
في ختام اليوم الأخير من فعاليات الدورة الخامسة لمهرجان الدنّ الدولي في محافظة مسقط، أعلنت الباحثة الدكتورة آمنة الربيع عن انطلاق وتدشين “مختبر الربيع للكتابة والأداء”. ويأتي المختبر بوصفه مساحة لاستنبات النصوص وتجريب أشكال الكتابة والأداء وفتح أفق جديد للممارسة الإبداعية.
يهدف المختبر إلى خلق بيئة إبداعية تجمع بين الكتابة وفنون الأداء والنقد التطبيقي، حيث يختبر المشاركون أدواتهم عبر التعلم بالممارسة، واكتشاف النص من الداخل، والاشتغال على الجسد والصوت بوصفهما امتدادًا للخيال. وهو مبادرة ثقافية تعمل وفق لائحة تنظيم المبادرات بوزارة الثقافة والرياضة والشباب، وتسعى إلى بناء مسار معرفي ينهض بالتجربة المسرحية والكتابية في عمان.
من خلال هذه المعطيات كان لموقع مجلة الفرجة لقاء مع مؤسسته الأكاديمية د. آمنة الربيع لتسليط الضوء أكثر لمعرفة أسباب وأهداف وآفاق هذا المشروع الثقافي والفني.
في البداية، كيف جاءت فكرة تأسيس المختبر؟
ـ جاءت فكرة مختبر الربيع للكتابة والأداء من حاجة قديمة كنت أشعر بها؛ حاجة إلى مساحة تستعيد العلاقة الطبيعية بين المبدع وتجربته، بين النص والخيال، وبين الجسد والأداء. فعلى الرغم من كثرة الورش والبرامج التدريبية، بقي معظمها أسير نموذج “المعلم/المتلقي”، وليس “الباحث الناقد” أو المبدع الذي لديه مشروع حقيقي، هذه الورش لا تتيح للمشارك أن يختبر أدواته من الداخل أو يغامر خارج القوالب المألوفة.
في عام 2018م شاركتُ في ورشة للمدرب المعتمد وقدمت برنامجًا بعنوان الكتابة الإبداعية للمسرح. كان البرنامج خلاصة تكويني الثقافي وما تشرّبتُه من فلسفة ومنهجية صارمة، وقدّمته مع جهات مختلفة داخل عُمان ونال تقديرًا واسعًا. أسعدني أن يخبرني أحد المتدربين لاحقًا بأنه طوّر كتابته من خلاله وحقق نتائج متقدمة في مسابقات أدبية.
ثم جاءت جائحة كوفيد-19، فتوقفت البرامج الحضورية، وانتقلنا جميعًا إلى التدريب عبر الزووم. وفي تلك المرحلة اتّسع أمامي مشهد مربك؛ فقد اختلطت المفاهيم في الحقل المسرحي، وظهرت أصوات لا تستند إلى مرجعية معرفية أو جمالية واضحة. عندها بدأ السؤال يكبر داخلي: كيف نعيد للكتابة والأداء اتساقهما؟ وكيف نوفّر مساحة تحترم التجربة ولا تستهين بخيال المبدع؟
وفي زيارة إلى بغداد التقيتُ بالمخرج والكاتب المسرحي الصديق الدكتور حازم عبدالمجيد، ودار بيننا حوار موسّع حول الحاجة إلى مركز أو مساحة تدريبية تُعيد الاعتبار للممارسة الفنية وتمنحها أفقا يسمح بنمو التجارب بعمق وحرية. وبعد ذلك ناقشتُ الفكرة مع البروفسور الدكتورة الصديقة مروة مهدي عبيدو في برلين، فوجدتُ صدى لرؤية مشابهة واهتمامًا عميقًا بقضايا الكتابة والأداء. وقد أسهمت هذه النقاشات في توسيع أفق المشروع وصقل ملامحه الأولى، ضمن إطار التعاون والاستشارة الذي يجيزه القانون العُماني، ومن دون أن يمسّ بوطنيّة المبادرة أو بمتطلبات تأسيسها.
أردنا من خلال المختبر أن نخلق فضاءً يسمح للكاتب والمؤدي بخوض التجربة من الداخل: من رحلة اكتشاف النصّ إلى الاشتباك مع الأسئلة، ومن اللعب إلى التجريب، ومن الحوار إلى بناء منهج تفكير جديد.
وهكذا وُلد المختبر؛ ليس برنامجًا تدريبيًا فحسب، بل مشروعًا معرفيًا يسعى إلى إعادة الاعتبار للتجريب بوصفه طريقًا للتعلم والإبداع، ومساحة تمنح الفن فرصة لاستعادة مصادره الأولى.
على ماذا سيعمل المختبر؟
ـ سيعمل المختبر على ثلاثة محاور مترابطة:
الأول: الكتابة الإبداعية ومسرحة النصوص السردية: تحويل النص من صفحة جامدة إلى مادة أدائية قابلة للاختبار.
الثاني: فنون الأداء الصوتي والجسدي: حيث يصبح الجسد أداة كتابة، والصوت مساحة للخيال.
الثالث: النقد بوصفه شريكًا في الإبداع: جلسات تفكير ومساءلة، نعيد فيها قراءة النص والأداء بوصفهما عمليتين تتطوران بالحوار والتأمل.
هدف المختبر أن يكوّن بيئة تسمح بنمو التجارب الإبداعية بعيدًا عن أحكام الجاهزية، وأن يتيح للمشاركين مسارًا، لا دورةً عابرة.
وهل الجهة التأسيسية أهلية أم رسمية؟
ـ الجهة التأسيسية ليست أهلية بالكامل، بل هي مبادرة ثقافية منظَّمة وفق لائحة تنظيم المبادرات الثقافية الصادرة بالقرار الوزاري رقم 212/2016م عن وزارة الثقافة والرياضة والشباب في سلطنة عُمان. ويأتي تأسيس المختبر في إطار هذه اللائحة التي تتيح للأفراد إطلاق مبادرات ثقافية مستقلة من حيث الرؤية والبرنامج، لكنها تعمل ضمن إطار قانوني واضح وتحت إشراف الوزارة. ويقع مقر المبادرة في محافظة مسقط.
ما هي الخطوات الأولى المراد تحقيقها ولماذا؟
ـ الخطوات الأولى التي نعمل عليها هي:
- عقب تشكيل فريق المؤسسين، يجري اختيار مستشارين يشرفون على ضبط المنهجية وتوسيع الأفق النظري للمختبر بما يضمن تنوّع الخبرات.
- وضع دليل منهج العمل الذي يوضح فلسفة المختبر وبرامجه وقيمه وأساليب التدريب فيه.
- إطلاق أول برنامج تجريبي يختبر آليات العمل ويقيس احتياجات المشاركين.
- بناء قاعدة بيانات للمواهب والمشتغلين بالكتابة والأداء.
هذه الخطوات ضرورية لأنها تضمن انطلاقة مؤسسية لا عشوائية، وتخلق مسارًا يمكن البناء عليه مستقبلاً.
وهل سيبقى وطنيا؟
ـ سيبقى المختبر وطنيًا في جذره وانتمائه وسياقه الثقافي، لكنه غير منغلق. رؤيته تقوم على الانطلاق من عمان، والارتكاز على سياقها المعرفي والجمالي، مع الانفتاح على التجارب العربية والعالمية التي تشبهه في الروح والهدف. وطنيته لا تلغي حضوره في العالم، بل تمنحه هوية واضحة يتحرك بها.
هل هناك أفق فتح أبواب الشراكة مع جهة عربيا أو دوليا لها الهدف نفسه؟
ـ نعم، بل هو أحد الأهداف البعيدة للمختبر. التجارب الإبداعية لا تتطور في عزلة، والشراكات مع مختبرات عربية أو منصات دولية يمكن أن تخلق تبادلًا معرفيًا وجماليًا يغني التجربة. هناك نية لبناء تعاونات مستقبلية مع مؤسسات ومهرجانات وجامعات ومراكز أبحاث، شريطة أن تتقاطع رؤيتها مع رؤيتنا، وأن تحترم استقلالية المختبر وفلسفته في العمل.
هل هذا المختبر سيكون له وسيط إعلامي يتجلى لمجلة محكمة مثلا؟ أو موقع / بوابة تساهم في النشر والتعميم؟
نعم، هناك تفكير جاد في أن يكون للمختبر بوابة إلكترونية تُنشر فيها أعمال المشاركين، وتقارير النشاط، والمقالات النقدية.
وربما لاحقًا مجلة محكّمة صغيرة تُعنى بالبحث في الكتابة والأداء والتجريب، تجمع بين النظرية والتطبيق.
المنصة الإعلامية ليست ترفًا، بل امتداد طبيعي لرسالة المختبر في نشر المعرفة وتعميم التجربة، وتوثيق ما ينتجه المبدعون داخل هذه المساحة.




