة تحت إشراف مدرس التربية الفنية أو مشرف النشاط المسرحي المدرسي وهذا يجعل طلبة المدارس يفتقدون إلى بيئة اجتماعية وثقافية لممارسة طاقاتهم الإبداعية وللتعبير عن أنفسهم وعن شخصياتهم ومهاراتهم. كما أن المسرح المدرسي في حالة تفعيله سيساعد كثيرا في تنمية الذائقة الفنية للطلبة وإكسابهم تربية اجتماعية وأخلاقية لأن المسرح فن جماعي يكسب مزاولة الكثير من قيم الجماعة والتعاون وينمي الذائقة الجمالية من هنا أفهم بأن المسرح المدرسي يساعد في تحقيق التربية الفنية والأخلاقية.
الفرجة: النص المقدم للطفل هل يمكن أن يخاطب عقل وتفكير الطفل؟ أم يجب أن يكون منفتحا على جميع الأعمار واقصد هنا من حيث الأفكار والطروحات المقدمة؟
حسين علي: النص المقدم لمسرح الطفل ينبغي أن يحدد الفئة العمرية المستهدفة لا أن يكون (عاما ) لكل الأطفال فمن الصعب أن تحاكي الأطفال بأعمار مختلفة ومتباينة لوجود فروقات فردية على مستوى الإدراك الذهني والحاجات النفسية والقاموس اللفظي والسمعي وجوانب نفسية واجتماعية كثيرة. لذا بات من الضروري تحديد الفئة العمرية المخاطبة من قبل الكاتب، فيقول هذه مسرحية للأطفال من عمر 6-9 سنوات أو 9-12 سنة أو موجهة للأطفال فوق 12 سنة وهكذا. إذ أن لكل مرحلة طفولية مبكرة أو متوسطة أو متأخرة خصوصية في الإدراك والتلقي وهذا غير معمول به في العراق إلا في نطاق ضيق ومعظم مسرحيات الأطفال (يحشر ) فيها أطفال الروضة مع أطفال (الابتدائية ) مع فتيات المرحلة المتوسطة وهذا خطأ منهجي وتربوي كبير وخطير. لأن مسرح الطفل حينذاك سوف يخفق في تحقيق أهدافه الاتصالية والتربوية.
الفرجة: يعتقد الكثيرون بأن النص المسرحي المقدم للطفل يكمن في الإرشاد التربوي فقط ..هل من طريقة للخروج من هذا الروتين؟
حسين علي: يجب أن يحقق مسرح الطفل الموازنة المطلوبة بين شقي المعادلة ففيه الإمتاع والإرشاد التربوي والأخير لوحده لا يمكن أن ينتج لنا فنا أو مسرحا فاعلا ومؤثرا في الطفل وسيتحول المسرح عند ذاك إلى ما يشبه المدرسة بعناصرها غير المحببة في كثير من الأحيان للطفل. التركيز على الإرشاد التربوي والنصح المباشر التعليمي والأخلاقي والاكتفاء به سيجعل من مسرح الطفل رتيبا ومملا وغير جدير بالاحترام والاهتمام والمتابعة … والحل يكمن في أن يكون الإرشاد في إطاره الفني الممتع والمشوق ويجب أن لا يكون مباشرا ومنبريا ووعظيا بطريقة التلقين. كما يحدث في الصف أو البيت بل يجب أن يصبح في إطار فني من خلال قالبه الفني المحبوك والذي يشد الانتباه ويثير الاهتمام ..فالمسرح عندما يكون وسيطا تعليميا يجب أن يتخلص من روتين المدرسة والدرس من خلال خلق منظومة عرض بصرية وسمعية تتعامل مع حواس الطفل المتلقي وتعطيه وجبة من الترفيه والإمتاع يمرر بها الإرشاد التربوي والترويج للقيم الجمالية والأخلاقية. إذن على الكاتب المسرحي الذي يتصدى لكتابة نص مسرحي خاص بالطفولة أن يضمن نصه عناصر إمتاع وإبهار وتشويق إلى جانب القيم التربوية التي سيطرحها من خلال القصة والشخصيات والإحداث.
الفرجة: من كلامك أفهم بأن جميع شروط العرض المسرحي دون الاستغناء عن بعضها من الممكن أن تنطبق على مسرح الطفل؟
حسين علي: نعم تنطبق جميع شروط ومواصفات العرض المسرحي وعناصره على مسرح الطفل ولا يمكن الاستغناء عن أي من العناصر بل أن مسرح الطفل قد يتطلب عناصر فنية مضافة تتلاءم مع حاجات المتلقي (الطفل ) لتحقيق أعلى قدر من الإبهار والتشويق نظرا لخصوصية هذا المتلقي الصغير وخصوصية حاجاته النفسية والوجدانية .. مسرحية الأطفال لا تختلف فنيا عن مسرحية الكبار من حيث المقومات والعناصر فهي تقوم على ( الممثل والديكور والأزياء والإضاءة والموسيقى ) لكن عناصر بعينها تحتاج إلى عناية مركزة لاسيما عناصر السينوغرافيا الإضاءة والأزياء والمنظر المسرحي من خلال التأكيد على عناصر الإبهار حيث الضوء واللون وخلق عالم سحري. وكذلك الموسيقى والغناء عنصر مهم جدا. فالطفل كائن إيقاعي حركي يميل إلى الحركة ويحب الإيقاعات ولذا يجب أن نمنحه المزيد من الإيقاع الموسيقي والحركي من خلال الأغاني والرقصات واللوحات التعبيرية.
الفرجة: ماذا عن عنصر الزي في التجسيد يمكن أن يكون له نفس الأهمية مع باقي العناصر؟
حسين علي : للزي أهمية لا تقل عن أهمية باقي عناصر السينوغرافيا في مسرح الطفل. فالزي يعبر عن الشخصية وعن الحدث ويعبر أحيانا عن الفكرة. فللزي قدرة تعبيرية وتفسيرية هائلة تساعد المتلقي الطفل على إدراك إبعاد الشخصية ونوازعها وطبيعتها، كما أن له بعدا جماليا يتحقق من خلال اللون والتفاعل مع الضوء الساقط لتحقيق عنصر الشد البصري والإدهاش لدى الطفل. والمعروف لدينا بأن للزي واللون مدلولات نفسية وفكرية محسوبة من قبل المخرج لتحقيق العلاقة المطلوبة بين المتلقي /والممثل على مستوى التعطف والتنافر . نعم الطفل كائن يحب اللون وتثيره حسيا ونفسيا وتلك خاصية تجعل من الأزياء عاملا جماليا ودراميا وفكريا مهما كل ذلك يجب أن يحسب له في عروض مسرح الطفل.
الفرجة: ما هي إشكالية مسرح الطفل؟
حسين علي: تمن إشكالية مسرح الطفل في محاولة المزاوجة بين الهدف التربوية (التعليمي ) والهدف الفني (الإمتاع الحسي والمالي ) وتلك معادلة صعبة للغاية لا يتمكن من تحقيق الموازنة فيها كثير من مؤلفي مسرح الطفل الذين وقعوا في فخ التعليمية المباشرة أو الوعظ المباشر والفج فيتحول المسرح إلى قاعة درس مملة تفتقد إلى التفاعل والتشويق والتأثير. وتكمن الإشكالية في جانب آخر من سوء فهم وتقدير المتلقي (الطفل ) والتعامل معه ب (دونية ) واستصغار والتقليل من شانه وذكائه أو من جانب آخر القفز فوق قدرات الطفل ومستوى إدراكه ومخاطبته بما يفوق ذلك. إذن على كاتب مسرح الطفل ومخرج هذا الحقل المعرفي التعامل بدقة مع حجم ومستوى ذلك الكائن دون التعالي عليه أو استصغاره أو تعقيد مستوى الخطاب له. مسرحية الأطفال ينبغي أن تأخذ بنظر الاعتبار القاموس اللفظي والقرائي والسمعي ومستوى الإدراك فضلا عن حاجات الطفل الوجدانية والنفسية والاجتماعية
الفرجة” اسم لي بتساؤل أخير عن معرفة أهم الأسماء الإخراجية التي قدمت تصورا ذهنيا وجماليا لتعزيز قيمة مسرح الطفل ومن هم أهم كتاب هذا الحقل؟
حسين علي: يعد الفنان الراحل قاسم محمد من أهم الأسماء الذين كانت له الريادة والنوعية الحقيقية في مسرح الطفل في مطلع السبعينيات وتحديدا عام 1970 ، حين قدم مسرحية طير السعد والصبي الخشبي. ولقد قام قاسم محمد بتدريب مجموعة كبيرة من ممثلي الفرقة القومية للتمثيل على آليات وقواعد التمثيل للطفل واستمرت عروضه لأيام عديدة إذ بدأ بتأسيس قاعدة حقيقية وعلمية لمسرح الطفل. ودخل مخرجون محترفون ميدان هذا العالم ومنهم سليم الجزائري ومحسن العزاوي وسعدون العبيدي الذين اثروا عروض مسرح الطفل برؤاهم الإخراجية وقدموا تجارب مهمة في هذا الصدد. كما دخل فيما بعد مخرجون ومخرجات مثل عواطف نعيم وأحلام عرب ومنتهى محمد رحيم. أما على مستوى التأليف وكتاب النص فيعد سعدون العبيدي رائدا في هذا المجال في كتابة أول نص مسرحي عراقي للطفل خالص التأليف دون الاعتماد على مصدر أو نص سابق وهي مسرحية (زهرة الأقحوان ) ثم ولج ميدان الكتابة مؤلفون مثل مثال غازي وطه سالم وفيما بعد فاضل الكعبي وحسن موسى وطلال حسن وآخرون.



