قراءة في الوعي المتشظي لرواية “البحث عن الحياة” للروائي محمد الحسيناوي/ د. مسار حميد الناصري
المرايا المتقابلة: تخييلات العزلة وتمثلات الفقد
تنبثق رواية البحث عن الحياة من منطقة ملتهبة في الوعي الإنساني، من جرح لا يراد له أن يندمل، لأن اندماله يعني نسيان الأسئلة الكبرى التي تشكل كينونة الإنسان، إنها ليست رواية حدث بقدر ما هي رواية وعي يتأمل ذاته وهو يتشظى ويكتب انكساره بوصفه فعلا معرفيا لا مجرد اعتراف عاطفي.
تتخذ الرواية من شخصية ” كريم” بؤرة سردية تتقاطع عندها مستويات السرد والذاكرة والتخييل فتصبح الذات مرآة لانطولوجيا القلق ويتحول السرد إلى أفق تأويلي يعيد مساءلة معنى الوجود في زمن فقد يقيناته. هنا يروى الألم ويعاد بناؤه بوصفه إدراكا وتستولد الحياة كاحتمال يتكون داخل اللغة نفسها. ومن هذا المنظور يمكن قراءة الرواية بوصفها خطابا تأمليا متشظيا تتواشج فيه العزلة النفسية بالخراب الجمعي ويتحول الانكسار الفردي الى استعارة لوعي مأزوم بجملة تحولاته التاريخية والروحية.
وإذا كان الأدب في جوهره العميق فعل مساءلة للكينونة فإن هذه الرواية تمارس مساءلتها عبر تفكيك اليقين لا عبر تثبيته وعبر تشريح الداخل الإنساني في لحظة هشاشته القصوى. إنها تنتمي إلى ذلك النمط من الكتابة التي تعيد انتاج الواقع في ضوء رؤية انطولوجية ترى في الإنسان كائنا قلقا معلقا بين رغبته في المعنى وعجزه عن القبض عليه. وتكتسب الرواية راهنيتها من كونها تنفتح على سياق اجتماعي وتاريخي مأزوم، تتراكب فيه آثار الحروب والتحولات القيمية والانكسارات الروحية لتنتج ذاتا متشظية لا تجد في العالم ما يوازي هشاشتها، ومن هنا لا يعود “كريم ” مجرد شخصية روائية إذ يصبح نموذجا دلاليا لذات عربية معاصرة تتنازعها الرغبات في الحياة والإحساس العميق بلا جدواها.
إن عنوان الرواية نفسه- البحث عن الحياة- يحمل مفارقة تأسيسية، إذ يفترض غياب الحياة في قلب حضورها ويوحي بأن العيش لا يعني بالضرورة أن نحيا، فالبحث هنا ارتحال داخلي في طبقات الوعي لا حركة خارجية في المكان ومحاولة لإعادة ترميم العلاقة بين الذات والعالم بين الذاكرة والزمن بين الحب والفقد.
ومن الناحية الجمالية تؤسس الرواية فضاء سرديا يتداخل فيه الواقعي بالتأملي والنفسي بالفلسفي فيصبح النص أقرب إلى اعتراف وجودي طويل منه إلى حكاية تقليدية ذات بداية وذروة ونهاية، إنها كتابة تتقدم في شكل شذرات وارتدادات واسترجاعات تحاكي في بنيتها حركة الوعي حين يتكسر تحت وطأة الصدمة. ولا يمكن مقاربة هذا النص من خارج أفق التأويل لأنه نص يراوغ المعنى بقدر ما يكشفه ويؤجل الإجابة بقدر ما يلح في السؤال، إنه يدرب قارئه على الإصغاء إلى الصمت وعلى قراءة ما لا يقال بقدرة قراءة ما يقال. وبذلك تتحول عملية التلقي إلى شراكة معرفية يصبح فيها القارئ جزءا من لعبة المرايا المتقابلة التي يعكس فيها السرد ذاته ويعكس القارئ ذاته في السرد.
إن هذه الدراسة تنطلق من فرضية مفادها أن الرواية تشييد جمالي لوعي متشظ يحاول أن يمسك بحياته عبر الكتابة وأن يعيد تعريف ذاته في عالم يتداعى. ومن هنا، سنقرأ النص بوصفه بنية سردية انعكاسية وخطابا تأويليا وجوديا واستعارة اجتماعية لخراب يتجاوز الفرد إلى الجماعة. بهذا المعنى تصبح الرواية تمرينا على التفكير في الحياة من حافة الموت وفي المعنى من داخل الفقد وفي الإنسان وهو يعيد كتابة ذاته في مرآة الألم. إنها كتابة الجرح حين يتحول إلى معرفة وكتابة العزلة حين تصبح أفقا لرؤية العالم لا مجرد انسحاب منه.
أولا: البنية السردية وانعكاسية الوعي
تقوم البنية السردية في الرواية على تراكب دقيق بين سارد صحفي مشارك في التجربة وبين ” كريم” بوصفه موضوعا للسرد وذاتا مروية في آن معا. هذا التداخل يؤسس لبنية انعكاسية يصبح فيها السرد مرآة لذاته يعيد النظر في آلياته ويشكك في يقينه.
إن ” كريم” يُقدم هنا كبنية دلالية مأزومة تتكون عبر الشذرات والمونولوجات الداخلية والحوار المتقطع والتوصيف النفسي الكثيف وإن معمار النص يقوم على تفكيك الخط الزمني وتوزيع التجربة على مقاطع تحاكي في تشظيها تشظي الذات نفسها. وبهذا يتحرك الخطاب السردي بين التوثيق والهلوسة بين الواقعي والحلمي فينتج فضاء رماديا تتلاشى فيه الحدود بين العقل والجنون والحضور والغياب واللغة والصمت، وهذا التوتر البنيوي هو ما يمنح النص كثافته الجمالية فيصبح السرد فضاء لصياغة القلق وتتبدى العزلة بوصفها بنية وجودية متجذرة تقيم في اللغة وتنكسر داخلها فإن “كريم” تتلبسه العزلة حتى تصير شكلا من أشكال إدراكه للعالم.
وإذا ما تألمنا هذه البنية من منظور سردي أعمق أمكن القول إن الرواية تشيد معمارها على ما يمكن تسميته بـ” ازدواجية الرؤية” إذ يتجاور منظور الراوي /الصحفي بوصفه ذاتا مراقبة مع منظور كريم بوصفه ذاتا معاينة للجرح من الداخل .وهذا التوازي يولد توترا ابستمولوجيا حول إمكانية تمثيل الحقيقة ذاتها : أهي ما يُوثق أم ما يُحس أم ما يُتخيَّل؟. بهذا المعنى تمارس الرواية تفكيكا ضمنيا لمفهوم السارد العليم إذ لا أحد هنا يمتلك الحقيقة كاملة فإن كل صوت يقدم شذرة وكل مقطع يضيء جانبا ويبقي جوانب أخرى في الظل وبوساطة هذا التوزيع المقصود للمعرفة تتشكل ” مرايا متقابلة ” تعكس بعضها بعضا من غير أن تُفضي إلى صورة نهائية مكتملة. فضلا عن أن التفكيك الزمني في النص هو تجسيد لوعي مأزوم بالزمن فالحاضر في الرواية مثقوب بالماضي والماضي يستعاد بوصفه جرحا لم يغلق وتتقدم الأحداث عبر ارتدادات واسترجاعات واستباقات، إذ يصبح الزمن دائريا متكسرا لا خطيا مستقيما وهذا التشظي الزمني يوازي التشظي النفسي فيتحول البناء السردي إلى تمثيل رمزي لحالة البطل الوجودية، وتنهض اللغة بدور حاسم في تكريس هذا المعمار فهي لغة مشحونة بالتأمل تتكثف فيها الصور والاستعارات وتغلب عليها النبرة الداخلية الاعترافية فإن الجمل الطويلة المتدفقة والمقاطع التي تقترب من المناجاة تكشف عن ذات تحاول أن تستبقي نفسها عبر الكلام كأن الصمت تهديد بالفناء.
ولا يقل توظيف الحوار أهمية عن المونولوج فالحوارات في الرواية غالبا ما تأتي مبتورة أو متقطعة بما يعكس عجز التواصل ويجسد الفجوة بين الذوات ويحضر الآخر بوصفه غيابا أو بوصفه مرآة لا تعكس سوى هشاشة الذات. وهكذا يتحول التواصل إلى سوء فهم متكرر وتصبح اللغة ذاتها ساحة للانكسار.
ومن زاوية بنيوية يمكن النظر إلى الرواية بوصفها ” نصا داخل نص” يتحول فيها كريم إلى مادة للكتابة داخل الكتابة فيعاد تشكيله سرديا مرة بعد أخرى . إن هذه الاستراتيجية تضفي على العمل بعد ميتاسرديا إذ يعي النص أنه نص ويجعل من فعل الكتابة موضوعا ضمنيا له وهنا تتعانق الوظيفة الجمالية بالوظيفة المعرفية: فالسرد لا يكتفي بتمثيل الانكسار بل يحاكيه في بنيته. وهكذا فإن ” البنية الانعكاسية” في الرواية هي رؤية للعالم رؤية ترى الإنسان كائنا منقسما على ذاته لا يستطيع أن يرى نفسه إلا عبر مرآة أخرى ولا يدرك حقيقته إلا في انكسار صورته وبوساطة هذا المعمار المتشظي ينجح النص في تحويل التجربة الفردية إلى بنية جمالية تتجلى فيها العزلة كأسلوب في السرد وكتجربة وجودية تتسرب إلى كل مفاصل النص.
ثانيا: التأويل الوجودي وسؤال المعنى
في عمق الرواية يتردد سؤال مركزي: هل يمكن للإنسان أن يستعيد ذاته في عالم فقد دلالاته؟
في الحقيقة لا تقدم الرواية إجابة حاسمة إذ إنها تفتح أفقا تأويليا يشرك القارئ في إنتاج المعنى. وتعكس تجربة كريم مع الحب المقموع ومع موت الأم ومع الإحساس الدائم بالاقتلاع تمثيلات لحالات الوجود المعلق ذلك الوجود الذي يقف على حافة الحياة دون أن يعبرها إلى طمأنينة. وتتجلى علاقة كريم بأمه بوصفها رمزا للأصل والهوية والملاذ الأول. وإن موتها لا يمثل فقدا بيولوجيا فحسب بل انقطاعا للحبل السري الوجودي الذي كان يربطه بالعالم ومن هنا يتخذ الفقد بعدا انطولوجيا ويتحول الصمت إلى لغة أخرى للفهم وحين يقال إنه” ربما اختار أن يتكلم مع من يفهمه فقط” فإن العبارة تتجاوز سياقها الظاهري لتصبح دلالة على أن الموت قد يكون أفقا للفهم حين تعجز الحياة عن احتواء المعنى. وهكذا تنقلب المفارقة: فالرواية التي تبدأ بالبحث عن الحياة تنتهي بوعي الموت، كأن المعنى لا يستعاد إلا عبر مواجهة حده الأقصى.
وإذا ما تعمقنا في الطبقة التأويلية للنص أمكن القول إن الرواية تنخرط في حوار ضمني مع الفلسفة الوجودية بوصفها حساسية معرفية تؤسس رؤيتها للعالم فـ ” كريم” ليس بطلا مأساويا بالمعنى التقليدي وإنما هو ذات قلقة تدرك عبثية العالم وتحاول أن تخلق لنفسها معنى في فضاء لا يعترف بالمعاني الجاهزة. وإن العزلة في الرواية تجربة وعي يختبر حدوده القصوى فحين يفقد الإنسان القدرة على التواصل الصادق وحين يتحول الحب إلى قيد والدين إلى تصنيف والذاكرة إلى عبء يصبح الوجود ذاته سؤالا معلقا، من هنا يمكن قراءة مسار “كريم” بوصفه ارتحالا داخليا في طبقات القلق: قلق الحرية، وقلق الاختيار، وقلق الموت. وتتبدى ثيمة الموت في الرواية كبنية حاضرة في كل لحظة إنه ظل يرافق الحياة ويكشف هشاشتها فموت الأم يفجر السؤال عن الأصل وخيانة الحب تفجر السؤال عن الثقة والصمت المتكرر يفجر السؤال عن جدوى اللغة وهكذا يتكاثر الفقد ليصبح نمطا وجوديا لا حادثة منفصلة.
ومن اللافت أن الرواية لا تمنح بطلها خلاصا صريحا ولا تقدم تطهيرا نهائيا إنها تبقيه في منطقة بينية بين الرغبة في الاستمرار والعجز عن التجدد الكامل وهذا الاختيار الجمالي يعكس وعيا عميقا بطبيعة التجربة الإنسانية إذ تبقى الأسئلة الوجودية مفتوحة على احتمالات التأويل كذلك حضور الأم، والحبيبة، والطبيب، يقرا بوصفه تجليات رمزية لمستويات الفهم الممكنة: فالأم تمثل الأصل والدفء واليقين الأول، والحبيبة تمثل الرغبة والاختبار والخذلان، والطبيب يمثل العقل الذي يحاول تفسير ما يتجاوز التفسير وبوساطة هذا التوزيع الرمزي تتشكل شبكة دلالية تحيط بكريم من غير أن تنقذه من وحدته الجوهرية.
إن التأويل الوجودي في الرواية إذن يفتح أفقا للتفكير في إمكانية المعنى داخل الهشاشة فحتى حين ينهار البطل يبقى فعل السرد قائما وكأن الكتابة نفسها هي ما تبقى من الحياة أو هي صورتها الممكنة. وبهذا المعنى تتحول الرواية إلى تمرين على الوعي، وعي يدرك أن الحياة تُبحث وأن المعنى ينتزع من قلب الفقد وأن الإنسان يعرف بطريقة وقوفه على حافة الانكسار دون أن يفقد قدرته على السؤال.
ثالثا: التمثيل الرمزي والاجتماعي للخراب
تمتد التجربة الفردية لكريم لتتبدى استعارة لجيل كامل مثقل بالحروب محاصر بالمقدس الزائف وممزق بين انتماءات متنازعة، فالروية وإن بدت في ظاهرها حكاية نفسية إلا أنها في جوهرها نص اجتماعي تأويلي يرصد التحولات الاخلاقية والروحية في مجتمعات ما بعد الصدمة. يتجلى ذلك في حوار كريم عن الدين والمذاهب الذي يقرا بوصفه تساؤلا عقائديا وتمردا معرفيا على النمطية والتقسيم ورفضا لأن تتحول العقيدة إلى قيد يحول بين الإنسان وإنسانيته. وتجسد شخصية ” أحلام” الوجه الأنثوي للمأزق الإنساني فهي ليست خائنة بقدر ما هي كائن مسحوق تحت ثقل الأعراف تبحث عن ذاتها في فضاء يكفر الحب وبوساطة خيانتها وانكسار كريم يتجلى الخراب القيمي بوصفه موتا جماعيا بطيئا تتقاطع فيه الأقدار الفردية مع المسارات التاريخية لأمة مثقلة بلعانتها القديمة. غير أن هذا الامتداد الرمزي يتحقق عبر تشييد شبكة من العلامات والدلالات التي تحيل إلى ما هو أبعد من التجربة الفردية فإن” كريم” في انكساره يجسد نموذج ” الإنسان الما بعدي” الإنسان الذي خرج من الحروب مثقوب الروح فاقد الثقة بالمؤسسات الكبرى ومعلقا بين الإيمان والشك. فالخراب في الرواية ليس خرابا ماديا موصوفا بالتفصيل إنما هو خراب قيمي ورمزي يتسرب إلى اللغة والعلاقات والتصورات إنه انهيار في منظومة المعنى ذاتها لذلك نرى أن الحوار حول الدين لا يتجه نحو تثبيت يقين بديل إنما يكشف هشاشة اليقين حين يختزل في هوية صلبة تقصى الآخر وهنا تتبدى الرواية بوصفها مساءلة للوعي الجمعي لا للوعي الفردي فقط .
ومن زاوية سوسيولوجية يمكن النظر إلى شخصية ” أحلام ” بوصفها تمثيلا لضغط البنية الاجتماعية على الفرد ولا سيما المرأة فهي تتحرك بوصفها ذاتا محكومة بسياقات قهرية تعيد تشكيل خياراتها، إن خيانتها لا تفهم أخلاقيا بقدر ما تقرأ بوصفها عرضا من أعراض مجتمع يضيق أفق العاطفة ويخضع المحب لمنطق الامتثال. وبذلك يتقاطع الخاص بالعام إذ يتحول الانكسار العاطفي إلى علامة على تصدع البنية الاجتماعية نفسها فحين يعجز الفرد عن بناء علاقة إنسانية متوازنة فإن الخلل يكون في النظام الرمزي الذي يحتضنه ومن هنا تصبح الرواية شهادة على زمن تتآكل فيه القيم وتستبدل فيه المعايير الأخلاقية بمنطق القوة أو الخوف أو الامتثال الأعمى. في حين يحضر الطبيب في النص بوصفه رمزا للعقل المؤسسي الذي يسعى إلى تفسير الظواهر النفسية عبر تشخيص علمي غير أن هذا العقل يبدو عاجزا عن الإحاطة بكامل التجربة الإنسانية وهنا تتجلى المفارقة: فالمجتمع الذي ينتج أفراده المأزومين يحاول معالجتهم بأدوات لا تمس الجذر العميق لأزمتهم.
إن الخراب إذن هو بنية تحتية تحرك السرد من الداخل، إنه حاضر في صمت الشخصيات وفي ارتباكها وفي عجزها عن الحسم وبوساطة هذا الحضور الكثيف تتحول الرواية إلى استعارة لواقع عربي مأزوم يعيش حالة انشطار بين ماض مثقل بالمقدسات وحاضر متشظ بلا أفق واضح. وبهذا المعنى تشيد الرواية فضاء رمزيا يسمح للقارئ بأن يرى الخراب وهو يتشكل في التفاصيل الصغيرة: في نظرة خائبة، في صمت طويل، في سؤال لا يجد جوابا. إنها كتابة تدين عبر الكشف وتحتج عبر التمثيل الجمالي.
وهكذا تتجاوز البحث عن الحياة حدود السرد النفسي لتصبح نصا يفكر في الاجتماع البشري ذاته في هشاشة الروابط وفي التباس المقدس وفي قابلية القيم للتآكل حين تفصل عن انسانيتها وبوساطة هذا الامتداد الرمزي يتحول كريم من شخصية فردية إلى علامة ثقافية على جيل يتعثر في طريقه إلى المعنى ويبحث عن حياة لا يجدها إلا بوصفها سؤالا مفتوحا على القلق.
الخاتمة:
ليست البحث عن الحياة رواية عن الفقد بقدر ما هي رواية عن استحالة التعافي الكامل إنها نص يعري فكرة الحياة ذاتها بوصفها سؤالا مفتوحا لا جوابا مكتملا وبحثا دائما لا ينتهي عند حد. يتحول السرد فيها إلى تأمل فلسفي في هشاشة الكينونة يكتبه الراوي بمداد الحيرة ويوقعه البطل بدم الذاكرة وما يمنح النص فرادته الجمالية أنه لا يعرض الحلول إنما يعرض الإنسان وهو يتصدع بحثا عنها. وهنا تصبح الكتابة شكلا من أشكال المقاومة وشفاء ناقصا لا يمحو الجرح بل يمنحه معنى، وتتحول اللغة إلى جسر معلق بين الحياة والموت بين الذاكرة والنسيان بين العزلة والرغبة في الانتماء. وإذا أردنا أن نعيد تركيب الأفق الدلالي للرواية في ضوء ما تقدم أمكن القول إنها تشيد خطابها على ثنائية البحث والغياب فكل اقتراب من الحياة يكشف مسافة أخرى تفصل عنها وكل محاولة لترميم الذات تظهر شقوقا أعمق في بنيتها. ومن هنا فإن العنوان يحيل إلى رحلة ومسار دائري يتجدد فيه السؤال أكثر مما يتجدد فيه الجواب.
لقد نجح الروائي محمد الحسيناوي في أن يحول التجربة الفردية إلى بنية جمالية مشحونة بالرموز والدلالات بحيث أصبحت شخصية ” كريم” تمثيلا لوعي معاصر مأزوم يعيش انقسامه بين الرغبة في الانخراط في العالم والخشية من فقدان ذاته فيه، إنه بطل يهزم ببطء داخلي بتآكل صامت في المعنى. وهنا تكمن القيمة الجمالية للنص في قدرته على تحويل هذا التآكل إلى طاقة سردية فالانكسار يحرض اللغة والعزلة تعمق السرد وهكذا تتبدى الرواية بوصفها فعل وعي مضاعف: وعي بالتجربة ووعي بكتابتها في آن معا. وأن انفتاح النص على التأويل ورفضه تقديم خاتمة حاسمة يؤكد طابعه الحداثي الذي يرى في القارئ شريكا في إنتاج الدلالة فالرواية لا تغلق أفقها إنما تبقيه مشرعا على احتمالات متعددة بما يجعل من فعل القراءة امتدادا لفعل البحث ذاته.
وفي المحصلة يمكن القول إن البحث عن الحياة نص يقيم في الذاكرة بوصفه سؤالا معلقا: ما معنى أن نحيا في عالم تتآكل فيه اليقينات؟ وكيف يمكن للإنسان أن يعيد تعريف ذاته وسط هذا الخراب الرمزي والاجتماعي؟ إنها كتابة الجرح حين يتحول إلى معرفة وكتابة الفقد حين يصبح أفقا للتفكير وكتابة الإنسان وهو يقف على تخوم العدم ليثبت أن مجرد البحث عن الحياة هو في حد ذاته شكل من أشكال الحياة.




