نقد

العرض التونسي “جاكراندا” مانيفستو الجسد الجريح في مواجهة غبار السيليكون/ د. خالد أمين

مراجعات 5
تُجسد مسرحية “جاكراندا” (Jacaranda)، في نسختها المقدمة ضمن فعاليات الدورة السادسة عشرة لمهرجان المسرح العربي بالقاهرة (يناير 2026)، ذروة الاشتغال المختبري لـلمسرح الوطني التونسي، وهي ثمرة تعاون دراماتورجي بين المخرج والسينوغراف زار السعيدي والكاتب عبد الحليم المسعودي. يرتكز هذا العرض — الذي نُحلله هنا بناءً على تجلياته فوق خشبة المسرح بالقاهرة — على أداء حيوي ومكثف لنخبة من الممثلين: حمودة بن حسين، أصالة كواص، أنيس كمون، ثواب العيدودي، حلمي الخليفي، حسناء غنام، عرفات القيزاني ، اعداد الموسيقى اسامة السعيدي.. تقتصر هذه القراءة على مسودة نص المسرحية والنسخة المسجلة والتي شاهدتها أكثر من مرة… ومع ذلك أعدها قراءة أولية في انتظار مشاهدة العرض الحي على خشبة المسرح.

قـــراءة أوليــة:

جويدة: هاذي Entreprise محترمة، موش سقيفة سيدي محرز Tanit Call Center وما أندراك
ولات Brand
في سوق الاتصالات اليوم
وعندها الــــــــــــ Quota
متاعها في الـــــــــ Marché
مانيش مستعدة انفرط فيها
المرحوم قبل منام عينو
كان يحلم يرجعها l’ Entreprise الأولى
في إفريقيا وإذا لازم في الشرق الأوسط
و أنا على خاطر المرحوم
باش انرجعها Entreprise multinationale
الكل كانوا يستناو باش اتفوت فيها
قاعدين يقولو
مالها إلا مرا
و Boita باش تجهّم عليها…

يُمثل التعاون بين المفكر والكاتب المسرحي التونسي “عبد الحليم المسعودي” والمخرج السينوغراف “نزار السعيدي” في عرض “جاكراندا” نموذجاً فريداً لما يمكن أن نسميه كيمياء الدراماتورجيا الهادفة. وينبني نص المسعودي على تفتيت الحكاية من خلال منحى شذري في الكتابة. فلا يوجد تسلسل زمني تقليدي، بل نجد أنفسنا أمام شظايا ذاكرة مكلومة. لا يكتب المسعودي نصاً مسرحياً بالمعنى التقليدي، بل يصوغ متناً ركحيا مشبعاً بالمرجعيات الفلسفية والتفكيكية. إنه يمتلك وعياً حاداً بالبنى العميقة للواقعين التونسي والعربي، بينما يتلقف السعيدي هذا المتن ليُحوله إلى مختبر حركي يُعيد صهر الكلمات في بوتقة سينوغرافيا قاسية وأداء جسدي مستنزف. وهذا التحالف يتجاوز علاقة المؤلف والمخرج ليصبح شراكة وتوافق في الرؤية الفنية والابداعية.
يظهر تأثر المسعودي والسعيدي بمفاهيم المسرح الملحمي لبريشت ومسرح القسوة لأرتو، حيث يتم التركيز على مادية التواصل وتوريط الجمهور في تجربة حسية وعقلية مربكة. ويعتمد الإخراج على إيقاع داخلي موظف بإحكام لفهم خبايا الشخصيات وتتبع سيرورة الأحداث المتشظية. ويتحول الجسد إلى مركز للصراع مع العنف والسلطة، حيث يترجم العنف غير المرئي إلى لغة حركية تعبر عن الانهيار النفسي والتعب اليومي. منذ الوهلة الأولى، تجبر المواجهة المتعمدة في البرولوغ “العين في العين” المتفرج على التفكير والتحليل، محولةً إياه من متلقٍ سلبي إلى ناقد وشاهد على آليات تفكيك العرض. تمثل إذن مسرحية “جاكراندا” مرآة صادقة لواقع اجتماعي مأزوم وسؤال وجودي مفتوح حول قدرة الفرد على تجاوز مخلفات الماضي. إنها عمل لا يقدم حلولاً، بل يمنح المشاهد مرآة مؤلمة تخلخل يقينياته وتضعه في مواجهة عبث وجوده. بين شجرة الجاكراندا الهشة ومركز النداء المغلق، تظل المسرحية تتساءل: ماذا تبقى من الإنسان في زمن فقدان المعنى؟
لا يعد طلاق الشخصيات من واقعها في “جاكراندا” دعوة للهدم، بل هو طلاق مقدس يهدف للبدء من جديد والبحث عن حرية حقيقية تتجاوز وساوس السلطة وضيق الأفق. يبقى اللسان المقطوع ورقصة التانغو في النهاية صرخة مدوية في وجه الصمت، ومحاولة لاستعادة الوطن من براثن المأزق الذي ورثه جيل لم يطلب شيئاً سوى أن يكون إنساناً.
يقوم المسعودي بـتفكيك السرديات الكبرى وتعرية كولونيالية السلطة على مستوى اللغة والخطاب، في حين يقوم السعيدي بتجسيدها وتشخيصها بصرياً بالاعتماد على الجسد الفرجوي، مما أدى إلى ولادة عرض لا يكتفي بالفرجة، بل يمارس نوعاً من السيادة المعرفية على الخشبة، مُحولاً المسرح من فضاء لتمثيل الحكاية إلى منصة لـإنتاج الفكر عبر الجماليات المزعجة والصدق الصادم. “جاكراندا” هي محاولة للبحث عن آفاق جديدة للمسرح التونسي، حيث يلتقي فيها البحث عن الجمالي بالالتزام الديكولونيالي. إنها صرخة أنطولوجية تعيد الاعتبار للإنسان في مواجهة زمن “الخوارزميات”، ووثيقة فنية وإنسانية بالغة التعقيد، تشرّح الراهن التونسي في لحظة ارتياب وجودي. لا يكتفي العمل بتقديم فرجة مسرحية تشخيصية، بل يتجاوز ذلك إلى الغوص في أنطولوجيا الكائن التونسي في نهاية العشرية الثانية من الألفية الثالثة، مستخدماً فضاء “مركز النداء” كاستعارة كبرى لوطن مأزوم وجيل يقتات على الانتظار والأحلام المؤجلة. وينبني النص على تناسج خلاق بين اللغة العامية التونسية المثقلة بالوجع، وبين بنية دراماتورجية تنتصر لأدبيات مسرح ما بعد الدراما، حيث يتشظى السرد وتتحول الشخصيات إلى أشباح تجربة اجتماعية منخورة من الداخل.
اعتمد المخرج نزار السعيدي رؤية إخراجية لا تكتفي بنقل الواقع التونسي، بل تعمل على تشخيصه وتشريحه. “جاكراندا” ليست مجرد حكاية، بل هي مساءلة جمالية وأخلاقية ومعرفية لما تبقى من الإنسان بعد رجات كبرى (عشرية ما بعد 2011 في تونس). ثم اختار السعيدي تحويل النص إلى بنية عضوية تتفاعل بقوة مع جسد الممثل/المؤد. وتقوم رؤيته الإخراجية على فكرة الانهيار الصامت؛ حيث يبدو العنف غير مرئي لكنه يتغلغل في التفاصيل اليومية ويتمظهر في الأداء المكثف عبر- اليومي. تبرز هذه الرؤية في التباين بين اسم الشجرة “جاكراندا” بجمالها البنفسجي الساحر وعمق حضورها في تونس الخضراء وبين قسوة المكان المغلق في مركز النداء حيث تدور الأحداث، مما يخلق توتراً درامياً مستمراً بين الحلم المجهض والواقع الخانق. وترمز الشجرة المزهرة بلون بنفسجي على الحزن النبيل لتونس الأم والأُمَّة، قوية من الخارج، لكنها هشة وحزينة من الداخل. إنها شجرة ترمز أيضا إلى الذاكرة الجريحة التي يحاول الجميع التمسك بجذورها. ولا بأس هنا من التذكير بإشارة السعيدي إلى رمزية التسمية قائلاً: “الجاكراندا هي تلك الشجرة التي تُزهر في صمت بجمال بنفسجي ساحر، لكنها في العرض تمثل الهشاشة. أردتُ وضع هذا الجمال في مواجهة قبح وبشاعة ‘مركز النداء’. الجاكراندا هي الحلم التونسي الذي نخشى عليه من الانكسار، هي الذاكرة التي نحاول التمسك بجذورها وسط عالم رمادي.”
يستدعي عنوان المسرحية “جاكراندا” صورة شجرة الجاكراندا التي توشح شوارع تونس العاصمة، ولا سيما منطقة “لافاييت” وشارع باريس، بزهورها البنفسجية الأخاذة في فصل الربيع. ومع ذلك، فإن المسعودي يمارس عملية تفكيك لهذه الجمالية، محوِّلاً الشجرة من أيقونة للبهجة العابرة إلى رمز للهشاشة والسقوط. فزهرة الجاكراندا التي تزهر سريعاً وتسقط لتطأها الأقدام على الأرصفة، تتماهى مع مصائر الشخصيات التي تعيش حالة من الازدهار الجمالي المؤقت فوق تربة مشبعة بالخذلان. إن الربط بين جمالية الشجرة و”تراجيديا مركز النداء” (Call Center Tragedy) يخلق مفارقة صارخة؛ فمركز النداء هو فضاء مُعولم، بارد، يعتمد على اللغة الوظيفية المجردة، بينما الجاكراندا تحيل إلى الذاكرة البصرية والوجدان المحلي. هذا التقابل يولد صراعاً بين عالم الرد الآلي والافتراضي، وبين الحقيقة الإنسانية المغيبة التي تبحث عن مستمع في زمن فقدان المعنى. تماماً كخديعة الطاووس الذي يخلب الألباب ببذخ ريشه ويجرحها بنعيقه المنفر، يقف مركز النداء في أبهى أحياء تونس كصرحٍ زجاجي مصقول، يداري خلف واجهته الفاخرة عفناً وجودياً يسحق أرواحاً تُباع وتُشترى في مزاد العولمة الباردة.
لا تكتفي شجرة “الجاكراندا” في رؤية المسعودي بكونها أيقونة بصرية تزهو بها شوارع تونس العاصمة، بل تتحول تحت مِبضعِ التفكيك إلى جبهة مفتوحة لما يسميه الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني “حروب المعنى”؛ حيث تخوض الذات التابعة صراعاً مريراً لانتزاع كينونتها من براثن “اللغة الوظيفية” المعولمة. يتجلى هنا العمق الفلسفي لتساؤل غاياتري سبيفاك “هل بإمكان التابع أن يتكلم؟” ليس بوصفه عجزاً بيولوجياً عن النطق، بل بوصفه إقصاءً إبستيمولوجياً يمارسه “مركز تانيت” (Call Center) بوصفه فضاءً كولونياليّاً جديداً يُعيد تدوير الهشاشة الإنسانية؛ فزهور الجاكراندا التي تتساقط لتُهرَس تحت الأقدام هي المعادل السيميولوجي لمصائر الشباب في “مركز تانيت”، أولئك الذين يزهرون في تربة الوجدان المحلي لكنهم يُسحقون في ماكينة العولمة الباردة التي تصادر حقهم في إنتاج المعنى. إنها تراجيديا الخرس السيادي في زمن الصراخ التقني؛ حيث يُستلب من التابع صوته ليتحول إلى مجرد صدى لآلة الرد الآلي، مما يحول محاولاتهم للكلام إلى ضجيج بلا أثر في فضاء معولم يمنحهم تكنولوجيا التواصل ويحرمهم من سلطة المعنى. في هذا المختبر الأدائي، تصبح حرب المعنى هي الجرح الغائر بين حقيقة إنسانية تبحث عن مستمع يدرك كينونتها، وبين هندسة ثقافية حوّلت الذاكرة البصرية لشوارع “لافاييت” إلى مجرد خلفية باهتة لنموذج اقتصادي لا يسمع إلا لغة الأرقام والوظائف، لتظل زهرة الجاكراندا المهروسة بياناً ديكولونيالياً يعلن أن الكلام الذي لا يؤسس للمعنى لا يعول عليه، وهو أقصى درجات الاستلاب الوجودي.
يبرز الفضاء في “جاكراندا” كأنه بطل صامت يختزل مأساة العصر؛ حيث استُبدلت الخشبة بـمركز النداء في استعارة دراماتورجية بارعة، تُحيل أدوات الاتصال المفترضة إلى جدران عازلة، ليتحول مجال التواصل إلى فضاءٍ يكرس الاغتراب واللا تواصل. ويحدد نزار السعيدي وظيفة هذا الفضاء قائلاً: “مركز النداء في المسرحية ليس مجرد فضاء للعمل، بل هو استعارة للعبودية الحديثة. نحن نتحدث عن شباب يبيعون أصواتهم ولغاتهم وأوقاتهم لشركات وراء البحار، حيث تتحول الذات الإنسانية إلى مجرد أداة وظيفية مُفرغة من المعنى. إنها العبودية المقنعة بالتكنولوجيا.” هنا، يتحول المسرح إلى منصة لتشريح الذات المستلبة التي تتحدث لغة الآخر لتأمين لقمة العيش، وهو ما يسميه المفكر الديكولونيالي والتر مينيولو (Walter Mignolo) “نزع الكينونة”. يطرح العرض تساؤلاً جوهرياً: هل نحن أحرار بالفعل أم مجرد تروس في آلة رأسمالية معولمة؟
اختار السعيدي وضع الجمهور داخل قوقعة مغلقة مليئة بالتساؤلات. وفضاء مركز النداء ليس مجرد ديكور وظيفي، كما أسلفت الذكر، بل هو استعارة لمعنى الوطن وللحصار الاجتماعي الذي تعيشه الشخصيات. يشير النص إلى أن المركز يقع في منطقة لافاييت بتونس، وهي منطقة معروفة بحيويتها وتاريخها. لكن شخصية ألفة تذكرنا بأن هذا الفضاء مبني فوق مقبرة “جبانة”. هذا التداخل بين العولمة المتوحشة (مركز النداء) والموت (المقبرة) يخلق فضاءً مضطرباً حيث “الليل لا يوصي على النهار” و”الفجر حفيان” و”موتى لابسين حوايجْ”. السينوغرافيا تعتمد على إضاءة باهتة ومرايا مكسرة تعكس وجوه الشخصيات المنهكة. هكذا، يمثل مركز النداء في المسرحية “لا مكانا” أو مكاناً غير مميز. إنه فضاء عابر، بلا هوية، بلا تاريخ، وبلا علاقات إنسانية حقيقية. فالشخصيات تعيش في برزخ وجودي؛ لا هي قادرة على العودة إلى الماضي (الجذور/ شجرة الجاكراندا). ولا هي قادرة على اقتحام المستقبل. وتبدو حركة الممثلين الرتيبة وكأنها تكرار لأسطورة سيزيف. لكن سيزيف “جاكراندا” لا يحمل صخرة فوق ظهره، بل يمسك سماعة الهاتف، واللعنة هنا ليست من الآلهة، بل من النظام العالمي الجديد. الجسد الفرجوي عند نزار السعيدي هو مخزون المقاومة الأبدي. في ظل نظام يحاول تحويل الإنسان إلى بيانات أو أصوات رقمية، يأتي أداء الممثلين العنيف والمضطرب ليعلن عن حضور الجسد المادي بآلامه وعذاباته واحتياجاته، وهو أيضاً نوع من التمرد الفلسفي على رقمنة الوجود.
من هنا، لا يظهر مركز النداء بوصفه فضاء للعمل فحسب، بل بوصفه ـمستعمرة رقمية تمارس سطوتها عبر الاستحواد الكولونيالي الذي حول رمزية (تانيت) من القداسة إلى سلعة في زمن العولمة المتوحشة. ثمة مفارقة تراجيدية في تحويل إلهة الخصوبة والسيادة القرطاجية (تانيت) إلى علامة تجارية (Brand) لمركز النداء. هنا يتم اغتيال الرمز؛ حيث تتحول (تانيت) الأم الحامية إلى أخ أكبر (Big Brother) يراقب ويحصي أنفاس العبيد الجدد. وهنا أيضاً يمارس العرض ما يسميه مينيولو “نزع الكينونة”؛ فالشباب وهم على الخشبة يبيعون أصواتهم ولغاتهم لخدمة مركز وهمي خلف البحار، مما يحول اللغة من أداة تواصل إلى أداة قمع وظيفي. فيبدو فضاء المركز كـسجن اختياري، يعيش فيه الأفراد في عزلة قاتلة رغم أن مهنتهم هي التواصل. هذا الفضاء يعكس تشتت الهوية وفقدان المركز.
باختصار، لا تؤثث السينوغرافيا في “جاكراندا” الفضاء فحسب، بل تؤثث الفكر، عبر صراع حاد بين منظومتين بصريتين: منظومة “اللا مكان”، من جهة، حيث الإضاءة الزرقاء الباردة، والأسطح العاكسة، فيصبح الإنسان مجرد ترس في ماكينة العولمة؛ ومنظومة “البنفسج”، من جهة ثانية، حيث يبرز لون شجرة الجاكراندا كمانيفستو بصري للمقاومة. إنه الجمال الجريح الذي يكسر رتابة الرمادي الرأسمالي، معلناً عن وجود زمن عضوي يرفض الانصياع لزمن الآلة.
لقد استخدمت السينوغرافيا عناصر بصرية تعكس وجوه الجمهور أحياناً، لتحويل المتفرج من راصد إلى شريك في المحاكمة أو الشهادة. وتحوَّل الركح إلى فضاء مفتوح للبوح، وحلقة راجحة لتبادل الأثر، فيصير المتلقي عنصراً أساسياً في بناء العرض المسرحي وصياغة المعنى. وقد لعبت الإضاءة دوراً في عزل الشخصيات داخل مربعاتها الوهمية، مما عزز الشعور بالاغتراب والوحدة وسط الزُّحام. وبما أن الممثل في رؤية نزار السعيدي ليس مجرد متقمص لدور ما، بل هو ذاتٌ واعيةٌ يعبر عن موقف جمالي وسياسي واجتماعي، فقد اعتمد المؤدون (حمودة بن حسين، وأصالة كواص، وأنيس كمون، وغيرهم) على طاقة أدائية عالية تعبر عن الإنهاك. لأن الأجساد مثقلة بالأحلام المؤجلة، والخيبات، مما جعل الحركة المسرحية تبدو مثل رقصة احتضار، أو محاولة مستمرة للتحرر من ثقل الماضي.
يتبنى العمل رؤيةً دراماتورجيةً تتوافق مع أدبيات وأساليب “ما بعد الدراما” التي تعتمد على الفعل المشهدي وتفكيك مفهوم الشخصية التقليدية. ويمكن تحليل المسار الدرامي لـ “جاكرندا” عبر ثنائية السكون (Stasis) والاختراق (Intrusion). حيث يبدأ النص في حالة من السكون الموحش؛ ردهة مركز النداء يغلفها ضوء باهت وجو كئيب، حيث الأصوات الخارجية (رعد، ونباح كلاب، وسيارات إسعاف) التي تعزز الشعور بالانغلاق. الشخصيات (هندة، وعفاف) تعيش في رتابة العمل اليومي، تتحدث عن زبائن أوروبيين (أوسكار من بروكسل) بآلية تعكس فقدان الاتصال بالواقع المحلي. هذا السكون ليس سلاماً، بل هو صمت مطبق وحيرة بادية على الجميع بشأن الحاضر والمستقبل. يحدث الاختراق الأول مع ظهور “الزهمولة” أو الخيال الهارب، وهو اختراق بصري يكسر رتابة الفضاء ويثير الرعب في نفوس الموظفات. إننا أمام اجتياح طيفي مريب، تتداخل فيه حُجب الأشباح بحياة الأحياء، في مشهدٍ يستحضر بظلاله المهيبة فواتح مأساة هاملت على أسوار ‘إلسينور’. ثم يتلوه الاختراق الأنطولوجي الذي تقوده شخصية ألفة، التي تعلن أن المركز مبني على “جبانة” (مقبرة)، محولةً المكان الوظيفي إلى مسرح للموتى الأحياء. إن هذا الاختراق يعيد صياغة الأسئلة الدرامية من “ماذا نفعل؟” إلى “من نحن في هذا الركام؟”. وتتعدد الشخصيات في “جاكرندا” لتشمل جيلين مختلفين في الرؤية والمصير؛ ست شخصيات من جيل الشباب وشخصيتان من جيل الكهولة. هذا التقسيم يبرز صراع الأجيال حول الذاكرة وكيفية التحرر من أعباء وثقل الماضي.
في نفس السياق، تعيش شخصيات “جاكراندا” حالة انفصام مأزومة؛ فهي جسدياً في تونس، لكن وعيها وعملها وصراعاتها مرتبطة بمركز وهمي بعيد. في نفس السياق، يعد الصراع اللغوي على الخشبة بين اللغة الوظيفية الباردة (لغة العمل) واللغة الوجدانية (اللغة الأم/ الذاكرة) محاولة لاسترداد السيادة المعرفية على الذات. ويمثل هارون (ابن المرحوم النصراوي/هاملت الذي فقد لسانه) الشخصية المركزية التي تعاني من الاغتراب النفسي. إنه يعيد إنتاج تراجيديا هاملت في سياق تونسي معاصر؛ شاب مثقف عاد من الخارج ليجد أمه (جويدة) متواطئة مع عمه (الكلاعي) في تدمير إرث والده. هارون ليس بطلاً بالمعنى التقليدي، بل هو شاهد على زمن فقدان المعنى، يراقب الانهيار من زاوية الصمت والتقاعس. صراعه هو “أنا ضد نفسي” و”أنا ضد المجتمع” الذي يطالبه بالصمت.
تتجلى عودة هارون من ضباب لندن إلى جحيم مركز النداء في تونس، ليس كاستعادة كلاسيكية لبروتوكولات الانتقام الهاملتي، بل بوصفها عصياناً معرفياً يفكك هيبة الأركيتيب الغربي داخل فضاء المستعمرة الرقمية (وقد أشار المسعودي لهذا الأمر في حوار له). فهارون هنا هو هاملت المضاد (Anti-Hamlet) الذي ينوء تحت ثقل مركزية أوروبية لا تجد لها صدى في واقع الأوليغارشيات العائلية التونسية؛ فهو لا يعود لتطهير الدنمارك من العفن، بل ليصطدم بآلة العولمة التي ابتلعت الذاكرة وحولتها إلى غبار سيليكون. في هذا السياق الدراماتورجي، ينزاح الصراع من “أكون أو لا أكون” الوجودية إلى مأزق نزع الكينونة الذي يمارسه نظام الزبونية؛ فالعم “الكلاعي” والأم “جويدة” لا يمثلان سلطة العرش بقدر ما يمثلان البنى العميقة للهيمنة الاقتصادية التي تخصي الفرد وتصادر لسانه. إنهما جزء من الحالة الاستعمارية coloniality التي تكرسها الأوليغارشيات المحلية في الشمال الإقطاعي في الجنوب، وهي الحالة التي لا تزال مستمرة رغم زوال الاستعمار المادي. كما أن استعارة الفستان التي يواجه بها هارون أمه الغولة ليست مجرد تنكر كاريكاتوري، بل هي فضح لجرح الفاجعة التاريخية ومحاولة لتعرية الأم التي ترفض نضجه وتحوله إلى مجرد وظيفة إنتاجية في شركة الأب الراحل. وبناءً على ذلك، يصبح هارون تجسيداً لاستحالة الانتقام في زمن الإبادة المعرفية، حيث يتحول لسان هاملت الفصيح إلى صرخة خرساء تسبق فعل القص النهائي للسان؛ إنه البطل الذي فشل في أن يكون مخلصاً لأن مركز النداء قد أحال المأساة الكبرى إلى مجرد مزحة جدية تعيد تدوير الأزمات في حلقة مفرغة من العود الأبدي تحت ظلال أشجار الجاكارندا التي تتغذى على سموم المحيط.
أما ألفة فهي الحبيبة والعرافة التي تسير على “تروتينيت”، وتدخّن الـ “Vape”، وتقرأ أوراق “التاروت”. إنها الشخصية الأكثر وعياً بهشاشة الوجود في بلاد الجاكراندا، فهي التي تعلن أن المكان عبارة عن محمية بشرية (Human Zoo) وأن البشر فيه “موتى لابس حوايج”. ألفة تمارس فعل التنظيف كفعل طقوسي لتطهير المكان من دنس الماضي، وهي التي تنهي المسرحية بفعل قطع اللسان الرمزي، معلنةً نهاية عصر الكلام. ويجسد الكلاعي (العم) وجويدة (الأم) منظومة السلطة والفساد التي نخرت البلاد. الكلاعي، الملقب بـ “بارابول”، هو الذي تاجر في كل شيء، من الاتصالات المشبوهة إلى البشر. أما جويدة، فهي الأرملة التي تحاول الحفاظ على سلطتها ببرود قمعي، محتميةً بحارسها الشخصي “صفوان”. كلاهما يمثل عائقاً (Obstacle) أمام هارون وألفة في سعيهما للخلاص أو البحث عن الحقيقة.
وتمثل المشاهد الأخيرة في المسرحية (11 و12) ذروة الانهيار الوجودي والاحتجاج الصامت. في مشهد “آخر تانغو”، لا تصطف الكراسي للفرجة، بل تصطف الشهادات للبوح المسترسل. رقصة هارون وجويدة (أو الخيالات الراقصة) تعكس الصراع الأخير بين الابن والماضي، بين الضحية والجلاد. الرقص هنا ليس فعلاً جمالياً فقط، بل هو فعل محاكمة، حيث تتحول الخشبة إلى مرآة تعكس وجوه الجمهور في لحظة مواجهة عارية. تقوم ألفة في النهاية بفعل قطع اللسان. هذا الفعل الرمزي هو محاولة لكسر الصمت الذي أطبق على النفوس، وإعلان عن عجز اللغة عن وصف الوطن الموجوع والطاووس المفجوع. إن قطع اللسان هو الخلاص الأخير من زمن الرد الآلي واستعادة للكرامة عبر الصمت المقدس.
ينبني الصراع في “جاكرندا” على أربعة محاور أساسية:
• الفرد ضد الذات: تظهر بوضوح في شخصية هارون الذي يصارع ذكرياته الأليمة مع أمه وعجزه عن الانتقام لوالده، وهي لحظة “أنا ضد نفسي” التي تمنعه من الفعل.
• الفرد ضد الآخر: المواجهة المباشرة بين الكلاعي وهارون، وبين جويدة وألفة، حيث تبرز رغبات متصادمة حول السلطة والمال والمعنى.
• الفرد ضد المجتمع: يتجلى في رفض ألفا وهندة وعفاف لاشتراطات العمل في مركز النداء، وفي نظرة ألفا للمجتمع كمنظومة “إعادة تدوير” للنفايات البشرية.
• الفرد ضد القدر/التاريخ: تمثل “الجبانة” التي بُني عليها المركز القدر المحتوم الذي لا يمكن الهروب منه، حيث التاريخ يعيد نفسه كمأساة ومهزلة في آن واحد.
وتعد اللغة في “جاكراندا” بطلاً درامياً مستقلاً. فاستخدام اللهجة التونسية الحية ليس مجرد اختيار واقعي، بل هو فعل دراماتورجي يهدف إلى إبراز عنف اللفظ وعنف المعنى. وفي فضاء مركز النداء، تفقد اللغة وظيفتها التواصلية لتصبح “اتصالات خامجة” تتقيد في سجلات الأثير وتترجم إلى “قيح ودم وسفا”. الموظفون يتحدثون طوال الوقت دون أن يُسمعوا، ويعيشون في زمن “الرد الآلي”، مما يحول أرواحهم إلى جثث تبحث عن مستمع حقيقي واحد. هكذا يشتغل العرض على تفكيك الواقع عبر بوابات الجسد والصوت والفضاء المغلق.
خلاصة أولية
تنبثق مسرحية “جاكراندا” بوصفها مختبراً جماليا ومعرفياً يتجاوز طقوس الفرجة التقليدية، ليتحول إلى فضاء للمساءلة الديكولونيالية؛ حيث يشتبك “لوغوس” الفكر النقدي بـ “بيوس” الجسد الركحي، في محاكمة علنية لبنيات الهيمنة النيوليبرالية المعاصرة. ويتجلى ذكاء الثنائي نزار السعيدي وعبد الحليم المسعودي في تحويل خشبة المسرح إلى مركز النداء (Tanit Call Center)، ليجسد الفضاء مفارقة الانقطاع عن التواصل في ذروة الاتصال؛ حيث تُستلب الهوية ويتحول الرمز السيادي القرطاجي تانيت من ربة للخصوبة والحماية إلى علامة تجارية (Brand) لعقود من العبودية الرقمية واستنزاف الحناجر.
ولا تكتمل سيميولوجيا الحصار إلا بتلك العلامة المضيئة (EXIT) التي تعتلي الركح كقيدٍ بصري أخير؛ فهي في “جاكراندا” ليست مجرد دلالة تقنية على الخروج، بل هي فخٌّ دراماتورجي خالص، توهم بالانعتاق بينما تكرس حالة المكان المغلق (Huis Clos) وجودياً؛ فكلما سطعت علامة الخروج، زاد انكشاف استلاب الشخوص المحاصرين داخل برودة السلك والسيليكون. إنها ترمز للخروج المستحيل من آلة العولمة التي ابتلعت الذاكرة، محولةً الرغبة في الهروب إلى مجرد إجراء تقني معلق في سقف الفراغ، لا يقود إلاًّ إلى مزيد من التيه.
تتجلى المقاربة الديكولونيالية في هذا العرض بوصفها فعلاً من أفعال العصيان المعرفي لتفكيك بنى الهيمنة التي استعمرت اللسان والوعي؛ حيث يُجبر هؤلاء الشباب داخل المستعمرة الرقمية على ممارسة اغتراب لغوي يحول كينونتهم إلى مجرد وظيفة إنتاجية، وهو ما يجسد مفهوم “نزع الكينونة” عند والتر مينيولو. في هذا السياق، لا يعود فعل قطع اللسان في المشهد الختامي مجرد فعل عنيف، بل هو الإجراء الجراحي الوحيد لاسترداد السيادة المعرفية؛ إنه الرفض المطلق لـلإبادة المعرفية التي تمارسها اللغة الوظيفية الباردة. ومع تساقط أوراق الجاكراندا كإعلان لليتم الحضاري المأساوي، يرتفع عويل الطاووس كصرخة وجودية بديلة للكلمة المنتهكة. يرتبط الطاووس في بنية العرض بـاللسان المقطوع والوطن الموجوع. عندما يُقطع اللسان —وهو رمز اللغة المستلبة والسيادة المعرفية المفقودة— لا يتبقى إلا عويل الطاووس. هذا الصوت ليس لغة وظيفية، بل هو صرخة ما قبل اللسان أو ما بعد الانهيار؛ إنه تعبير عن العجز المطلق عن التواصل في عالم يفيض بوسائل الاتصال التقنية لكنه يخلو من المعنى الإنساني. ومع تساقط أوراق الجاكراندا البنفسجية، يظل صوت الطاووس هو الصدى الوحيد في مشرحة الذات. إنه يرمز إلى الطبيعة الجريحة التي ترفض الصمت، لكنها لا تملك سوى النشاز لتعبر عن احتجاجها ضد الإبادة المعرفية والرمادية التي تفرضها ثقافة الاستهلاك. إن الطاووس في “جاكراندا” هو مانيفستو صوتي مكمل لمانيفستو الجسد؛ إنه الصرخة التي تتزامن مع بتر اللسان/اللغة، والجمال الذي يرفض الانصياع، والشاهد الأخير على ضياع الكينونة وسط غبار السيليكون وإسمنت العولمة.
بيدَ أنَّه لا يَسعنا في الختام إلا أن نُسدي للمخرج عتاباً مُعطرا بالمودة؛ عتابٌ ينبع من فيض المحبة لا من ضيق النقد، ولا يبتغي التقليل من شأن هذه التجربة الرؤيوية الفارقة. يكشف عرض “جاكراندا” عن فجوة نقدية عميقة برزت ملامحها خلال الندوة التقديمية في مهرجان الهيئة العربية للمسرح (القاهرة، 2026)؛ حيث يتجلى تعارض بنيوي واضح بين التنظير الفكري للمخرج نزار السعيدي وبين تطبيقه العملي على الخشبة. فبينما ينادي السعيدي نظرياً بـ ‘نقاء الأداء’ ويُعلي من شأن جسد الممثل الحي كحصنٍ ضد زحف تقنيات ‘ما بعد الدراما’، تأتي ممارسته الإخراجية لتناقض هذا الطرح بانغماسها الكلي في جماليات هانس ثيس ليمان؛ إذ يُحدث العرض قطيعة معرفية مع القوالب الدرامية التقليدية، متبنياً بوضوح عناصر المشهدية الصوتية (Aurality) والتنظيم الباراتاكسي (Parataxis) للأحداث، وهو ما يضع الخطاب والممارسة في مواجهة نقدية حادة.
فالعرض لا يسير في خط قصصي متصاعد (بداية، عقدة، حل)، بل هو عبارة عن “لوحات” أو “كتل أدائية” متجاورة. لا توجد قصة مركزية تقودنا، بل صور وأصوات تتراكم فوق بعضها محدثة حالة امتلاء فوق الخشبة، مما يترك للمتلقي حرية بناء الروابط بنفسه. تتمثل “المشهدية الصوتية” في تحويل الصوت (عبر الميكروفونات والتقنيات الرقمية) من مجرد وسيلة لنقل الكلام إلى عنصر مادي يشغل الفضاء المسرحي ويهيمن على حواس المتلقي، أما “التنظيم الباراتاكسي” فهو أسلوب في بناء العرض يعتمد على وضع المشاهد والأحداث جنباً إلى جنب بشكل متجاور ومستقل، دون خضوع لتسلسل زمني أو منطق حكائي تقليدي، مما ينقل العرض من منطق الحكاية المركزية إلى منطق اللوحات الأدائية المتراكمة التي تمنح الجمهور حرية بناء المعنى.
إن “جاكراندا” تغادر سلطة “اللوغوس” (النص المركزي) لتتحول إلى دراماتورجيا تشاركية، حيث الممثل ليس وسيطاً للحكاية بل هو مؤدٍّ (Performer) يفرض حضوره الفيزيقي كحقيقة مادية مستقلة عن الدور؛ وهو ما يسميه ليمان “تراجع الفنطازيا” لصالح “الواقعة الأدائية”. ومع ذلك، يظل العتاب الإبداعي قائماً في ارتهان العرض المكثف لجماليات الوسائطية (Intermediality)؛ إذ يتم توظيف الميكروفون والتقنيات الرقمية ليس كمكملات، بل كعناصر بنيوية لترميم صرخة التابع وتضخيم هشاشته. لقد مارس العرض عصياناً معرفياً ضد خطاب مخرجه؛ فبينما يشيطن السعيدي الوسائط التقنية، نجد أن “جاكراندا” لا تتنفس إلا من خلالها، محولةً الركح إلى مختبر وسائطي يفكك الجدار الرابع ويلغي المسافة مع المتلقي، مؤكداً أن العمل يستوعب جماليات ما بعد الدراما التي تجعل من التكنولوجيا وسيلةً لتجسيد ياسة الأداء، حتى وإن حاول الخطاب التنظيري نفي ذلك أو التبرؤ منه.

 

Related Articles

Back to top button