جدلية (السطح) و (الزنزانة) في سيمياء السقوط عند هوشنك وزيري/ أرسلان درويش

سـديم الكينونة وعبثية الأفق
تاتي مسرحية “السماء ليست لك” للكاتب المبدع (هوشنك وزيري)، النص الذي استحق عن جدارة المركز الأول في مسابقة هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام الدولية للمونودراما لعام 2025. تتويجاً لمسيرة كاتب استطاع أن يحول “الوجع الفردي” إلى لغة عالمية عابرة للهويات، معيداً صياغة مفهوم البطل المهزوم في فضاءات الحداثة وما بعدها. في البدء كان الجرح، وفي المنتهى كان الارتطام هكذا يشرع (هوشنك وزيري ) في تشييد مملكته الدرامية التي لا يحكمها سوى القلق، مستنزفاً من قالب “المونودراما” أقصى طاقاتها الانفجارية ليرسم بريشة الوجع كينونة الكائن المذعور.
يفتتح النص متنه على مشهدية محتقنة بطلٌ وحيد يدعى (لطيف)، يجد نفسه محاصراً في “طابق” يقع بين حلم الطيران وواقع الارتطام. يبدأ السرد الدرامي بـ “لطيف” وهو يمسك هاتفه كطوق نجاة أخير، يحاول استدعاء “مركز الشرطة” للإبلاغ عن لصوص أو أشباح يقتفون أثره في الطوابق العليا. لكن الحكاية لا تقف عند حدود الواقعة البوليسية، بل تغوص عميقاً في ذاكرة البطل فهو يعاني من كسر قديم في رجله ويده، أثر “سقوط قديم” من السطح أثناء طفولته، حين كان يحاول محاكاة الحمام الذي كان يربيه والده.
يعيش (لطيف) في “تراوما” مستمرة، يطاردها صوت أقدام مجهولة خلف الباب، وهلعٌ بارانوئي من فكرة أن السماء ملكٌ حصري للطيور وللسلطة، وليست له. يمتد الفعل الدرامي عبر حوار متقطع مع “الآخر الغائب” عبر الهاتف، ينتهي برفض مركز الشرطة التدخل، ليجد (لطيف) نفسه وحيداً في مواجهة مصيره. وفي لحظة “انفجار سيادي”، يقرر البطل التخلي عن خوفه، ويلعن الأمان الزائف، منطلقاً نحو “السطح” مجدداً، مفضلاً الارتطام الحر والنهائي على البقاء في زنزانة الرعب الأرضية.
إن نص “السماء ليست لك” ليس مجرد حكاية عن رجل يرتجف في غرفة معتمة، بل هو صرخة في برية الوجود، وحفرٌ معرفي في ذاكرة مصلوبة فوق جغرافيا الرفض، حيث تتحول الخشبة إلى “رحم مالح” يلفظ الكلمات قبل أن تكتمل، لتصير شظايا من الصمت الصاخب الذي يفتت يقين المتلقي ويضعه في مواجهة عُري الكينونة.
يبني (وزيري) معمار نصه فوق أنقاض “السكينة المزيفة”، متجاوزاً السرد التقليدي نحو فضاء سيكو-درامي محتقن بالرهاب، حيث لا يتحرك الزمن إلا في اتجاه واحد: نحو الهاوية. إن البطل “لطيف” ليس فرداً عابراً، بل هو “نسخة مكثفة” من الإنسان الذي فقد بوصلته فاستعاض عنها بوميض هاتف بارد، يحاول عبره استجداء أمانٍ هو في الأصل صانع جلاديه. هذا النص يمارس علينا قسوة “أرتو” بلمسة “بيكيتيّة” شاحبة، حيث الغياب هو الحاضر الوحيد، وحيث السماء التي هي المشاع الإنساني الأكبر، تغدو في قاموس وزيري “ملكاً خاصاً” لجهة لا تمنح إلا الصمت، تاركة الكائن يتخبط في “انحباسه الوجودي” كطيرٍ قصّت السماءُ جناحيه قبل أن يقصّهما السقوط المادي والمعنوي.

ينساب النص في استقراء يمزج بين “شعرية القلق” ورصانة الحفر الفلسفي، حيث يتجلى “لطيف” كبطلٍ ضد ،(Anti-hero) مثقلٍ بتراوما الارتطام الأول. (وزيري) يستخدم “الهاتف” كعلامة سيميولوجية كبرى، لا ليحقق اتصالاً، بل ليعمق الانفصال. يتقاطع هذا الأسلوب مع مسرحية “الصوت الإنساني” لجان كوكتو، ولكن بفرق جوهري؛ فبينما كان هاتف (كوكتو) حبلاً سرياً يربط الضحية بالحب الآفل، يغدو لدى (وزيري) حبلاً للمشنقة يربط “لطيف” بسلطة مجهولة الوجه.
كل نداء يطلقه البطل نحو “مركز الشرطة” هو في جوهره نداء نحو “العدم المُنظم”. السلطة هنا هي “الإله الغائب” في مسرح العبث، لا تظهر ولا تحمي، بل تكتفي بالصمت أو الإنكار. إن “البارانويا” التي تتغلغل في مسام النص، من وقع أقدام خلف الباب أو أصوات في الطابق العلوي، ليست سوى “هندسة رعب” متقنة، تحول المسرح من مكان للعرض إلى “زنزانة نفسية” لا جدران لها سوى الخوف من “الطارق القدري”.
تتمركز القيمة الجمالية للنص في قدرته على تحويل “المونودراما” إلى “تفكيك أبستمولوجي” للواقع. فجدلية “السطح” و”الزنزانة” عند (وزيري) هي المحرك الدرامي الذي يجعل النص ينمو رأسياً؛ فبينما يمثل السطح “اليوتوبيا” المفقودة والحرية المستحيلة، تمثل الغرفة (الزنزانة) “الديستوبيا” الواقعية والارتطام المستمر.
وتتبدى عبقرية هوشنك وزيري في استحضار اسم (مام عولا) لا كإحالة عابرة، بل كـ “مرساة هوية” تتهاوى في لُجّة الارتطام فهذا الاسم الكوردي المثقل بحميمية القرابة وبركة الانتماء، يمثل في النص “المركز الذي لم يعد يحمي”. إن استدعاء (مام عولا) وسط مناخات البارانويا هو محاولة يائسة من البطل لاستعادة الأمان المفقود عبر “الهوية الأم”، لكن وزيري يمنح هذا الاسم دلالة تراجيدية وعميقة فهو الجدار الذي تشقق، والظل الذي لم يعد يقي من شمس العدم.
هنا، يتقاطع البعد الهوياتي مع الدلالة السياسية والفكرية للنص فـ(مام عولا) يرمز إلى “الأبوة الجمعية” أو السلطة الرمزية للمجتمع التي عجزت عن توفير الحماية للفرد في مواجهة طاحونة “المركز” (الشرطة/الدولة) التي لا تجيب. بسقوط دلالة (مام عولا) أو عجزه عن الحضور كفعل خلاص، يسقط البعد “الحمائي” للهوية التاريخية، ليجد “لطيف” نفسه عارياً من كل سند قومي أو عائلي، مواجهاً قدراً كونياً لا يعترف بأسماء الآباء ولا بحنو الأخوال. إنها الصدمة الفكرية التي يطرحها وزيري: حين تتحول الهوية من “ملاذ” إلى “ذكرى مجروحة”، ويصبح الفرد في مواجهة السلطة السياسية الباردة كائناً “هباءً” لا يحميه تاريخه ولا انتماؤه، ليصبح الارتطام بالأرض هو الحقيقة السياسية الوحيدة المتبقية في عالمٍ صادرَ السماءَ وحوّلها إلى ملكية خاصة للأقوياء.
هذا التنازع يذكرنا بـ “شريط كراب الأخير” لصمويل بيكيت، حيث الذاكرة هي العدو والمنقذ في آن واحد. (لطيف)، مثل( كراب)، محاصر بآثار ماضيه، لكن كسر (لطيف) في رجله هو علامة جسدية لا تمحى، تذكره بكل ثانية بأنه كائن أرضي محكوم عليه بالبقاء أسفل السماء. (وزيري) لا يكتب حواراً، بل يكتب “نزيفاً لغوياً” يتتبع مسار الدم من اليد المعطوبة إلى القلب المذعور، مستحضراً في هذا السديم البشري قلق الكائن الذي يدرك، في لحظة “تنوير فاجعة”، أن السماء ليست له.
رابعاً: المشهد الختامي.. معراج الارتطام المقدس
في المشهد الختامي، يبلغ النص ذروة “التنوير العكسي”، حيث يتحول الارتطام من “لعنة” إلى “فعل انعتاق”. (لطيف) يقرر أخيراً أن يواجه قدره بصدرٍ عارٍ، متخلياً عن “وهم الأمان” ليواجه “يقين الهاوية”. إن صرخته المدوية: “اللعنة على الأمان.. سأذهب إلى الأعلى.. إلى السماء” هي لحظة “الانفجار الشعري” الذي يحطم قيود البارانويا.
(وزيري) هنا يبدع في جعل “السقوط” فعلاً مقدساً، ملمحاً إلى أن الحرية ثمنها الارتطام. وإذا كان بطل “الكراسي” ليوجين يونسكو قد اختار القفز في البحر هرباً من الفراغ، فإن (لطيف) عند (وزيري) يختار القفز نحو “السطح” استعادةً للسيادة على موته الخاص. إنها لحظة الانعتاق من “سجن الطمأنينة المزيفة” التي يمنحها لنا الخوف.
لقد استطاع هوشنك وزيري، عبر هذا المتن المشبع بالدلالات والمدلولات، أن يعيد تعريف “الدراما المعاصرة” بوصفها “أركيولوجيا للألم”، والنتيجة هي هذا الوعي الحاد بمرارة الحقيقة. لغة النص، بنبرتها التي تشبه مراثي الحداثة في عنفوانها الجمالي، لا تكتفي بوصف الانهيار، بل تسكن فيه، محولةً كل نبضة خوف إلى “أيقونة جمالية” تتحدى التآكل والنسيان.
في “السماء ليست لك”، يتجلى الكاتب كحارسٍ للنشيد الأخير، ذاك الذي يرتفع حين تخفت الأصوات وتغلق الأبواب فهو لا يمنحنا “السماء” كملكية، بل يمنحنا “الحنين إليها” كفعلِ مقاومة. إن وزيري هنا يكتب بالنيابة عن كل الذين سقطوا وهم ينظرون إلى الأعلى، محولاً ذاكرة (لطيف) الجريحة إلى إيقاعٍ كونيٍ، يعلّمنا أن النور لا ينبثق من النجوم البعيدة فحسب، بل يولد أيضاً من احتكاك الروح بصلابة الأرض.
مسرحية “السماء ليست لك” هي وثيقة إنسانية، تحكي عن ذلك الذي سقط، لا لأنه فشل في الطيران، بل لأن السماء كانت أضيق من حلمه، ولأن الأرض كانت أقسى من احتماله. و فوز هذا النص من بين أكثر من 700 مسرحية بجائزة الفجيرة الأولى عام 2025 هو شهادة على أن المسرح لا يزال قادراً على اجتراح المعجزات حتى من داخل الغرف المظلمة، وأن هوشنك وزيري قد صاغ ببراعة حكاية كل إنسان يحاول الوقوف برجل مكسورة، لينظر إلى السماء، ويصرخ في وجه العدم صرخته الأخيرة.
وهكذا يظل النص شاهداً على أن المبدع الحقيقي هو مَن يجرؤ على لعن “الأمان” الزائف، ليبني من شظايا قلبه سماءً بديلةً.. سماءً لا تملكها السلطة، بل يملكها العشاق والمجانين والذين قرروا، ولو لمرة واحدة، أن يلمسوا الأفق وهم يسقطون.



