بين “المضيف” والمحكمة: “ليل البنفسج” وقراءة في اهتزاز المركزية العراقية/ سجاد عبد ناصر

منذ الحلقات الثلاث الأولى لمسلسل “ليل البنفسج” للمخرج علي فاضل، يتضح أننا أمام عمل يتعامل مع الدراما بوصفها سؤالاً مفتوحاً على جرح اجتماعي لم يلتئم بعد. يقدّم المسلسل صراعاً تقليدياً بين عائلتين، مما يضعنا داخل اشتباكٍ رمزي بين نمطين من الوعي: وعي الدولة بما تمثّله من قانون وتنظيم، ووعي القبيلة بما تحمله من أعراف وسلطة موازية. فـ “ليل البنفسج” في محصلته الأولية ما هو إلا محاولة جادة لقراءة التحولات القلقة في المجتمع العراقي؛ فهو عمل يقترب من منطقة حساسة، ويغامر بطرح سؤال القانون والعرف في سياق درامي مشحون. وإذا ما استمرت الحلقات القادمة على هذا المستوى من الحرفية، فقد نكون أمام تجربة تُسجَّل كواحدة من المحاولات الأكثر نضجاً في الدراما العراقية الحديثة. الحادثة المفصلية التي تنطلق منها السردية – شجار يتطور إلى قتل متبادل- تتحول إلى ذريعة درامية تكشف عن طرفي الصراع، وتُبيّن لنا العنف الموجود في المجتمعات نتيجة طبيعية لتراكم ثقافي يبيح السلاح ويؤجل القانون. واللافت أن العمل لا يشيطن طرفاً ولا يقدّس آخر، بل يضع الطرف المدني في موقع هشّ، أقرب إلى مشروعٍ أخلاقي يحاول الصمود داخل بيئة تُدار بمنطق القوة. بهذا المعنى، ينجح النص في تفادي المباشرة الوعظية، ويحتفظ بمسافة نقدية تسمح للمتلقي بإعادة التفكير في موقعه من هذا الصراع.
إخراجياً، تبدو الرؤية متماسكة منذ البداية جاءت زوايا التصوير محسوبة بعناية، خاصة في مشاهد التوتر، حيث اقتربت العدسة من الوجوه إلى حدّ كشف الارتباك الداخلي للشخصيات. هناك وعي واضح بالإيقاع البصري؛ فلا إفراط في الحركة، ولا استعراض مجاني. وتحمل بعض اللقطات حساً سينمائياً يتجاوز المألوف في الدراما التلفزيونية، مما يمنح العمل نَفَساً مختلفاً من حيث التكوين والعمق البصري. يشتغل المسلسل على منطقة شائكة: “الدم” بوصفه واقعة جنائية، والدم ذاته بوصفه شأناً عشائرياً. هنا يتراجع القانون خطوة، وتتقدم الأعراف خطوتين؛ فالعدالة هنا لا تتحقق في قاعة المحكمة بقدر ما تُحسم في “المضيف”، ولا يكون السؤال: “من المخطئ قانونياً؟” بل “من يرضي ميزان العشيرة؟”. هذا التوازي بين قوتين —الدولة والعشيرة— هو لبّ المأساة التي يعيشها الأفراد، ويظهر بوضوح في ملامح الشخصيات.
أما عن الأداء التمثيلي، فقد شكّل أحد أعمدة النجاح؛ وصحيحٌ أن معظم الممثلين عُرفوا بأدوار سابقة، لكنهم يظهرون هنا أكثر نضجاً وانضباطاً. فقد قدّمت الممثلة رشا رعد، التي أدت دور أخت المقتول، أداءً لافتاً؛ إذ لم تعتمد على الانفعال الصارخ بقدر اعتمادها على التراكم الداخلي للشعور، فكانت لحظات صمتها أبلغ من صراخها، ونظراتها المشحونة بالحزن والغضب حملت صدقاً نادراً. ويتضح هنا تبنيها لمنهج ستانيسلافسكي في “عِيش الظروف”، حيث بدا ذلك جلياً في تفاصيل صغيرة: ارتجافة بالكاد تُرى، ونظرة معلّقة في الفراغ كأنها تبحث عن أخٍ لن يعود. كما يمكن قراءة أدائها في ضوء “الذاكرة الانفعالية” لـ لي ستراسبرغ؛ إذ بدا أنها تعتمد على أرشيف داخلي، مما أضفى صدقاً وعمقاً نفسياً. وهنا نشير أيضاً إلى ما أكد عليه “ييجي غروتوفسكي” بأن جسد الممثل أداة كشف؛ فقد كان وجهها ساحة صراع بين الرغبة في الاقتصاص والخوف من الاصطدام بمنظومة عشائرية أقوى من القانون.
وحين نعيد قراءة “ليل البنفسج” بوصفه عملاً يتجاوز الحكاية إلى تشريح البنية الاجتماعية، نجد أن الصراع يتفجّر أحياناً في مشاهد صراخ وفوضى وعدم مركزية واضحة داخل الكادر. هذه الفوضى هي خيار واعٍ وظّفه المخرج بطريقة عبقرية، لا سيما في مشاهد التجمهر أمام المستشفى، حيث تتعمد الكاميرا الانزياح عن المركز، وتترك الأصوات تتقاطع بلا ترتيب. هذا الاشتغال يؤكد أن الكاميرا ليست ناقلاً محايداً، بل هي موقف؛ فاختيار الزوايا المائلة واللقطات الواسعة يمنح المشاهد شعوراً بعدم الاستقرار، وهي معالجة لا “تشرح” الفوضى، بل تجعلنا “نعيشها.”
إن الذكاء الإخراجي يكمن في كون هذه الفوضى المتعمدة تمهيداً دلالياً؛ فلعل المخرج أراد أن يقول إن المجتمع الذي ينقسم بين مرجعيتين لا يمكن أن يُنتج صورة مستقرة داخل الكادر؛ فكل شيء يهتز، لأن الأساس ذاته غير محسوم. وفي المحصلة، فإن “ليل البنفسج” ما هو إلا وثيقة شعورية وقراءة في فقدانٍ أوسع: فقدان الثقة بين الفرد والدولة، وفقدان الطمأنينة في مجتمعٍ تتنازعه مرجعيتان.
* م.م سجاد عبد ناصر/ جامعة واسط / كلية الفنون الجميلة .




