الدراما حرفة ومهنة متأرجحة بين الماضي والحاضر/ حمزة الغرباوي

إن مصطلح الحرفة أو المهنة يُطلق عادةً على كل من له عمل خاص يُبدع من خلاله ويتطور حتى يصل إلى أعلى درجات التفوق والنجاح، والدراما في شكلها العام حرفة ومهنة يمتهنها الفنان بمختلف اختصاصاته، سواء كان ممثلاً أو مخرجاً أو مؤلفاً أو حتى فنياً له رؤيته الخاصة في توفير بيئة مناسبة للعمل الدرامي، وهذه المهنة لا تختلف كثيراً عن باقي المهن التي تقدم أفقاً جمالياً ينتظره المتلقي بشغف، لكن شرطها الأساسي الذي لا يمكن التنازل عنه هو أن يُعطى كل شخص مهنته وحرفته التي يجيدها، كي يتم إظهار ما يمكن إظهاره من جمال ومتانة ثابتة غير متأرجحة بين زمن وآخر.
والأمثلة كثيرة على ذلك، فحرفة النجارة مثلاً لا يمكن أن تُعطى إلا لشخص تدرب وأخذ وقتاً طويلاً في ممارستها حتى تحولت إلى مهنة فيها كل مفاصل الجمال وغاياته، وكذلك الحدادة، والسباكة وغيرها من الحرف الأصيلة التي حولها أصحابها المبدعون إلى مهن يتغنى بها المتلقي ويقول لصاحبها القادر على إحداث فارق، أنت مبدع في مجالك.
وعندما ننتقل إلى حرفة الدراما التي يحولها الفنان إلى مهنة، فإن الأمر لا يتم ببساطة أو في يوم أو يومين أو مدة قصيرة من الزمن، بل يسعى الفنان دائماً إلى تعلم أساسيات هذه الحرفة ودراسة ما يمكن دراسته عنها من أجل الوصول إلى أعلى مستويات الإبداع والسمو فيها. فهو لم يكن طارئاً على مهنته ولم يكن ابن اللحظة، وهذا ما كان يُعمل به سابقاً في الماضي القريب أو البعيد، إذ كان الفنان بمختلف اختصاصاته يجتهد ليضع له بصمة ثابتة في عمله ومهنته، ويأخذ التجريب منه والمحاولة والسعي وقتاً طويلاً حتى يصل إلى مستوى متقدم من الإبداع والتأثير في المتلقي، الذي ينظر إليه دائما كمبدع جاهد في سبيل نفسه حتى وصل إلى ما هو عليه.
فعلى مستوى التمثيل والإخراج التلفزيوني والموسيقى والنصوص المكتوبة بحرفية عالية، نجد أن الماضي كان يتطلب دقة في الاختيار وسعياً متواصلاً وأريحية جادة في انتقاء جميع العناصر الفنية التي يحتاجها العمل الدرامي ،أما اليوم، فكثير من الأعمال الدرامية تعاني من عدم اكتمال العناصر الفنية على مستوى الإخراج والتمثيل والتأليف الموسيقي، إضافة إلى دخول بعض الطارئين على هذه المهنة النبيلة، وابتكار مصطلح (السيزن) الذي عكر صفو الزمن وأعطى شرعية لكل ما هو مترهل أو غير ناضج بحجة ضيق الوقت.

وفي ظل هذا التأرجح الدرامي الطارئ، لا أجد ولا أتفاءل بوجود تطور درامي كبير قادم، رغم المحاولات المحترمة من بعض المخرجين والممثلين والمؤلفين والفنيين الذين يسعون جاهدين إلى التطوير، لكن آفة الفوضى والأحكام السيزنية غير المبررة قد تهدم أي جهد محترم في لحظة ما.
وفي الختام، أتمنى أن يُعاد تنظيم كل ما من شأنه إصلاح الوضع الدرامي القائم، وزيادة عجلة التقدم والنجاح في جميع أوقات العام وعدم اختصار الأعمال الدرامية في موسم قصير.



