نحو تأسيس مسرح طقسي كولاجي في المشهد الواسطي/ المخرج أحمد نجم في عرض “صَبْرَة”/

المقدمة
شهدت قاعة الإدارة المحلية في مدينة الكوت يوم الجمعة 13/2/2026 عرضاً مسرحياً بعنوان “صَبْرَة” ضمن مهرجان الكوت نت، وهو عمل شبابي حمل توقيع المخرج أحمد نجم وفريق “دريم إكس” للسينما والمسرح. لم يكن العرض مجرد تجربة مسرحية عابرة، بل محاولة واعية لتأسيس رؤية جمالية جديدة داخل المشهد المسرحي الواسطي، رؤية تستند إلى الطقس التعبيري والكولاج البصري، وتعيد طرح الأسئلة الكبرى حول المرأة، الصبر، والذاكرة الجمعية.
اعتمدت البنية الدرامية للعرض على تقنية الكولاج المسرحي، حيث تم تفكيك السرد الخطي وإعادة تركيبه عبر صور متجاورة تتنامى دلالياً لا زمنياً. هذا الأسلوب منح العرض طابعاً بصرياً متحركاً يقوم على الانتقالات الإخراجية المتواترة، ويؤكد أن الإيقاع الداخلي هو المحرك الأساسي للعمل. كما تميز العرض بملامح المسرح الطقسي التعبيري، إذ تحولت الحركة الجسدية إلى فعل شعائري يستحضر الذاكرة الجمعية ويستدعي البعد الروحي للمعاناة الإنسانية.
من النقاط المهمة في المسرحية دور الراوي في “صَبْرَة”، إذ لم يكن مجرد مفسر للأحداث، بل شكّل بنية خطابية موازية أضاف من خلالها طبقة فكرية وشعرية إلى العرض. جاءت حواراته بصياغة أقرب إلى النص الطقسي، تحمل نبرة إنشادية تتقاطع مع الموروث الديني والذاكرة الإنسانية.
من أبرز مقاطع الراوي التي تكثف دلالة العرض:
“منذ مريم عليها السلام
بدأت حكاية التضحية التي لم تدون كاملة
امرأة واجهت العالم وحدها
تحمل معجزة في رحمها
وتحمل الاتهام على كتفيها
لم تصرخ
لم تجادل
اختارت الصمت طريقاً
لأن الحقيقة أثقل من أن تشرح
فكان صمتها أبلغ من ألف خطاب”
هذا المقطع يضع المرأة في مركز التضحية منذ التاريخ المقدس، ويعيد إنتاج صورة الصبر كقدر أنثوي متكرر عبر العصور.
وفي مقطع آخر:
“رأت أم ابنها يخرج من قلبها
لا إلى الحياة بل إلى الظلام
ربته على الدعاء
فحمل السلاح
علمته أن الله رحيم
فصدق من قال له إن القتل عبادة
وحين وقف أمامها
لم تتعرف في عينيه
على الطفل الذي أنجبته
بل على فكرة عمياء
لبست جسد ابنها
قتلها
لا لأنها عدوة
بل لأن الأم
آخر ما يعجز الفكر الإرهابي
عن احتماله وفهمه هو الأم”
هنا يتجلى البعد التراجيدي، حيث تتحول الأم إلى ضحية مباشرة لفكر إرهابي يتجسد في ابنها نفسه. هذه المفارقة الدموية تكثف مأساة المرأة العراقية في زمن الإرهاب، وتجعل من الأم رمزاً للذاكرة والبيت والمستقبل المهدد.
كانت الثيمة المركزية للمسرحية هي المرأة، إذ اشتغلت على تضحياتها عبر التاريخ، بدءاً من السيدة مريم العذراء وصولاً إلى المرأة العراقية المعاصرة التي تواجه فقدان أبنائها في الحروب والإرهاب. الصبر في هذا السياق ليس مجرد حالة نفسية، بل فعل وجودي يحدد معنى البقاء والاستمرار. المرأة في العرض هي البداية والذاكرة والمستقبل، وهي التي تُستهدف أولاً لأنها تمثل صمام الأمان للأسرة والمجتمع.
الموسيقى التي ألفها منتظر كريم وعُزفت حضورياً لم تكن خلفية، بل بنية درامية موازية تولّد المعنى وتقود التحولات المشهدية. اللوحات الحركية الجماعية اتسمت بوعي تشكيلي واضح، حيث كان الجسد العلامة الأولى، والصورة الحامل الأساسي للخطاب.
هنالك عدد من التنظيرات المسرحية التي عمل عليها المخرج والتي يمكن تصنيف العرض من خلالها بأنه مسرح طقسي كولاجي، وهي كالتالي:
– أنطونان أرتو (مسرح القسوة): حيث يصبح الجسد مركز العلامة، ويُستثمر الصوت غير اللفظي لإحداث صدمة وجدانية.
– غروتوفسكي (المسرح الفقير): حيث يتحول الممثل إلى محور الخلق المسرحي بعيداً عن فائض التقنيات.
– أريان منوشكين (مسرح الشمس): من خلال الروح الجماعية والانضباط الإيقاعي والتكوين الجسدي.
من وجهة نظر نقدية، قدمت المسرحية تجربة جمالية جديدة في المشهد المسرحي الواسطي، جمعت بين الطزاجة الشبابية ووعي التجربة المتراكمة. كما أن قوة العرض تكمن في مزج الطقس التعبيري بالكولاج البصري، وفي جعل الراوي صوتاً شعرياً يربط الماضي بالحاضر، فضلاً عن الثيمة النسوية التي جاءت محملة بطاقة رمزية عالية، لتؤكد أن المرأة ليست مجرد شخصية درامية، بل هي بنية وجودية تختزن معنى التضحية والصبر. يمكن القول إن العرض أسس لمسار جديد في المسرح المحلي، مسار يؤمن بأن الخشبة فضاء طقسي قادر على إعادة إنتاج الأسئلة الكبرى عبر الجسد والموسيقى والصورة.
الخاتمة
إن عرض “صَبْرَة” للمخرج أحمد نجم يمثل خطوة تأسيسية نحو مسرح طقسي كولاجي في المشهد الواسطي، مسرح يزاوج بين الصورة والرمز والجسد والموسيقى، ويعيد للخشبة وظيفتها الأولى كفضاء شعائري قادر على مساءلة الذاكرة الجمعية وإعادة إنتاج الأسئلة الوجودية الكبرى. هذه التجربة ليست خاتمة، بل بداية لمسار يؤمن بأن المسرح العراقي قادر على صياغة هوية جمالية خاصة به، تنبع من معاناة الإنسان وتضحيات المرأة، وتستند إلى طاقة الشباب وإيمانهم بالتجريب.
* د. محمد علي إبراهيم الأسدي – ناقد مسرحي – العراق / واسط




