مقالات

إلى أين تأخذنا الدراما التليفزيونية؟؟/ د. حسن عطية

  1 ـ فانتازيا الإطلال على الواقع

 

 

يروج البعض لفكرة أن الفن مرآة للواقع، ينقل كل ما فيه من سفالة وهبوط وتدنى، تبريرا لما يقدمه من أعمال معبأة بدخان المخدرات، وملوثة بالشواذ، واغتيال معارضى الرأي حتى ولو كانوا من الآباء والأبناء، وهو قول خاطئ تماما ومناف لطبيعة ووظيفة الفن، ويؤدى إلى تشكيكنا فيما نعيشه على أرض الواقع، ونحن نرى صورا مشوهة له على الشاشة تختلف عما نعيشه، وعما نأمل في أن نعيشه .
وهنا مربط الفرس، فالفن هو تعبير عن الواقع، ولكنه ليس نقلا فوتوغرافيا له، بل الفن اختيار، والفنان مسئول عن اختياره، وعن إعادة صياغته لما هو مبعثر في الحياة في عمل فني متكامل، ليعبر به عن هموم وطموحات المجتمع، ويتوجه باختياره هذا نحو جمهوره ليرتقى بذوقه ويسمو بوجدانه وينير عقله كي يتحرك لتغيير واقعه إلى ما هو أفضل.
وإذا ما حاولنا أن نقرأ اليوم ما قدمته الدراما التليفزيونية من مسلسلات، وصلت بنا لأكثر من نصفها، سنجد أكثر من ثلاثين مسلسلا مصريا تعرض على القنوات المصرية غير المشفرة، وغير العربية بالطبع، بمعدل مسلسل كامل في اليوم الواحد، أنتجت غالبيتها شركات خاصة، بعد انسحاب قطاع الإنتاج بماسبيرو وشركة القاهرة ومدينة الإنتاج عن القيام بدورها في قيادة سفينة الإبداع الدرامي بتقديم المسلسلات الجادة والمثيرة لوعى المجتمع، وبثها على الشاشات الرسمية أو القومية المتعددة، حتى أن استطلاعا جماهيريا أجراه الأسبوع الماضي موقع (اليوم السابع) حدد فيه سبع قنوات للتصويت الجماهيري على أفضلها، ليس من بينها تليفزيون الدولة ولا قنواته المتخصصة، بما فيها قناة النيل للدراما، التي أنشئت عام 1996 لتكون قناة العرض الأول للدراما المصرية، وخلال فترة التسعينيات وأوائل هذا القرن كان التليفزيون المصري يشكل لجنة سنوية من كبار النقاد والإعلاميين تعقد جلساتها قبل شهر رمضان لاختيار المسلسلات الأفضل التي تبث على القنوات الرسمية، باعتبارها هي القدوة، وكان الكل يصارع من أجل أن تعرض أعماله على هذه الشاشات الرسمية، بل كانت الشركات الخاصة تعمل على شراء (لوجو) مدينة الإنتاج الإعلامي لتمرير عرض مسلسلاتها على قنوات الدولة .
وفى السنوات العشر الأخيرة، عجزت القنوات الرسمية عن شراء حق عرض أبرز مسلسلات النجوم على شاشاتها، ففقدت مورد إعلاناتها، كما تعثرت في الإنتاج واكتفى قطاع الإنتاج بماسبيرو بتقديم مسلسل يتيم بعنوان (دنيا جديدة) للكاتب “مصطفى إبراهيم” والمخرج “عصام شعبان”، أسقطه من حساباته استطلاع (اليوم السابع) مع مسلسلين آخرين هما (ولاد السيدة)، وهو الإنتاج الوحيد لشركة صوت القاهرة، و(أوراق التوت)، والغريب أن المسلسلين من إخراج “هانى إسماعيل”، وضاعت هذه المسلسلات الثلاثة وسط الصخب الإعلامي الهائل الدائر حول مسلسلات النجوم فى القنوات الخاصة .
** شرعية الإرتجال:
وكما دمرت سينما المقاولات الضحلة مسيرة السينما المصرية، وألت بها في النهاية لسينما العشوائيات الدموية، امتزجت المقاولات بالعشوائيات في الدراما التليفزيونية، فظهرت على الشاشة تشوهات المجتمع التي ترضى حفنة من المشوهين وفاقدي الإحساس والعقل، وبرز المقاول الذي ينتج المسلسل لنجم يبيع به سلعته، دونما اهتمام بالسيناريو المكتوب وتأثيره في المجتمع، بل هو يطلب دائما من السيناريست قبل أن ينظر فيما كتبه أن يأتيه بموافقة النجم أولا، وموافقة النجم تعنى أن على الكاتب أن (يفصل) العمل لصالح نجوميته، ونظرا لرفض كتابنا الجادين كبارا وشبابا الخضوع لمنطق بيع النجم، ظهرت فكرة ورش الكتابة، التي يكون شاغلها الشاغل هو حرفية الكتابة وتركيب المواقف ونقل حوار الشارع لألسن الشخصيات مع الحرص على وجود النجم في كل مشاهد المسلسل، وليس الرؤية المقدمة للمجتمع والمؤثرة فيه، ولذا لا تستطيع أن تنسب العمل لأي من أفراد الورشة، مثلما نقول هذا عمل ل”محفوظ عبد الرحمن” وذاك كان ل”أسامة أنور عكاشة”، وهو ما نراه واضحا في المسلسل الأقرب للست كوم (يوميات زوجة مفروسة أوى) الذي نجت مدينة الإنتاج الإعلامي من إنتاجه، لسطحية أفكاره وعدم امتلاك صاحبته “أماني ضرغام” التي صاغته بمفردها في البداية لحرفية الكتابة الدرامية، وأصر مخرجه على إنتاجه، ربما لانبهار الممثلة “داليا البحيرى” به، فحول السيناريو لورشة قادها ثلاثة من الشباب الدارسين والباحثين عن فرص للكتابة، وهم “أمين جمال” و”عبد الله حسن” و”تامر فرج”، حولوه بدورهم لمواقف ملفقة ترك للممثلين شرعية التأليف الفوري وكاريكاتورية الأداء، وفى مقدمتهم الممثلة “إيمان السيد” وإفيهاتها المعتادة .
والأمر كذلك مع مسلسل (استيفا) الذي كتبه مجموعة من الشباب، وهو في الحقيقة برنامج بوليسى، أقرب لبرنامج المفتش كولمبو الأمريكي، وسميه المفتش الكرتوني كرومبو المصري، تبدأ كل حلقتان منه بجريمة قتل، يكون على ثنائي البحث الجنائي مهمة الكشف عن القاتل، طارحان في نهاية الحلقتين سؤالا للجمهور لمعرفة “من القاتل؟”، وهو ذات السؤال بعد أن صار “من خطف الطفل ياسين”، الذي تنتهي به كل مجموعة حلقات في مسلسل (ذهاب وعودة) ولم تستثمر الجهة المنتجة أو القناة العارضة فرصة تحويل المسلسل لأسئلة للجمهور للنجم “أحمد السقا” الذي خانه التوفيق هذا العام مع سيناريو “عصام يوسف” وإخراج “أحمد شفيق”، والذي يقدم مواقف ملفقة من النصب والاحتيال على والد الطفل المخطوف، مما يضعه طوال الوقت في حالة ذهول مستمر، وزوجته في حالة بكاء دائم والجمهور في حالة ملل تدفعه للهرب إلى مسلسلات أخرى، خاصة وأن القناة التي تعرضه حصريا تبث منه خمس دقائق دراما تعقبها عشرون دقيقة إعلانات، يكون الجمهور خلالها قد أنشغل بما يعرض على قنوات أخرى، خاصة وأن الجهة المنتجة أو القناة العارضة لم تنتهز فرصة تعدد الأشخاص الموجهة إليهم أصابع الاتهام لتحولها إلى مسابقة يومية، على غرار مسابقة مسلسل (أوان الورد) القديم التي فسدت نهايته لتحوله إلى فزورة.
** سيد الخواتم:
تضعنا القراءة المتعمقة لتوجهات الدراما المصرية والعربية، أمام ثلاثة توجهات أساسية هي التوجه نحو الفانتازيا بمستوياتها المتعددة، ونحو التاريخ القريب في مجمله، ثم نحو الواقع المجتمعي الراهن، ليبقى للكوميديا حضورا خاصا ينبغي التوقف عنده، وأن تتداخل مع التوجه الأخير، بينما نتوقف اليوم عند التوجه نحو الفانتازيا أي عالم الخيال المحلق بعيدا عن الحياة الواقعية التي نحياها، وهو توجه يصادف هوى لدى الأجيال الجديدة، المقبلة على روايات الشياطين وكتب الخرافات والخزعبلات وأفلام العوالم العجائبية ومنها سلسلة أفلام (سيد الخواتم) وأفلام الرعب عامة، وهذا الهوى نابع من شعور بالإحباط الشديد لدى الشباب تجاه واقعه، وتفتت العلاقة بينه وبين الأجيال السابقة، مما يدفعه للانغلاق على ذاته، والاكتفاء بالتحاور مع شخصيات لا يعرفها بالفضاء الافتراضي، مما يتيح له فرصة إخراج ما يكبته في لا وعيه على شاشة الكومبيوتر، دون أن يضطر لكي يبدو دبلوماسيا في حضرة الأهل والأصدقاء، فيمتلئ حواره بالشتائم، التي تسللت عبر كتاب جيله للأعمال الروائية والسينمائية والتليفزيونية دون حياء، بعد أن صار العالم الافتراضي هو العالم (الحقيقي) الذي يعيشه، وأصبح عالم الخيال إما طريقا للهروب من الواقع عند الغالبية أو ملجأ وشاطئ آمان يرتاح على رماله المبتلة العقل المجهد في زمن أختلت فيه القيم وغامت الرؤى .
** ألف ليلة وليلة:
ثلاثة مسلسلات تابعناها على الشاشات المصرية تنتمي لعالم الفانتازيا، اثنان منهما يندرجان تحت الفانتازيا الأسطورية وهما : (ألف ليلة وليلة) المعتمد على مادة الكتاب الشهير، و(أوراق التوت) الذي يستلهم حكايات ألف ليلة وليلة بتصرف كبير، ثم (العهد) المنتمى للفانتازيا الغرائبية، يسبح الثلاثة في فضاءات خيالية، يكون للصورة المرئية بديكورها وإكسسوارتها وملابس شخصياتها وحركتها داخل الكادر إلى جانب حيل الجرافيك والفوتوشوب، يكون لها دورا مهما في تجسيد عوالمها الخيالية والغرائبية بالنسبة للمسلسلين الأولين خاصة، كما ساعدت الإضاءة الخافتة والمواجهة لعين الكاميرا مع حركة الشخصيات الهلامية في منح الثالث ظلالا أسطورية تزيده غموضا وصعوبة في التقاط تفاصيله الدقيقة.
ينطلق مسلسل (ألف ليلة وليلة) باكورة إخراج مدير التصوير “رءوف عبد العزيز”، والذي كتبه “محمد ناير” باختيار دقيق للحكايتين اللتين ترويهما “شهرزاد” لملكها “شهريار”، وبوجهة نظر جديدة لعلاقة “شهريار” بقتل النسوة، بادئا كعادة الأعمال التي تحمل عنوان (ألف ليلة وليلة) مما يسمي بالحكاية الإطار، أي حكاية الملك المنتقم من النساء “شهريار” (شريف منير) مع الحكاءة المثقفة “شهرزاد” (اللبنانية نيكول سابا)، تتوازى معها حكايتان تشغل كل واحدة منهما نصف حلقات المسلسل، وتدوران في عوالم لا يعرفها الملك القابع داخل مملكته، تثير انتباهه وتؤخر قطع رقبتها، لاغيا فكرة خيانة زوجة “شهريار” له، ليلصقها بزوجة أبيه الملك “فخريار” التى خانته مع عبد له، دافعا بالابن “شهريار” الشاب بالتعهد لأبيه بالزواج بامرأة كل ليلة وقتلها لحظة صياح الديك معلنا قدوم الفجر، مما يجعل من فعل انتقامه من النساء فعل النائب عن المخدوع وليس المخدوع ذاته، فلا يكون قتله للنساء فعلا انتقاميا له، وهو ما يؤدى لتخفيف شعوره بالخيانة الزوجية، حينما تنجح “شهرزاد” التي قدمت نفسها زوجة له، فداء لأختها “دنيا زاد” (هنا الزاهد) بنفسها، كبداية لفداء كل نساء المملكة، وتستخدم حكاياتها لتأخير فعل قتلها، حتى يتسنى لها هي قتله ذات ليلة، دون أن تدرك أن حكاياتها هذا ستغير من حياتها وحياة “شهريار” نفسه، حينما تنجح بها في نقل تفكير”شهريار” من الانغماس في القتل اليومي إلى التحليق بالخيال في عوالم جذابة، عبر فتح أحد الأدراج التي تحتفظ داخلها بحكايتها، فتقص عليه حكايتها الأولي عن القرصان المغامر “نجم الدين” (أمير كرارة) الباحث عن كنوز الملك المختار، فيستولي على خاتم “طهروس” (أيمن قنديل) ملك البلاد المحتوى على جزء من خريطة الكنز، ويبحر بحثا عن بقية الأجزاء، حتى يجد جزءا منها بظهر فتاة كادت تموت غرقا في البحر، ومنحها اسم “قمر الزمان” (التونسية عائشة بن أحمد)، ويصطحبها لمدينة العمدان ومنها لمعبد الميامين الكامن تحت الأرض، ثم الإبحار نحو مدينة السحاب التي يحرسها طائر العنقاء الخرافي، الذي يطارد سفينة “نجم الدين” بحرفية تنفيذ على الشاشة ليست بالمستوى العام المتميز للإخراج والتصوير واستخدام الحيل وتوظيف الديكور الذي صممه بصورة جيدة”خالد أمين” والملابس التي منهجها مصممها “رفعت عبد الحكيم” حضورا جليا داخل الصورة المرئية .
رغم هذه الحكايات الليلية إلا أن الواقع في مجتمع “شهريار” يفور، لطمع أخيه في الحكم، واحتياج البلاد للمال، مما يدفع “شهريار” للتفكير في عقد معاهدة مع “كسرى” (السوري قيس شيخ الدين) ملك الفرس لمنح البلاد المال اللازم لإنعاش الحياة الاقتصادية بالبلاد، مقابل إمداد “كسرى” بجيش عربي يساعده في حربه ضد الروم، مما يعيد للأذهان موقف العرب الممزق بين الحروب الفارسية والرومانية قديما، وتحالفه مع قطب ضد آخر، والمعادة صورته اليوم بين الفرس والغرب عامة، ورثة الرومان، وهو ما ستكشف عنه الحلقات القادمة فيما يتعلق ب “شهريار” من واقعه المجتمعي، ومن “شهرزاد” وحكاياتها الخيالية.
** أوراق التوت:
من إنتاج التليفزيون السعودي ومؤسسة البناء للإنتاج الإعلامي، وعن قصة منتجه الممثل السعودي د. “ماجد العبيد” يجرى السيناريست “أيمن سلامة” وقائع مسلسله في عالم الفانتازيا الأسطورية، الذي أخرجه باقتدار “هاني إسماعيل”، موظفا ديكور “عادل المغربي” بطابعه الهندي والمنفذ داخل الأستوديو الخاص به، ومقدما صورة مغايرة لموقف العرب في سياق الصراع بين الكتلتين القديمتين والحديثتين، حيث يصطحب الطبيب العربي المسلم الملقب ب”ابن أحمد” (كمال أبو ريه)، والذي خرج من وطنه العربي إلى الهند ليجلب لخليفة البلاد أعشابا طبية تشفيه، وفى طريق العودة تتحطم سفينته على شواطئ الهند ويغرق كل من فيها، فيما عدا هو وأسرته الصغيرة، التي تقذف بها وبه الأمواج لشاطئ مملكة (درامهان) الخيالية ومليكتها “ليلانتا” (صابرين) التي تصارع مملكة خيالية أخري تدعي (شارنقاه) وإمبراطورها “ديوسيوس” (يوسف شعبان)، ليجد هذا الطبيب نفسه وسط هذا الصراع المحتدم بين أقوى بلدان العالم القديم، فيعمل بهدى دينه على إصلاح مملكة (درامهان) عقب إنقاذ الملكة من محاولة اغتيالها بالسم، على يد مستشارها الأول “مازيلا” (ماجد العبيد)، ووصيفتها “أليسيانا”(سميحة أيوب)، فتزج بهم في السجن، ليصبح “أبن أحمد” مستشارها الأمين، والناقل للمملكة بسلوكه وأمانته ودماثة خلقه أفكار الدعوة الإسلامية دون غزو أو بحد السيف.
محاولة درامية جادة لتقديم الإسلام الصحيح عبر دراما خيالية المكان والشخصيات، تستحق التقدير والمقارنة مع مسلسل اجتماعي آخر يحمل عنوان (دنيا جديدة) للكاتب الجاد “مصطفي إبراهيم” يقدم وجهتي نظر معتدلة وأخرى متشددة للفهم الديني، كما يستحق مسلسل (العهد) المنتمي لعالم الفانتازيا مقالا مستقلا في مقالاتنا القادمة، فهو نموذج كامل للفرار من الواقع، على النقيض من المثالين اللذين توقفنا عندهما ويقدمان رؤيتهما الكلية لقضايا الواقع في أردية خيالية.

Related Articles

أضف تعليقاً

Back to top button