نقد

كتاب الخميس (الحلقة السابعة والستون)/ محمد محسن السيد

اسم الكتاب : “ خطايا المسرح العراقي .. من التكوين الى الانكسار”

الكاتب: شوقي كريم حسن

الناشر:

 

***************

 

الجلادون الجدد واغتيال المسرح.. قراءة في كتاب (خطايا المسرح العراقي .. من التكوين الى الانكسار) لشوقي كريم حسن

 

“المسرح هيكل مقدس” (تشيخوف).

“ما الفن الا ظل الانسانية” (غوركي).

” الفن روح علوية” (جبران خليل جبران)

“هذا بوقي وقد نفخت ترى هل تسمعون الصراخ!!” (رياض عصمت)

قد يرى البعض في بعض الاراء الصادقة والمتسمة بصراحة متناهية قد يراها البعض وينظر لها من جنبة نفسية تُفسر بانها لحظة انفعال آنية لاغير. وهذا غير علمي ومنطقي بالمرة. واذا عدنا بادراجنا الى تعقب تطور الفكر النقدي عبر مسيرته الطويلة بدءاً من اليونان وصولا الى عصر النهضة وما افرزته من جمابذة في هذا المجال لو تساءلنا كيف تحققت هذه النهضة؟ ومن يقف وراءها؟ لكان الجواب حاضرا لدينا وهو وجود العقل المفكر والنقدي الذي لا تفوته الصغيرة والكبيرة في البناء الاجتماعي يتناولها في مختبره ويحللها ويفككها ومن ثم يجد لها الحلول الناجحة والكافية ومن هذا المنعطف الفكري . والنهضوي الكبير ياتي كتاب “خطايا المسرح العراقي زمن التكوين الى الانكسار” للاديب الفذ شوقي كريم حسن وهو من اواخر اصداراته حيث سبقه بكتاب “خطايا الادب العراقي” وهو سلسلة كما اخبر عنها صاحبها سوف تشمل السينما والدراما والاغنية العراقية. نهض الكتاب – كما هو معتاد – بمقدمة قصيرة حملت عنوان (ليست مقدمة، بل توضيح لمقاصد الفعل).

اكد فيها الكاتب على ان كتابه الذي بين ايدينا ليس مسردا تاريخيا للعروض والمناسبات، بل سيرة جرح، وتاريخ للمسكوت عنه عبر اسئلة في غاية الاهمية من امثال: كيف تحوّل المسرح من مشروع وطني وانساني الى اداة حزبية؟

من سرق جمهور المسرح؟

هل كان الخراب قدرا، ام نتيجة خيانة مزدوجة، من الداخل والخارج؟ واخيرا: هل يمكن استعادة المسرح العراقي بوصفه فنا حيّا، ام ان العودة مستحيلة؟!.

وجاء في ختامها: هذا ليس كتابا عن المسرح فقط .. بل عن العراق ذاته، حين خسر القدرة على الاصغاء لصوته العميق، وسعى البعض الى محو كل ما يمكن ان يربطه بالجمال والفكر النير والفاعل .. الاوطان دون فن تشبه صحراء قاحلة، منسية لا يحسب لها حساب!!.).

توزع الكتاب على (15) فصلا امتدت على صفحاته الـ(140) صفحة من حجم الوسط . جاء الفصل الاول تحت عنوان ( البدايات .. مهد المسرح بين التبشير والتعليم). وفيها ياكد الكاتب على المسار التاريخي ومراحل تطور. فن المسرح وبواكير بداياته في منتصف القرن التاسع عشر عبر جهود المبشرين المسيحين ولاسيما الكاثوليك، الذين انشاؤوا مدراس في بغداد والموصل والبصرة، وصولا الى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ثم يذكر الكاتب شهادات من بعض المسرحيين العراقيين بهذا الصدد من امثال : عبد الامير الورد وهو من اوائل المخرجين العراقيين، ويوسف العاني اضافة الى شهادات عالمية موازية: لبرشت في اهمية المسرح ودوره البناء في الحياة الانسانية، ومما جاء فيها ما نصه: “.. يوسف العاني: كنا نؤمن ان الخشبة مكان للثأر من الظلم .. نريد ان نصنع وطنا على الخشبة حين عجزنا عن صنعه في الواقع!!”.

برشت الالماني: “المسرح الحقيقي لا يسلي فقط. بل يعلّم. انه ليس اقيونا للشعوب، بل مادة محفزة للفكر، المسرح يجب ان يكشف، لا ان يجمّل، ان يهزّ ، لا ان يُطمئن!!”.

واما الفصل الثاني وهو ككل فصول هذا الكتاب جاء مكثفا وقصيرا في صفحاته حيث حمل عنوان (حين دخل الحزب الى الخشبة .. المسرح الايديولوجي وموت الخيال!!). ويتناول فيها الكاتب المسرح في ثمانينات القرن الماضي حيث تلفعت الحياة بكاملها باللون الخاكي إبان الحرب العراقية الايرانية ومما جاء فيها: “… ان كثيرا من المسرحيين استسلموا، وبعضهم تحوّلوا الى ادوات دعائية، بل الى جنود في جبهة ” المسرح التعبوي” كتبوا نصوصا تمجد المعركة، وتجرم الحياد، وتؤله الزعيم، وتصور الحرب على انها نزهة شرف .

.. وهكذا مات المسرح نفسه، حين صار القفل جزءا من رسالته الفنية في زمن الايدلوجيا. ان الجوائز والمنح والتكريمات كانت توزع على اساس مدى الالتزام بخط الحزب، لا بمدى الابداع الفني، وهكذا طرد الكثير من الموهوبين، او سجنوا داخل بصمتهم. بينما تصدر المشهد مهرجون بلغة حربية” .. في هذا الفصل الاسود من تاريخ المسرح العراقي. الُغيت العلاقة بين المتفرج والخشبة، واستبدلت بعلاقة بين المتفرج والسلطة، وصار النص يُقدم لا ليُفهم – بل ليُطيع – ولعل اكبر خطيئة ارتكبها المسرح آنذاك، انه وافق – طائعا او مجبرا – على ان يكون ضد الحياة، ضد السؤال، ضد الفن). وفي ختام هذا الفصل يؤكد وبكل موضوعية ما نصه: “… دخل المسرح العراقي – انذاك – نفقا مظلما، اصبح الخروج منه مؤجلا، لان الروح التي اُرغمت على الركوع، بحاجة الى وقت طويل كي تنهض من جديد، وتقول لا .. وما قالت لا .. الا في مرات لا تتجاوز اصابع اليد الواحدة!!”.

اما الفصل الرابع فقد جاء تحت عنوان: (الانهيار في الثمانينات .. حين اختلط الدم بالديكور). ومن الدال اللفظي لعتبة العنوان يظهر انه جاء استكمالا لحقبة الثمانينات والفصل الخاص بها (اعني الفصل الثالث) . وفيه يؤكد شهادات لنقاد عراقيين كبار بشأن هذه الفترة وما اصاب المسرح فيها. من امثال حاتم الصكر في دراسته: (المسرح والرؤية: جدل الرؤية والخطاب) حيث يقول فيها: “ما قُدم من عروض خلال الثمانينات لا يمكن اعتباره مسرحا بالمعنى الفني، بل اقرب الى مشاهد دعائية، لقد غابت الحبكة، وانطفأ الصراع الداخلي، وصار الممثل يؤدي دورا مسبقا لا شخصية تنمو على الخشبة. كنا نرى المقاتل البطل، ولا نري الانسان المكسور خلف البندقية”.

وهناك ايضا الناقد المعروف عواد علي في دراسته بعنوان (المسرح العراقي والحرب: الخطاب والتلقي). اذ يقول: “في كل مسرحيات الحرب، يُطلب من الكاتب ان يُجسد المعركة، لا ان يحللها، ان يصور العدو على انه شيطان، لا كائنا يحمل فكرة اخرى، ان يُنهي المسرحية بالنصر او الشهادة، لا بالخذلان او اللاجدوى، لقد الغيت كل نهاية ممكنة، باستثناء تلك التي ترضي العقيدة”. وهناك شهادة للفنان الرائد يوسف العاني جاءت على شكل مقالة لم تنشر الا بعد سنوات بعنوان (اي مسرح نريد .. ونحن نحفز قبورنا بأيدينا؟ يقول فيها: “المسرح، اذا لم يكن صوت الشعب، صار صوت جلاده، واذا لم يقل ما يخيف، صار يردد ما يُطلب منه، واذا حدث ذلك، فعلينا ان نقرأ الفاتحة عليه” .

وهناك شهادة المخرج العراقي الراحل ابراهيم جلال وهي ورقة خاصة عثر عليها في ارشيفه بعد وفاته يقول فيها: “كنا نؤمن ان المسرح يبني الانسان، لكننا اكتشفنا في تلك السنوات ان الانسان يمحى على خشبة المسرح، كل ما نفعله صار يوجه نحو هدف لا نعرفه، ويبارك من جهات لا تحب ان يقال لها: لماذا؟”.

ولعل هذه الـ(لماذا) هي القشة التي كسرت ظهر الكاتب طوال عقد كامل والزمته بان يتحفظ على كل ما يكتبه ويخشاه. وكانت اخر شهادة هي ماكتبه المفكر السوري (سعد الله ونوس) في رسالة خاصة الى احد اصدقاءه المسرحيين العراقيين في عام(1988) :” اشعر بالحزن حين اقرا اخبار المسرح العراقي. لقد كان لنا معكم حلم مشترك .. ان يكون المسرح صوت الذين (اصت لهم. واليوم، اشعر ان الصوت نفسه اختنق تحت الرتبة واليافطة والراية”. وهكذا حولت العسكرتارية المسرح الى اداة من ادواتها الرخيصة والمبتذلة.

اما الفصل الخامس فقد حمل عنوان (مسرح الفلافل .. حين ضحك الموت وبكى الفن!!). واللافت في عتبة العنوان دلالته على الحصار وافرازاته الموجعة والمؤلمة ابان التسعينات الذي ابرز ما يسمى بالمسرح التجاري، ومسرح الفلافل، ومسرح المهرجين الذين ابدلوا الذوق الفني بضحكة فارغة لا معنى لها، وهكذا ما يذكرنا بقول رسيمو نيدس اليوناني: “اذا فسدت الذائقة فسدت الروح”.

ومما جاء فيها: “.. في تلك الايام صار يقال في كواليس المسرحيين: “اذا اردت ان تبيع فلافل .. فافتح مسرحا!!”. انتقل المسرح انذاك من صوح فكري الى (دكان) ومن مختبر روحي الى”كشك للتسلية” ومن غاية جمالية الى وسئلة مادية، وكان بعض من سموا انفسهم بـ”الفرسان الجدد للمسرح” لا يرون في العرض الا عدد الكراسي المشغولة، او ما يحصى في نهاية الليلة من دنانير” .

وعن ابرز سمات هذا المسرح نقرا: “.. غياب النص المسرحي المكتوب، لم نعد نرى مسرحيات منشورة، او ورش كتابة، او حتى مشروع تاليف جاد، معظم العروض توليفات سريعه لا تخضع لمعيار ادبي او فني، حتى الاسماء التي كتبت للمسرح الجاد اختفت، او صمتت او لجأت للصحافة و التدريس.

انتهى فعل الاخراج بوصفه بناءً جماليا، صار اقرب الى تنسيق فوضى الاداء، والسماح بقدر من الارتجال طالما ان الضحك حاضر بقوة. لم تعد هناك رؤية اخراجية، ولا علاقة بنص، ولا صراع فكري. انه زمن المسرح الذي يضحك ولا يفكر، المسرح الذي ينكر تاريخه، ويستهين بجراح شعبه، ويبيع كرامة النص على ارصفة الحصار. مسرح الفلافل لم يك جريمة فرد، بل جريمة مرحلة ومؤشر اعلى انهيار داخلي عميق هو ثمره الجوع، والتعب والخوف، والاذلال، نتيجة استقالة المسرح الحقيقي وغياب المشروع، وتحول الخشبة من مكان للبوح، الى منبر للهزل الرخيص”.

وتعليقا على كل ما تقدم نستحضر قول قديس المسرح العراقي الراحل حامد خضر اذ يقول: ” لا خير في مسرح لا يعي جراح شعبه”. و”المسرح وطن ينبغي ان لا نخونه”.

ومن الشهادات المهمة التي اعتمدها الكاتب لرصانة وتاصيل ما جاء به في هذا الفصل ما كتبه الناقد علي مزاحم عباس في مقاله : (نهاية النص وبداية المهرجان التجاري) : “ما يعرض في بغداد اليوم لا ينتمي الى تقاليد المسرح. النص غائب، الممثل يتحول الى كوميديان مرتجل، الجمهور لا يبحث عن معنى، بل عن ملاذ وهمي للضحك، انها تراجيديا التسطيح، اخطر من تراجيديا الحرب. اما مخرج العرض في مسرح الفلافل هو اشبه ما يكون بـ11 متعهد حفلات. مهمته ترتيب الكراسي وضمان توافر الميكروفونات وتحديد اماكن للنكات، لم يكن يفكر بالبناء البصري، ولا بلغة الجسد، ولا بايقاع العرض، عندما يخطط لليلة ناجحة ماديا، بغض النظر عن المستوى الفني”.

ومن الشهادات المهمة جدا في هذا المجال ما كتبه الراحل قاسم محمد، وهو احد رموز المسرح العراقي في احدى حواراته الاخيرة قبل وفاته: “حين يفقد الجمهور حاجته للفن العميق، فذلك لان الفن خان حاجته منذ سنوات، نحن تركناهم، فتركونا!!”. وكتب الدكتور علي عباس علوان المؤسسية، فحين يغيب الدعم، ويختطف الفن من قبل من لا يؤمن به، يصبح السوق هو المخرج الوحيد ” يكتب المفكر بول ريكور في مقال له عن الفن في “من الازمات : حين تنهار لغة الفن يصبح، التلقي عاديا، يفقد الانسان قدرته على الدهشة، ويصبح مستعد القبول اي شيء، طالما انه يسليه للحظة، وهذا القبول هو موت الروح الفنية”.

وهنا يصل بنا المقام للفصل السادس المعنون: ( ما بعد الخراب .. هل مات المسرح العراقي) ومما جاء في سطوره الاولى:” لم يكن الخراب الذي اصاب المسرح العراقي بعد الثمانينات حدثا مفاجئا، بل هو سلسلة طويلة من التآكل التدريجي بدات حين تخلت الدوله عن مسؤولياتها الجمالية، وحين انشغل القانون بتدوير الخسارات اليومية. وصار المسرح مجرد اثر باهت لصوت كان يوما اعلى من ضجيج السياسة نفسها لم يمت المسرح العراقي دفعة واحدة بل مات بالتقسيط، على مراحل كل مرحلة تضيف حفنة تراب جديدة على جثمانه، حتى غطته الارض دون ان يصرخ احد قفو ، هذا صوتنا الذي يدفن؟!”.

قام الفصل -هنا- على اسئلة محورية بحاجة الى اجابات شافية وافية، مثل: لماذا لم يكتب جيل التسعينات نصوصا كبيرة؟ ولماذا لم يخرج جيل الالفية بعروض قادرة على المواجهة؟ وهل هناك امل حقيقي في نهضة المسرح العراقي من جديد؟ وهل يمكن ان يعاد بناء المسرح على اسس مختلفة تماما؟ ام ان الحلم بات بعيدا مع التزايد هشاشة البنى الثقافية وتاكل الثقة بين الفنانين والمجتمع والدولة؟

ونرى جواب حاضرا عند الكاتب بقوله: “الاجابه ليست سهلة لكنها موجودة في الجهد المتواصل لاجيال المسرحيين الذين رغم كل الخراب، لا يزالون يؤمنون بأن الخشبة يجب ان تبقى منبر الحقيقة وان المسرح لغه الشعب التي لا تنطق الا بصوت الحرية والكرامة. ان الحديث عن ما بعد الخراب دعوة مفتوحة لاعادة التفكير، ليس فيما كان، بل فيما يجب ان يكون، هو استدعاء لارادة التغيير التي تتطلب شجاعة المواجهة الذات، ورفض الاستسلام وتحمل المسؤولية النهوض من تحت الركام، لاستعادة المسرح كقلب نابض للحياة الثقافية والاجتماعية العراقية التي بدات تشعر بفراغ وتطالب بملأه بما يعزز قيمة المسرح واسسه الجمالية الباذخة!!”.

وهنا نصل الى الفصل السابع وعنوانه:( في البحث عن نور : المسرح العراقي بين المأمول والمهجور). والذي يفتتح -كعادته- باسئلة اشكالية كبيرة من مثل : كيف يمكن ان يولد المسرح من جديد وسط هذه الفوضى؟! كيف يستعاد ذلك الحلم الذي تبدد، ذلك الصوت الذي اختنق تحت ركام السنوات؟ هل لدينا الشجاعة لنواجه ذواتنا، ونعترف بخطايانا، ونعيد بناء الحلم من جديد؟ هذه هي المعركة الكبيرة التي تنتظرنا !.. لابد من ان نصغي الى كلمات مسرحية العالم التي نخجل من ترديدها في واقعنا، لكنها تطل لافتات تنير الطريق، يقول بيتر بروك: ” كل ما يحتاجه المسرح هو مساحة فارغة، وممثل يعبرها، وانسان يشاهده، فأين هذه المساحة الفارغة الان في بغداد؟! أهي مشغولة بواجهات مطاعم الشاورما التي تحجبت فيها المسارح، ام انها استبدلت بمنصات رقمية تصنع كوميديا بائسة، تباع للناس كما تباع قناني المياه الفوارة؟ .

وفي ختام هذا الفصل نقرا : “.. الخلاصة في ان يطرح سؤال المسرح في كل بيت، لاكترف، بل كحق يومي للانسان العراقي في ان يرى نفسه على الخشبة لمادة التهكم، بل كائن يستحق ان يفكر فيه، يُناقش، يُواجه، ويُعزز. هذه الوظيفة الكبرى التي تنتظرنا. ونحن نبحث عن النور في هذا الخراب العظيم والى ان يجي ذلك اليوم الذي تنطفئ فيه كذبة «المسرح التجاري» و«مسرح الفلافل» ونرى اول عرض حقيقي يقف فيه الفنان عاريا من كل اقنعة الكذب، متحديا، وناطقا، باسم الحقيقة يظل المسرح العراقي -رغم كل شيء – .. ينتظر من يوقظه ، (امن يبكي عليه!!)”.

اما الفصل الثامن فقد حمل عنوان: (عّرابو الرداءة: من اسقط المسرح عمداً). والسؤال هنا منهم عرابو الرداءة؟ وماذا عن دورهم في هذا الخراب المبرمج للمسرح؟ وبالحال يجيب الكاتب: ” لم يكن المسرح التجاري وليد اللحظة بل ثمرة مرة لمشروع طويل من التدمير في المنهجي، بدا حين سُلمت الخشبة لممثلي البرامج الخفيفة، وصناع التهريج السياسي، ومُدمني التسطيح، في تلك الزاوية العتماء من المسرح الوطني، خُبئت النصوص العظيمة، وذبحت التجارب الصادقة، وبيعت المقاعد في المزاد، كل شيء قابلا للبيع: النص، الممثل، الجمهور، وحتى التاريخ، دعونا نسميهم، لا باسمائهم، لان التاريخ يفضحهم يوما، بل بصوغهم الحقيقي – عرابو الرداءة -” وعن دورهم يذكر الكاتب:”.. هم الذين باركوا كل ما اذل المسرح: حين تحول الى مقهى، حين قدم العرض لاربعة متفرجين، وحين لعبت المحسوبية دور البطولة، وحين جلس صاحب القرار الاول يضحك على نكات ساقطة كتبها مخرج فاقد للكرامة!”.

وحول دور الاكاديميات نقرا :”.. اما الاكاديميات، فبدلا من ان تخرج الثوار، اصبحت مصانع بيروقراطية لانتاج الخاضعين، المناهج منذ عقود، تدرس المسرح كما لو كان علما ميتا، لا سؤال فيه ولا مغامرة، الطلبة يُروضون لا يُحرضون، يقمع السؤال، وتجفف الجرأة، وهكذا تخرج الينا كل سنة دفعات من الممثلين والمخرجين الذين لا يعرفون اين يقفون. ولا لماذا يعملون! وهنا يكمن السؤال الاشد فتكا: من سكت عن هذه الجريمة؟ الكل .. من الوزير الى آخر فني اضاءة، من النقاد الذين اثروا السلامة، الى الصحفيين الذين باعوا مقالاتهم لمن يدفع اكثر .. حتى الجمهور، ضحية هذا الخراب، اعيد تشكيل وعيه ليضحك على التهريج، ويملّ من العرض الجاد. والسؤال الذي يقفز للذهن هنا هذه هي ماذا عن الحلول؟!. ونرى الجواب حاضرا :”المسرح العراقي لن يبعث الا اذا اجتثث جذور هؤلاء بكل ما يمثلونه من وهم وسلطة ومصلحة، لن تقوم قائمة للمسرح اذا لم يكسر الاحتكار، ويفكك هذا النظام الذي يعيد انتاج نفسه في كل مهرجان، وكل لجنة، وكل قاعة. ولعل اخطر ما فعله هؤلاء، انهم جعلونا نشك بانفسنا صرنا نبرر فشلنا، ونقبل بالقليل، ونقنع بادنى درجات الوجود، كما لو ان المسرح العراقي ولد بلا مجد، وبلا حق بالحياة”. كفى لابد من القول: هؤلاء اسقطونا، وهم لا يزالون بيننا، لكن المسرح كما يقول (جروتوفسكي) ليس مؤسسة، بل فعل انساني حر، يبدا من الداخل، ولن تحرر الخشبة الا اذا تحررنا نحن من خوفنا، من مجاملاتنا، من صمتنا، وهنا يقفز الى ذهني قول الخالد غاندي اذ يقول: ( الخوف هو مصدر الآمنا)”.

وبخصوص النقاد يذكر الكاتب:”حتى النقد المسرحي، السلاح الطبيعي لكل حركة فنية، تحول الى مطرقة لتكريس الرداءة، النقاد الكبار صمتوا، او انخرطوا في اللعبة، كتبوا كما يطلب منهم، وصمتوا عن العروض التي هزت الاعماق، وحين كتبوا عن المسرح الجديد كتبوا، بكسل، وخوف وتواطؤ “.

وبخصوص الاكاديمية فيذكر: “.. اما الاكاديمية فحدث ولا حرج، اجيال من الطلبة تخرجوا دون ان يشاهدوا عرضا عالميا واحدا، يدرسون ارسطو وكأن الزمان توقف هناك، ولا يعرفون شيئا عن: شتاين، كريغ، لي كوكن، باربا، كانتور، بروك، تادوش، سوزوكي، ولا احد يعلمهم كيف تصنع عرضا يصرخ من قلب العراق لا من كراسي بلاستيكية متهالكة، وديكورات مصنوعة من خشب متهرئ، ولا ننسى «اصدقاء الفنانين» وهم شبكة عجيبة من الادرايين والصحفيين والمصورين واصحاب المواقع، الذين يروجون للثقافة مقابل بوفيه مفتوح، او دور في عرض، او حتى دعوة لحضور مؤتمر في فندق النحوم الخمس. هؤلاء صعدوا بمسرحنا الى جهنم، وصفقوا له وهم يرونه ينهار، لم يعرفوا يوما كيف تبدو دمعة فنان حقيقي يقصى لانه لم يخضع !”.

وهنا يصل بنا المقام الى الفصل التاسع والذي حمل عنوان: (مناهج التعليم المسرحي: تثبيت الرداءة ام غياب المنهج؟!). وفيه يتم الحديث ويتمحور حول اقسام المسرح في معاهد الفنون الجميلة وكليات الفنون، ودورها في تكريس نمطية قاتلة ومساهمتها في تثبيت انماط تقليدية من الاداء والاخراج والكتابة. وخلاصة القول في هذا الفصل ومراعاة للايجاز والاختصار نقول :” ان التعليم المسرحي في العراق لم يعد يهتم بطرح الاسئلة بل بتلقيني الاجابات، لم يعد يبحث عن حدود الفن، بل يكتفي بتكرار ما يرضي الجهات الرسمية، او ينسجم مع سقف توقعات منخفض لا يزعج احد، فان الخطر لا يمكن فقط في تخريج دفعات من المسرحيين غير المؤهلين تقنيا او معرفيا، بل في تاسيس عقلية استسلامية، ترى المسرح وظيفه لا رسالة، وتسعى الى نيل الرضا المؤسسي لا الى مواجهة الواقع الجمالي والسياسي، بعرض صادم او نص متجاوز. ان ازمة التعليم المسرحي العراقي، ليست ادارية او تقنية بل هي ازمة في الجوهر ازمة في المفهوم، في الرؤية، في السؤال المؤسس ذاته : كيف نعلم المسرح؟ ولماذا؟ ولمن ؟ وهل نريد فعلا ان يكون المسرح قوة تغيير، ام مجرد اداء روتيني لحضور مزي لا معنى له؟. من دون تفكيك هذه البنية الراسخة، يبقى التعليم المسرحي دائرة مغلقة، تنتج ادوات ميتة، ومفاهيم ميتة، في زمن لم يعد يحتمل الجثث!”.

اما في الفصل العاشر فقد حمل عنوان: (المسرح المستقل: محاولة للنجاة في زمن الخراب!!). وخلاصة القول فيه:”.. ان المسرح المستقل في العراق ليس فصلا عابرا، ولا تجربة بديلة، بل هو ربما في المسرح الحقيقي في زمن فقدت فيه الدولة معناها، والمؤسسة روحها، والجمهور رغبته، قد لا ينقذ المسرح المستقل المستقبل، لكنه ينقذ الذاكرة، وهذا في بلد مثل العراق، فعل مقاومه من طراز نادرا !!”.

ويؤكد في مكان اخر على ما نصه: “.. ان الفرق المستقلة العراقية لم تملك دعماً من مؤسسات الدولة، ولا ظهرا حزبيا، ولا حتى فضاءا آمنا، لكنها استندت -وان بغير وعي مباشر – الى نظريات مسرحية كبرى .. ان المسرح المستقل في العراق لم يكن فقط تمردا على السلطة الثقافية، بل مقاومة لحالة احتضار عام. عرض مسرحي في العراق المستقل لا يقام برغبه الجمال فحسب، بل برغبة النجاة. وهذا الفرق الجوهري: الفن لا يصنع من ترف، بل من شعور مروع بان العالم ينزلق نحو العدم. من المهم ايضا الا نغفل الفرق بين ما نسميه (مسرحا مستقلا) وما هو في حقيقته (مسرحا مقصيا).

فبعض العروض ولدت مستقلة لانها لم تقبل في المؤسسات لا لانها ارادت ذلك وبعضها الاخر اختار الاستقلالية طريقا مفاهيميا وفنيا، وهذا تميز بالغ الاهمية، لان الاستقلال لا يعني دائما النضج، كثير من العروض التي رفعت شعار الاستقلال لم تكن الا محاولات للهروب من قواعد الشكل، لا بحثا عن حرية التعبير. لذا فان على المسرح المستقل نفسه ان يشتغل على تصحيح مفاهيمه، لا ان يتحول الى فوضى خارج فوضى اكبر. المسرح المستقل في العراق لايملك ارشيفا واضحا، ولا ذاكرة مؤسسة، ولا توثيقا جدّيا. ان ما يكتب عن هذه التجارب – ان كتب – يتم في الغالب بشكل متأخر جزئي، عاطفي، وحتى الان لا توجد دراسة اكاديمية واحدة تشتغل بشكل منهجي على ظاهرة المسرح المستقل بعد 2003 .

رغم غناها الفلسفي والجمالي والانساني. ربما لهذا السبب بالضبط علينا اليوم ان نتوقف عند هذه الظاهرة لانها لا تزال قابلة للزوال، ولانها في عمقها. تحمل سؤالا وجوديا عن المسرح العراقي نفسه، هل يمكن ان يولد مسرح من الرماد؟ هل يمكن لمجموعة شباب ان يصنعوا عرضا يتفوق في اثره على عروض تقام في قاعات الدولة؟ هل يمكن للمسرح ان يولد من الهامش، ويعود ليعيد صياغة المركز؟!”.

وهنا نصل للفصل الحادي عشر وعنوانه: (منظرون في الظل: اين تاخر المسرح العراقي) ومما جاء فيه:”.. ان غياب النقد المسرحي الجاد ليس مجرد فراغ صحفي او اكاديمي، بل هو فجوة في البنية الثقافية، المسرح الذي لا يفكر فيه احد، يتحول الى طقس فارغ، والى فن لا يتطور، وقد قال «جورج شتاينر» يوما: “النقد الحقيقي هو ما يجعل الفن اكثر خطرا” . ونحن اليوم نحتاج الى هذا الخطر: الى ناقد لا يصف بل يسئل، لا يصفق بل يفتح الجرح، لا يتواطأ، بل يكشف في سياق محاولة تقصي الاسباب العميقة لا نكماش النقد المسرحي في العراق” .

وكعادته اتى الكاتب بشهادات مهمة لنقاد كبار من امثال الدكتور علي الراعي والناقد ياسين النصير والناقد الدكتور عقيل مهدي يوسف والناقد السوري حسام الدين ريشة والناقد المسرحي الشاب عبد الله احمد من البصرة. وللاختصار ومراعاته نكتفي باثنين من هذه الشهادات وهي شهادة الناقد ياسين النصير، حيث كتب بمرارة في عام 2005 ضمن تقديمه لاحد كتبه ما يلي: “الا توجد مدرسة نقدية مسرحية في العراق ما نملكه هو تراكم مشتت لقراءات فردية، معظمها قائم على الذوق او الولاء. وغياب المجلات المتخصصة ادى الى تفكك العلاقة بين الممارسة والنظرية، فلا الناقد يطور ادواته. ولا المسرحي يثق بكلمة مكتوبة عنه. وفي شهادة للناقد الدكتور عقيل مهدي يوسف استاذ النقد المسرحي في كلية الفنون الجميلة ببغداد، نشرت ضمن وقائع مهرجان المسرح الجامعي لعام 2011 نقرا التالي:”الناقد العراقي خائف .. ليس لان المسرح يرعبه، بل لان الوسط لا يحتمل رايا مختلفا كلما كتبت مراجعة حقيقية تبدا الاسئلة لماذا كتبت هذا؟ ما هدفك؟ ضد من انت؟ كانك في محكمة لا في حقل ثقافي. ولهذا فضّل اغلب النقاد الصمت، او التحول الى كتاب برامج”. وفي ختام هذا الفصل يذكر الكاتب:”.. ان لم يكن لدينا نقد، فاننا ببساطة نتخلى عن فعل الفهم، نختفي ولا نحلل، نمجد ولا نحرك ساكنا، ولذلك لابد من دقّ ناقوس الخطر:( امسرح حي دون نقد حي ، ولا مستقبل دون فكر يضيئه)”.

اما الفصل الثاني عشر فقد حمل عنوان:( المسرح ضياع الاتجاه) وهذه العتبة كما هو واضح تعطي دلالة التراجع والتقهقر، وهنا يصلح ان نخاطب المسرح العراقي اذا جازلنا ذلك بخطاب هاملت الشهير :”اكون او لا اكون ذلك هو السؤال! “.

حيث يقف المسرح العراقي بين ماضيه التليد والكبير وبينما ماآلت اليه حاله الراهن من تدهور وانحطاط وهو بينهما كالتائه الحيران المسرح العراقي اليوم -كما يذكر الكاتب- يقف على مفترق طرق حاسم. بين استمرار حالة التراجع والانحدار او بدء اعادة النهوض والبناء ومن الشهادات المهمة في هذا الموضوع التي وكدها الكاتب هي شهادة الناقد العراقي الدكتور علي مزاحم عباس في أكثر من دراسة “تسيس المسرح أفقده القدرة على التعبير الحر، وحوله إلى أداة ترويج ايديولوجي، مما عزل الجمهور الحقيقي وأفقده الأمل”. وهناك شهادة أخرى للناقد زين العابدين جاسم يؤكد فيها أن “المسرح العراقي يحتاج إلى مزج الأصالة بالحداثة، مع الحفاظ على صوته الفريد، وعدم الانغماس في تقليد أعمى للتجارب الغربية”. والخلاصة هنا أن استعادة المسرح العراقي لا تكون بإعادة فتح المسارح، أو زيادة التمويل، إنما بمشروع متكامل يشمل إعادة بناء الذهنية المسرحية لدى جميع الأطراف: الفنان، الناقد، الجمهور، المؤسسة، هذا المشروع يجب أن يقوم على استقلالية الفن، ويكثر القيود التي فرضت عليه، ليعيد له دوره كفضاء حقيقي للحوار الاجتماعي والبحث الفني والتجربة الإنسانية المسرح العراقي على عتبة إعادة النهوض، يحتاج إلى شجاعة للتغيير، واستراتيجية واضحة، وتظافر جهود كل مكونات المجتمع الثقافي.

أما الفصل الثالث عشر فقد حمل عنوان (مهرجانات الخراب من الاختفاء بالجهال إلى التسويق للفوضى) وفيها يستعرض الكاتب ما يدور في فلك مهرجانات الخراب ـ كما أطلق عليها ـ وهي بحق كذلك لا يختلف عليها اثنان على الإطلاق ومما جاء فيها :”..انتهت المهرجانات يوم قررنا أنها مناسبة “ترويج” لا لحظة “تحول” انتهت يوم صرنا نمنح الجوائز لمن يجيد التصفيق، لا لمن الكتابة، ويستقبل الضيوف من أجل صورتهم، لا من أجل فكرهم. انتهت المهرجانات بكونها البومات ذكريات لا لحظة مسرح.. المهرجان صار ظاهرة شكلية تقام لان ثمة ميزانية ينبغي تصريفها..المهرجانات أصبحت حفلة علاقات عامة يتبادل فيها السادة المدعوون كلمات المديح. يقول المفكر المسرحي الفرنسي جان بيير سارازاك “حين يتحول المهرجان إلى معرض لصورة المسرح بدل أن يكون مسرح حيا، فإننا نودع المسرح ونرحب بالواجهة..واجهة لا تسكنها روح”. وهكذا هي مهرجاناتنا اليوم: واجهات دون مضمون، دونما حلم! “.

وفي الفصل الرابع عشر وعنوانه (نقاد العبور..كيف توطأ النقد مع الرداءة) وفيها كما يشير العنوان يتمحور الحديث عن النقد وسير تطوره عبر مراحله الطويلة وصولا إلى الحاضر وهي سياحة معرفية جمالية تشخص عبر عين ثاقبة وعقل وقاد ما جرى وما آلت إليه أمور واقعنا الفني من سلبيات لأحد لتصورها ومما جاء فيها نقتطف: “..إن تكتب نقدا حقيقيا يعني أن تعادي مهرج، وإن تغضب المؤسسة، وان تستبعد من الدعوات، ولا تمنح الجوائز.. حين يعلو صوت ناقد حقيقي، يواجه، ويكتب بنزاهة، يهاجم، يتهم، يُعزل..صار النقد يشبه البيانات الحكومية: نبرة عالية، كلمات محشوة، لكن لا موقف فيها ولا قراءة تحليلية..ان أخطر ما واجه المسرح العراقي لم يكن خراب الدولة ولا فوضى الدعم ولا غياب البنية التحتية. بل غياب النقد النزيه، حين يغيب هذا النقد، فإن كل شيء يسمح له بالمرور، الرديء والفارغ والمزور، لأن الباب لم يعد حارس بعد أن أحيل الناقد إلى التقاعد وصار النقد خطبة تمجد النجاح الكاذب”.

وهنا يصل بنا المقام إلى الفصل الخامس عشر و الأخير في هذا الكتاب والذي حمل عنوان (العرض المسرحي العراقي..من حكاية الإنسان إلى استعراض الجسد) ونقتطف منها: “..ان اغفال العلاقة الأساسية بين النص والإنسان، وبين العرض والجمهور، أدى إلى اختلال موازين المسرح، وخلق فجوة عميقة بينما يعرض وما يحتاجه المجتمع، يضاف إلى ذلك غياب دور الدولة الثقافي الفاعل، حيث من المفترض أن توفر البنية التحتية، وتمول الإنتاج، وتدعم التجارب الجديدة، وتفتح المجال لنقاشات نقدية حقيقية تثري المسرح وتعيد له دوره الوطني والإنساني.

وهنا نتساءل بقوة: لا يختلف اثنان لما للمسرح من دور كبير في بناء المجتمعات كون حاجة إنسانية ضرورية ومدرسة للشعب ومنبر للوعي الإجتماعي، فما هو دور الدولة إزاءه، وما هي خططها في تفعيل دوره في حياتنا الإجتماعية؟؟ وكلنا يتشدق بشعار بان معروفا للجميع:”اعطيني خبزا ومسرحا اعطيك شعبا واعيا ومثقفا !! “. وكلنا يعلم أن العالم المتحضر تقاس درجة حضاراته وتقدمه بعدد مسارحه فهل نحن كذلك؟!”.

وحول ما يخص المشهد المسرحي فيما يخص العروض المسرحية وتدهورها، يؤكد الكاتب  ما نصه:”..أحد أسباب هذا التدهور هو فراغ النصوص المسرحية ذات الجودة، وغياب كتاب يملكون القدرة على الكتابة بحس إنساني عميق يتفاعل مع الواقع. وهناك أسباب أخرى تعود إلى فقر الدعم الثقافي، وعدم وجود مؤسسات حقيقية تدعم الإنتاج، وممارسات إدارية، تفضل الأعمال سهلة الإستهلاك”.

وخلاصة هذا الفصل يؤكد الكاتب ما نصه:”المسرح العراقي اليوم في مفترق الطرق، يمكن أن يظل في مأزق الاستعراض الفارغ، أو يمكن أن يعود إلى جوهره كفن إنساني يعبر عن الروح والواقع، وهذا يتطلب من كل مكونات المشهد المسرحي: للكتاب/ المخرجين/ الممثلين/ النقاد/ الجمهور، ان يتحملوا مسؤولياتهم ويعيدوا صياغة المسرح من جديد ليصبح أداة تغيير صوتا حقيقيا للإنسان العراقي!!”.

وهنا يصل بنا المقام إلى الخاتمة وفيها يؤكد بأمل وتفاؤل كبيرين ما زال هناك ضوء خافت في آخر الخشبة، المسرح لا يموت لأنه فن حي، شرط أن يوجد من يؤمن به، من يصرخ بوجه الخراب، من يكتب نصا لا يخاف، ويصعد الخشبة لا ليصفق له الآخرون، بل ليوقظهم.. المسرح شرف، والمسرح فعل الحياة، ومن لا يرى في الخشبة طهرا يستحق أن يترك وحيدا.

شكرا لهذا الجهد المعرفي الذي وضعنا وجها لوجه أمام عيوبنا، وواقعنا كما عشناه، لا كما يكتب ويلمع لأي سبب كان، ونتمنى أن يرمي حجرا في ساكن وراكد بحر واقعنا الثقافي المتخبط في لجة فوضاه وخرابه!.

Related Articles

Back to top button