بحوثبحوث محكمة

المسرح المصري ومقولات ما بعد الحداثة”نماذج مختارة من الألفية الثالثة” ملخص دكتوارة جمال الفيشاوي

The Egyptian Theater and Postmodern Sayings

” Selected Samples from the Third Millennium “

رسالة مقدمه من الباحث: جمال عبد الواحد محمد الفيشاوي

حصل بها الباحث علي درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى

في فلسفة النقد الفني 

تخصص النقد الادبي 

إشراف: أ. د.غ/ أحمد عبد اللاه بدوي / أستاذ النقد الأدبي (عميد المعهد العالي للنقد الفني سابقاً)

2025 م

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: (وقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) صَدَقَ اللَّهُ العَظِيمُ (طه: 114)

 

إهــــــداء

أولاً اسجد لله تعالى شكرا راجيًا أن يغفر لي عجزي وان يتم نعمته علي

اهدي هذا العمل المتواضع إلى روح زوجتي

والى احفادي آدم وكارما

والى وطني مصر الحبيبة كل ما في هذا العمل من حبات العرق وساعات الارق

الباحث

الشكر والتقدير

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ والصلاة والسلام على أشرف الخلق، سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

استهل هذه الرسالة بتقديم خالص الشكر والتقدير والعرفان بالجميل

للأستاذ الدكتور/ أحمد بدوي– عميد المعهد العالي للنقد الفني الأسبق– أستاذ النقد الأدبي (مشرفاً)، لقبوله الأشراف على هذه الرسالة، كما اشكره على ملاحظته السديدة التي اضفت الكثير للرسالة.

كما أتقدم بالشكر لكلٍ من أ.د.غ / محمد زعيمة – استاذ الدراما والنقد المسرحي بالمعهد العالي للنقد الفني، ا.د. / عبير منصور أستاذ التمثيل والإخراج ورئيس قسم علوم المسرح كلية الآداب جامعة حلوان لقبولهما مناقشة هذه الرسالة.

كما أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى جميع أعضاء هيئة التدريس بالمعهد العالي للنقد الفني

الباحث

مُــقَــدِّمَــــة

يعتبر المسرح أبا الفنون، وهو من أقدم وسائل التعبير التي ارتبطت بقضايا المجتمع، ويتلاحم مع كل الأطروحات الفكرية الجديدة بتنوعاتها وأشكالها المختلفة، فهو الميدان الذي يعبر فيه الكَاتبُ والمخرج المسرحي عن وجهة نظرهم نحو الأوضاع المعاشة، من خلال تجسيدها دراميًا ليقدمها للمتلقي، ومع التطور الكبير في مجال التكنولوجيا، الذي شمل كل مجالات الحياة، استحدثت أساليب تشكيلة أثرت في طرق العرض المسرحي، واُدرجت الأعمال الفنية ضمن حدود التجربة والتجريب، حيث إنه من الممكن أن يصبح كل شيء فنًا، ومما لا شك فيه أن كل حركة أو اتجاه جديد، في أي نوع من أنواع الفنون، ما هو إلا نتاج ظروف جديدة يمر بها المجتمع، مما يتطلب شكلًا أو أسلوبًا جديدًا في التعامل معها، وقد ظهر تيار جديد معادٍ للحداثة عرف بتيار ما بعد الحداثة، وكان نتيجة للإحباط الذي عاشه المجتمع الغربي، بسب فشل المشروع الحداثي في تحقيق الأهداف المرجوة منه، وهو من التيارات الرئيسية في الفلسفة الغربية المتأخرة، ولا يمكن القول بأن تيار ما بعد الحداثة قد تحرر تمامًا من تيار “الحداثة”، فالحداثة هي الأرض الخصبة التي تقف عليها ما بعد الحداثة وتشتبك معها في جدال ونزاع دائمين، وهي الأرض التي تمكنها أيضًا من الدخول في حوار وجدل مع نفسها.

من الممكن أن تعرف ما بعد الحداثة بأنها اتجاه فكري، يضم خليطًا من التيارات، ويجمعها رفض الأسس الأنطولوجية (نسبة إلى الأنطولوجيا Ontology) أي الخاصة بطبيعة الوجود والمعرفية والمنهجية، وتيار ما بعد الحداثة كانت له تجليات كثيرة في كل مجالات الحياة ومنها تجليات فلسفية وأدبية وفنية وسياسية واجتماعية واقتصادية.

قام فنانو تيار ما بعد الحداثة بخلق سمات خاصة بهم ورفض التقليد السائد والمألوف والعادي، وإخراج كل شيء للتفكيك والتشكيك في كافة الحدود الفاصلة بين الفنون المختلفة؛ فالفنان في تيار ما بعد الحداثة لا يسعى إلى التركيب الجمالي، إنما يسعى إلى إضفاء طابع التشظي على هذا التركيب، ولا يرتكز على مبدأ الحدث والحكاية وإنما يقدم موقفًا أو حالة لدرجة، أنه أصبح من الصعب علينا تحديد ملامح فن ما بعد الحداثة وتقنيتها وفقًا لمعاني الأعمال الفنية أو سماتها المميزة.

وبذلك أصبح النص المسرحي أو طروحات مسرح ما بعد الحداثة مقترنة باستخدام آليات التشتت والتغريب والاختلاف والهدم والتعدد والتنوع وغياب القوالب النموذجية الخاصة، وغيرها من الآليات التي انبثقت من فلسفات متعددة مثل التفكيك والعدمية والفوضى، وكلها تقودنا إلى رسالة مفككة فوضوية يخلق وفقها في ذهن المتلقي رسائل متعددة تنبثق من التفكيك واكتشاف عالم جديد للفرجة لتقترن بالنظام النفسي والتشكيل البصري للصورة المسرحية

إن العديد من كُتَاب المسرح في العالم قاموا بكتابة العديد من النصوص المسرحية التي تنتمي إلى تيار ما بعد الحداثة، وكذلك كتب بعض كُتاب المسرح المصري نصوصًا مسرحية تنتمي إلى تيار ما بعد الحداثة.

إبراهيم الحسيني وسامح مهران كاتبان مصريان اشتركا في عدة سمات، منها دراسة الدراما وقاما بالكتابة للمسرح بكل أنواعه (كبار– أطفال– ديودراما– مونودراما) وكلاهما كًتب النقد، وحصدا العديد من الجوائز عن بعض أعمالهما الفنية، وأيضًا كتبوا نصوصًا مسرحية تنتمي لتيار ما بعد الحداثة، الذي تحقق في بعض من هذه النصوص المقولات أو السمات الشائعة لهذا التيار، ولذلك كانت هذه الدراسة: (المسرح المصري ومقولات ما بعد الحداثة “نماذج مختارة من الألفية الثالثة).

 

أهمية البحث:

ترجع أهمية البحث إلى ندرة الدراسات الخاصة بالجيل الذي بدأ بعضهم الكتابة للمسرح منذ بداية ومنتصف التسعينيات من القرن العشرين استمر في الكتابة حتى الآن، وسامح مهران وإن كان أكبر من إبراهيم الحسيني وسبقه في الكتابة للمسرح فإنهما ينتميان إلى هذا الجيل، كما أن أسلوب الكتابة في معظم نصوص الحسيني وبعض نصوص سامح مهران تواكب مفاهيم ما بعد الحداثة، وهذه من الدراسات النادرة في الدراسات الأكاديمية.

أهداف البحث:

يهدف البحث إلى تقديم دراسة أكاديمية عن المسرح المصري ومقولات ما بعد الحداثة، نماذج مختارة من الألفية الثالثة “وإلقاء الضوء على بعض النصوص المسرحية لكَلٍ من (إبراهيم الحسيني وسامح مهران الذي سبقه بعدة سنوات)؛ نموذجًا لجيل من الكُتاب المصريين اشتركوا في عدة سمات، منها دراسة الدراما وقاما بالكتابة للمسرح بكل أنواعه (كبار– أطفال– مونودراما) وكلاهما كَتَبَ النقد، وحصد كلاً منهما على العديد من الجوائز عن بعض أعمالهم الفنية، كما كتبا أيضاً نصوص مسرحية تنتمي لتيار ما بعد الحداثة، وقد تحقق في بعض من هذه النصوص المقولات أو السمات الشائعة لهذا التيار؛ وبالتالي تفتح هذه الدراسة المجال لدراسة أعمالهم من منظور جديد، وكذلك يفتح المجال للدراسات الأكاديمية لكُتَاب آخرين من هذا الجيل، الذي مازال مستمرًا إلى الآن في الكتابة للمسرح بما يقارب الثلاثين عامًا أو يزيد، وذلك من خلال الإجابة عن تساؤلات الدراسة المطروحة.

مشكلة البحث:

تكمن مشكلة البحث في (البحث عن تفسير دلالات اللغة الدرامية في عمقها ومعناها بما يتفق مع مقولات ما بعد الحداثة)، ولذلك تتلخص مشكلة البحث في سؤال رئيس، هو: كيف تمكن كُتَاب العينة المختارة من توظيف اللغة الدرامية لطرح نصوصٍ بصرية مقرؤة، مستخدمين أسس الكتابة ومقولات ما بعد الحداثة في المسرح المصري؟ ويَنْتُج عن هذا السؤال الرئيس الأسئلة الفرعية التالية:

ماهي مقولات ما بعد الحداثة في نصوص المسرح المصري لكلٍ من إبراهيم الحسيني وسامح مهران، وكيف تشابكت مع مقولات ما بعد الحداثة باعتبارها حركة أساسية لهذه الدراسة؟

كيف تبنى كُتاب نصوص العينة المختارة تقنيات التناص ؟

ما طبيعة البنية الدرامية في نصوص العينة المختارة وعلاقتها بمقولات ما بعد الحداثة (السياق، النص الموازي، الصورة الدرامية،٠ التشظي ، التفتيت، التشكيك، … إلخ).

ما علاقة المضامين الفكرية بتفكيك المقولات المركزية ؟

ما دور الصورة بوصفها لغة مسرحية؟

كيف انتقلت نصوص كلٍ من إبراهيم الحسيني وسامح مهران إلى عروض مسرحية بما يتفق مع تيار ما بعد الحداثة؟

الأبحاث السابقة:

حسَبما توافر لدي الباحث من دراسات سابقة حول موضوع البحث؛ فإن الباحث إلى الآن لم يصل إلى أي أبحاث علمية خاصة بموضوع الدراسة، وهو المسرح المصري ومقولات ما بعد الحداثة “نماذج مختارة من الألفية الثالثة بشكل عام أو بالنماذج المختارة لمسرح كلٍ من إبراهيم الحسيني وسامح مهران بشكل خاص؛ لكن توجد دراسات سابقة خاصة بمسرح إبراهيم الحسيني أو مسرح سامح مهران، ولم تجمع بينهما دراسة واحدة، وسوف تفيد هذه الدراسات الباحث، ومن هذه الدراسات المتفرقة:

معاناة الطبقة الوسطى في مسرح إبراهيم الحسيني في ضوء التغيرات الاجتماعية في الفترة من ١٩٩٩م حتى ٢٠١٨م، للباحث: محمد علاء عبدالله الخطيب، حصل بها الباحث على درجة الدكتوراه في الإعلام التربوي “مسرح” (مصر: جامعة طنطا، كلية التربية النوعية، قسم الإعلام التربوي، ٢٠٢١م)، وتشير هذه الدراسة إلى رصد معاناة الطبقة الوسطي في مسرح إبراهيم الحسيني في ضوء المتغيرات الاجتماعية وتكونت الرسالة من ثلاثة فصول، عرض الباحث في الفصل الاول مفهوم الطبقة الوسطى، ثم تحدث عن نشأة وتطور وحجم وبنية ومشكلات الطبقة الوسطي المصرية، وناقش في الفصل الثاني بعض قضايا الطبقة الوسطي ومنها قضية القهر والفقر والفساد والتهميش والاعتقاد في الخرفات، وفي الفصل الثالث ألقى نظرة على بعض التقنيات في مسرح إبراهيم الحسيني، منها تقنيات المذهب الملحمي والتعبيري والرمزي والتمثيل الصامت، ثم الاستلهام من التراث.

أبعاد الشخصية الانهزامية في نصوص إبراهيم الحسيني المسرحية، للباحثة: ميعاد عبود مانع، حصلت بها الباحثة على درجة الماجستير (العراق: وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، جامعة بابل، كلية الفنون الجميلة، قسم الفنون المسرحية، فرع أدب ونقد، ٢٠٢٢م) وتشير هذه الدراسة إلى التعرف إلى أبعاد الشخصية الانهزامية في نصوص إبراهيم الحسيني، وتكونت هذه الدراسة من أربعة فصول، شمل الفصل الأول الإطار المنهجي على مشكلة البحث، والفصل الثاني الإطار النظري والدراسة السابقة، الذي اشارت فيه الباحثة إلى مفاهيم الشخصية الانهزامية وكيفية تناولها في النص المسرحي العالمي، والمرجعيات الفكرية والفنية للكاتب إبراهيم الحسيني، والفصل الثالث وهو الفصل الإجرائي اشتمل التطبيق علي ثلاث عينات من نصوص إبراهيم الحسيني، أما الفصل الرابع فكان لعرض نتائج العينة.

التجريب في أعمال سامح مهران، للباحث: السيد رمضان بسيوني السيد، حصل بها الباحث على درجة الماجستير (مصر: أكاديمية الفنون، المعهد العالي للنقد الفني، ٢٠٠٩م) وعبر موضوع الدراسة عن تحديد الخصائص التجريبية في مسرح سامح مهران، وتكونت الرسالة من ثلاثة فصول، وجاء عنوان الفصل الأول الأسطورة – الرمز في التجريب المسرحي، وشرح الأسطورة والرمز في مسرح سامح مهران، ثم توظيف ذلك في أعمال سامح مهران، وكان عنوان الفصل الثاني مسرحة الرواية: التناص كمولد للعمل الفني وعرف التناص كمدخل تاريخي في أعمال سامح مهران، ثم التطبيق على بعض من أعمال سامح مهران، وهي (خافية قمر- مين يأكل أبوه–

الطوق والأسورة– طفل الرمال) وشمل الفصل الثالث الكتابة على مسرحيات سابقة وتناول بعض من أعمال سامح مهران منها (ماكبث– لير بروفة أخيرة).

توجد دراسة سابقة عن سمات التجريب في المسرح، وسوف يستفيد منها الباحث، وقد ذكر داخل الرسالة موضوع ما بعد الحداثة والرسالة هي:

السمات التجريبية في المشهد المسرحي العربي المعاصر من ١٩٩٩: ٢٠٠٣ للباحث: محمد السيد زعيمة، وحصل بها الباحث على درجة الدكتوراه (مصر: أكاديمية الفنون، المعهد العالي للفنون المسرحية، ٢٠٠٨م). واحتوت الرسالة على ثلاثة فصول، وشرح في الفصل الأول ما بعد الحداثة الجذور والفلسفة، تقنيات الكتابة في ما بعد الحداثة، تقنيات العرض في ما بعد الحداثة، أما الفصل الثاني فتحدث عن تكنيك النص المسرحي العربي بين التجريب والحداثة وما بعد الحداثة، وعرض تكنيك النصوص ذات اللغة المنطوقة، ونصوص السيناريو المسرحي الحركي، والأعمال المأخوذة عن نصوص أجنبية، أما الفصل الثالث فكان عن لغات العرض المسرحي العربي بين التجريب والحداثة وما بعد الحداثة، وفيه شرح الباحث عروض اللغة المنطوقة، وعروض السيناريو الحركي، وعروض النصوص الأجنبية.

كما توجد دراسات سابقة عما بعد الحداثة وهذه الدراسات تختلف عن موضوع الدراسة حيث إنها تبحث في النقد التشكيلي، ولا تتناول النص المسرحي، خاصة النص المسرحي لكلٍ من إبراهيم الحسيني وسامح مهران، وسوف يستفيد الباحث من هذه الدراسة في كيفية تناول موضوع ما بعد الحداثة.

القيم الجمالية في مختارات من فنون ما بعد الحداثة مدخلًا لإثراء التذوق الفني لطلاب كلية التربية النوعية، للباحثة: شيماء رحيم، حصلت بها الباحثة على درجة الماجستير (مصر: جامعة حلوان، كلية التربية الفنية، ٢٠٠٣م).

تجليات عبر النوعية والتجاوز في فنون ما بعد الحداثة. دراسة مقارنة في فنون الأداء، للباحثة: نرمين عيد أحمد، حصلت بها الباحثة على درجة الماجستير (مصر: أكاديمية الفنون، المعهد العالي للنقد الفني، ٢٠٠٦م).

مفهوم التفاعل بين الفنون في الخبرة الجمالية لفنون ما بعد الحداثة، للباحثة: نجلاء إدريس، حصلت بها الباحثة على درجة الدكتوراه (مصر: جامعة حلوان، كلية التربية الفنية،٢٠١٠م).

جماليات الصمت والفراغ في فنون ما بعد الحاثة ودراسة لنماذج من الفن التشكيلي والمسرح، للباحثة: نرمين عيد أحمد، حصلت بها الباحثة على درجة الدكتوراه (مصر: أكاديمية الفنون، المعهد العالي للنقد الفني، 2012).

نقد جماليات الأعمال التشكيلية لفنون ما بعد الحداثة (دراسة مقارنة لنماذج مختارة لأعمال فناني مصر ودول الخليج العربي) للباحثة: ريهام فهد ناصر الرغيب، حصلت بها الباحثة على درجة الدكتوراه (مصر: أكاديمية الفنون، المعهد العالي للنقد الفني، 2015 م).

منهج البحث:

في إطار مشكلة البحث يستخدم الباحث المنهج الوصفي التحليلي وهو “المنهج الوصفي المتعمق الذي يصف فيه الباحث مختلف الظواهر والمشكلات العلمية التي تقع ضمن دائرة البحث العلمي، ثم يتم تحليل البيانات التي تم جمعها من خلال النهج التحليلي الوصفي(1)” وهذا المنهج يتسم بشموليته الواسعة ومرونته الكبيرة، وكما يتضح من اسم المنهج الوصفي التحليلي أنه يعتمد على خطوات تبدأ بوصف الظاهرة ثم يقوم بتحليلها، ثم يعمل على تفسيرها، وهو ما يؤدي إلى نتائج لإيجاد حلول منطقية للإجابة عن أسئلة البحث.

أدوات البحث:

في هذا البحث يتعرض الباحث لدراسة المسرح المصري ومقولات ما بعد الحداثة، ولذلك سوف يتناول النصوص الدرامية التي قام كتاب العينة بتأليفها بالشرح والتحليل مستعينًا بالأدوات البحثية الآتية:

التناص– السياق– النص الموازي– التشظي– الصورة الدرامية، ويعود الباحث أحيانًا إلى مصادر النصوص الأصلية في حالة وجود تناص بين هذه النصوص وبعض من النصوص الأخرى، كما يعتمد الباحث على بعض المراجع العربية، والمترجمة للعربية، وكذلك بعض المراجع الأجنبية، وبعض الأبحاث العلمية، والدوريات، والشبكة العنكبوتية (المواقع الموثقة علميًا) ذات الصلة بموضوع البحث.

مصطلحات البحث:

ما بعد الحداثة: Postmodernism

مصطلح زئبقي مراوغ؛ وذلك لأنه يشير، كما يبدو من الناحية الظاهرية، إلى عصر تاريخي جاء تاليًا لما يسمى بالحداثة، ويعتبر هذا المصطلح وثيق الصلة تمامًا، من الناحية الفلسفية، بمصطلحات ما بعد البنيوية، والتفكيكية، والتشككية المطلقة (الجذرية)، والنسبية، ولكن، ومما يدعو إلى السخرية أيضًا، أن ما بعد الحداثة قد يمكن تعريفها– تقريبًا– باعتبارها تشير إلى كل ما هو ضد التصنيف، أو كل ما يقاوم أن يوضع في فئات تصنيف محددة”(2).

التناص: Intertextuality

ترتبط فكرة التناص– التي طرحتها جوليا كريستيفا– على نحو أساسها بأفكار المنظرين ما بعد الحداثيين. ويشير مصطلح التناص إلى تلك الصلات أو الروابط المتنوعة في الشكل والمضمون، التي تقوم بربط نص معين بنصوص أخرى، فكل نص، وَفق هذه الفكرة، يوجد من خلال علاقته بنصوص أخرى، ومع أنه نادرًا ما يتم الاعتراف بما يدينه نص ما لنصوص أخرى، فإن النصوص– عمومًا– تدين بالفعل للنصوص الأخرى أكثر مما تدين به لأصحابها أو صناعها الفاعلين.”(3).

السياق: Context

هو “النظام اللفظي للكلمة وموقعها من ذلك النظام (…) إن السياق على هذا التفسير ينبغي أن يشمل لا الكلمات والجمل الحقيقية السابقة واللاحقة فحسب، بل والقطعة كلها والكتاب كله، كما ينبغي أن يشمل بوجه من الوجوه كل ما يتصل بالكلمة من ظروف وملابسات، والعناصر غير اللُغوية المتعلقة بالمقام الذي تنطق فيه الكلمة، فلها هي الأخرى أهمية بالغة في هذا الشأن”(4).

النص الموازي

إن النص الموازي هو “تلك البنية النصية التي تشترك وبنية نص أصلي في مقام وسياق معينين، وتجاوزها محافظة على بنية كاملة ومستقلة، وهذه البنية النصية قد تكون شعرًا أو نثرًا، وقد تنتمي إلى خطابات عديدة، كما أنها تأتي هامشًا أو تعليقًا على مقطع سردي أو حوار أو ما شابه”(5).

التشظي:

يعد التشظي بعدًا محوريًا رئيسًا من مكونات عالمنا المعاصر، الذي صار شعاره التشظي والتبعثر، وغلفته كافة المتناقضات والمفارقات، التي انعكست سلبًا على الإنسان وجعلته دائمًا يعيش حالة من القلق والإحباط تصل إلى حالة الاغتراب حتى لو كان داخل وطنه، والتشظي يعتبر من المقولات التي تميزت بها ما بعد الحداثة، إن لم نقل بؤرة غموضها، وحيث إن التشظي هو سمة متولدة من حالة ما بعد الحداثة، فإن فاضل ثامر يرى أنها تجس حالات “الهدم لما هو قديم وفيه يسقط النسق ويسقط تمركز الأحاديث وتخلق بدلًا من ذلك سلسلة من البؤر الشعرية المتشظية التي تخلخلت فيها ثوابت الأجناس الأدبية من خلال اللغات والرؤى والأساليب”(6).

الصورة الدرامية:

من الناحية الإصلاحية يرتبط مفهوم الصورة بشكل عام بالوظيفة البصرية والملكات التخيلية، ويرى فرانسوا مورو “أن الكلمة “صورة” Image هي واحدة من الكلمات التي ينبغي أن يستعملها عالم الأسلوب بحذر وضبط دقيقين، إذ إنها غامضة وغير دقيقة في نفس الآن، غامضة لكونها تسمح باستعمالها بمعنى عام مبهم جدًّا وواسع جدًّا، وذلك بالنظر إلى هذا الاستعمال من منظور أسلوبي خاص، وغير دقيقة لأن استعمالها، ولو في مجال البلاغة المحصور، عائم وغير دقيق”(7)، ويوضح جابر عصفور أن “الصورة الفنية مصطلح حديث، صيغ تحت وطأة التأثر بمصطلحات النقد الغربي والاجتهاد في ترجمتها (…) ولكن المشاكل والقضايا التي يثيرها المصطلح الحديث وطرحها موجودة في التراث”(8).

مع ظهور التقنيات التكنولوجية وتوجهات ما بعد الحداثة التي قامت لهدم كل ما سبقها مثل الحداثة والتيارات النمطية التقليدية، لتعتني بالجانب البصري وتختزل الجانب المنطوق على خشبة المسرح، وصلت الصورة إلى احتلال مركز عظيم الأهمية في، فالصورة هي أهم مفردات الرؤى، وأصبح النص الدرامي (المسرحي) في مسرح الصورة هو مجرد فكرة يبنى عليها نص العرض المسرحي.

عينة البحث:

اختار الباحث بعض “النماذج المختارة” من النصوص لكَاتبين اعتبرهما من الكُتاب الذين تميزوا في الكتابة بأسلوب تيار ما بعد الحداثة، وهما إبراهيم الحسيني وسامح مهران، وقد اختار الباحث لكلٍ منهما نصين مسرحيين حيث إن هذين النصين قُدما في صورة عروض مسرحية لم يتناولها أحد في دراسات علمية عبر تيار ما بعد الحداثة والنصوص هي:

أولًا: نصوص الكاتب إبراهيم الحسيني:

  1. كوميديا الأحزان، قدمته فرقة مسرح الغد عرضًا مسرحيًا عام 2011م من إخراج سامح مجاهد.
  2. ظل الحكايات، قدمته فرقة مسرح الغد أيضًا عرضًا مسرحيًا عام2018م من إخراج عادل بركات.

 

ثانيًا: نصوص الكاتب سامح مهران:

  1. هاملت بالمقلوب، قدمته فرقة المسرح الحديث عرضًا مسرحيًا عام 2018م من إخراج مازن الغرباوي.
  2. ديسكو، وقد أطلق عليه اسم بلاي (Play)، قدمته فرقة مسرح الغد عام 2024م من إخراج محمد عبد الرحمن الشافعي.

هذه النصوص تتناسب مع ما بعد الحداثة في المسرح المصري في الألفية الثالثة موضوع الدراسة.

 

محتويات الرسالة

تنقسم الرسالة إلى مقدمة وثلاثة فصول وهي كالتالي:

المقدمة وسوف يتناول فيها الباحث أهمية البحث، أهداف البحث، مشكلة البحث، والأبحاث السابقة، منهج البحث، وعينة البحث. والفصول كتالي:

الفصل الأول: المسرح ومقولات ما بعد الحداثة

تناول الباحث في هذا الفصل بعض النقاط النظرية التي تعتبر المفتاح

والركيزة الأساسية للتطبيق على النص الدرامي (المسرحي) بما يتفق

مع مقولات ما بعد الحداثة، وتتلخص هذه النقاط في التالي:

  1. النشأة والمفهوم.
  2. فنون ما بعد الحداثة.
  3. مسرح ما بعد الحداثة.
  4. مقولات ما بعد الحداثة.

الفصل الثاني: ما بعد الحداثة والنص الدرامي (المسرحي)

تناول الباحث النصوص الدرامية (المسرحية) التي تمثل العينة المختارة للكَاتب إبراهيم الحسيني، والكَاتب سامح مهران وهي:

أولًا: نصوص إبراهيم الحسيني:

  1. كوميديا الأحزان.
  2. ظل الحكايات.

ثانيًا: نصوص سامح مهران:

  1. هاملت بالمقلوب.
  2. ديسكو .

وقام الباحث بالتطبيق على نصوص العينة بعض مقولات ما بعد الحداثة وهي:

  1. التناص.
  2. السياق.
  3. النص الموازي.
  4. التشظي.
  5. الصورة الدرامية.

الفصل الثالث: انتقال النص إلى العرض المسرحي وما بعد الحداثة

وفي هذا الفصل تناول الباحث تحليل عناصر العرض المسرحي لنصوص العينة المختارة وقام بالتركيز على ما يتفق مع تيار ما بعد الحداثة وهي:

أولًا: نصوص إبراهيم الحسيني:

  1. كوميديا الأحزان إخراج سامح مجاهد.
  2. ظل الحكايات إخراج عادل بركات.

ثانياً: سامح مهران:

  1. هاملت بالمقلوب.
  2. بلاي(Play) (عن نص ديسكو) إخراج محند عبد الرحمن الشافعي                                                            النص، الشخصيات، الديكور، الملابس، الإضاءة، الموسيقي، والأداء التمثيلي، والرؤية الإخراجية للمخرج.

نتائج البحث:

1/ إن فنون ما بعد الحداثة بشكل عام والمسرح بشكل خاص هو ثورة على كل الأشكال الدرامية، والتمرد الحاد والاحتجاج الضمني بتكسيرهم للمنهج والقوانين المسرحية السابقة، فقد ارتبطت ما بعد الحداثة بالتفكيك، والتقويض، والتشكيك، وللا أنجسام، والتناقض، والتنافر، وتحطيم المقولات المركزية الكبرى، التي هيمنت على الثقافة الغربية.

2/ اتسمت نصوص العينة المختارة برفض الحقائق الثابتة والمنطق الخطي، في البناء الدرامي، فكتب الحسيني نصوص عينة البحث في مجموعة من اللوحات شبة المنفصلة التي أدت إلى حالة من حالات التشظي والتفتت الدرامي، فلم يعتمد إبراهيم الحسيني على البناء الدرامي التقليدي الذي يعتمد على حكاية خطية التصاعد؛ لكنه يكتب وفق أشكال فنية متعددة، فهو يتعامل برحابة مع التراث المسرحي العالمي بما فيه المعاصر جداً، ويكتب في مواضيع متعددة، حيث يتسم لديه فعل الكتابة بنوع من الانفتاح على كل تقنيات وأساليب الكتابة في العالم، فهو لا ينتمي إلى مدرسة مسرحية واحدة بل يمزج بين الأساليب الفنية داخل النص الواحد، ويحطم الحدود بين الأجناس الأدبية، فالنص عبارة عن هجنة بين أساليب إبداعية متعددة يمتزج فيها المسرح بالرواية والسينما، ويتعمد في بعض الأحيان إلى اقتحام عوالم المفاجأة والصدمة والغرابة، أو نوع من التشظي والتفكك والتناقض والتنافر والتي تنتمي لتيار ما بعد الحداثة، إلا أن لمسته الفنية تدمغ كل نصوصه.

واعتمد مهران في كتابة النص الدرامي (المسرحي) هاملت بالمقلوب على تقنيات ما بعد الحداثة وأدواتها مثل التفكيك والتشظي، وقام بكتابه نصة في سياق مغاير، تكسر مركزية أفكار النص الأصلي على مستوى الشكل والمضمون وهدم الثوابت.

في ظل صعود بعض وسائل الإعلام المرئي والافتراض الجديدة، التي تقوض مبدأ اليقين المطلق والواقع والحقيقة وتنحي التعددية والتنوع.

يبحث سامح مهران في نصة ديسكو عن الإنسان وسط تراجيديا العالم المرعب الذي سحق الإنسان وتراثه العظيم في ظل سيطرة الرأسمالية المتوحشة.

في العينة المختارة من نصوص سامح مهران وبشكل عام نستطيع القول أنه أعتمد في كتابته على الخلط ما بين الجد الشديد وما بين الهزل الشديد حيث يتولد من خلالها التطور الدرامي، وليس التطور التقليدي كما نعرفه، وإنما من خلال الصورة، ولعب على فكرة التحالف بين الشيطان والنظام الرأسمالي التي تظهر بوضوح في نص هاملت بالمقلوب.

3/ تَبَنِت نصوص العينة المختارة مفهوم التناص الذي يتضمن استلهام نصوص أخرى بطرق واعية لعمل رؤية جديدة تتفق مع تيار ما بعد الحداثة، ومن أنواع التناص:

أ – التناص مع الأدب العالمي:

استدعى الحسيني في نصه كوميديا الأحزان بنية مسرح العبث خاصة نص صامويل بيكيت في انتظار جودو، حيث الانتظار واللاجدوى.

يستدعي النص أيضاً أجواء نصوص شكسبير من حيث الجمع بين التراجيديا والكوميديا، وتحديدا ما يشبه الكوميديا السوداء، والتي فيها سخرية الموت والمعاناة.

كما يوجد استحضار غير مباشر لرموز من الأدب العربي القديم والحديث مثل شخصيات تعاني اغتراباً مشابهة لشخصيات نجيب محفوظ أو الطيب صالح. في نص الحسيني ظل الحكايات نرى أنه كتب جميع الحكايات في إطار اللامعقول، ويعنى ذلك سيطرة ما يشبه مسرح العبث على النص.

استلهم مهران نصوصه من أبرز النصوص الغربية الراسخة في واقعنا المسرحي مثل نصه هاملت بالمقلوب عن نص شكسبير هاملت، ونص ديسكو عن نص لويجي بيرانديللو ست شخصيات تبحث عن مؤلف، وكتب مهران نصه ديسكو طبقاً لنظرية جروتوفسكي نحو مسرح فقير، وقد وظف تقنيات بريخت وتغريب الواقع برواية القصص المتقطعة والخطاب المباشر.

  ب– تناص المضمون:

اشتبك مهران في نصه هاملت بالمقلوب مع نص شكسبير هاملت وعلى الرغم من الأفكار المختلفة في التعبير عن الواقع الراهن في عصر كلاهما إلا أنهما عبرا عن الصراعات السياسية والدينية، تلك الصراعات في عصر شكسبير بين الملكة والكنيسة زمن حكم الملكة إليزابيث الأولي، وفي عصرنا الراهن زمن مهران تعتبر الصراعات الدينية والسياسية من أهم قضايا ومخاوف العصر.

في نص ديسكو ظهر في بنية النص تناص المضمون، وما يتضمنه من استعارة وتشبيه.

ج– التناص المباشر:

لجأ الحسيني في نصه كوميديا الأحزان إلى الاقتباس أو الاستشهاد أو التضمين ببعض الكلمات كانت تُكتَبْ أو تُسمع في الصحف أو وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك لوظيفة فنية أو فكرية منسجمة مع السياق في نصه.

استعان مهران مباشرة بنص هاملت لشكسبير عن قصد لكنه قام بإعادة بناء وتضمين تراكيب معينه في نصة مستعينا بنصوص أخرى لغيره من الكُتاب والشعراء، كما استخدم العامية المصرية، وكرر ذلك في نصة ديسكو وأضاف الاستعانة بالأمثال الشعبية، وآية من آيات القرآن الكريم.

د– التناص غير المباشر:

تناص كُتاب العينة الحسيني ومهران مع الأفكار، وتنامي اللغة والأسلوب من داخل السياق الإبداعي للنص من حيث: الفكرة– اللغة.

 ه– التناص الأسطوري:

كتب الحسيني في نصه ظل الحكايات أحداثاً تعيد شخصيات تاريخية وأسطورية ضمن بناء درامي يتداول فيه الواقع بالخيال، فنجد حكاية تشبه الميثولوجيا الإغريقية في لوحة (نذرته للحكايات فعاش)

قدم مهران شخصية هاملت في نصه كرمز للعجز الجماعي، ضمن مسرح عبثي، فكانت الشخصية مليئة بالمتناقضات وذات خيال مريض فصور جرترود وكلوديوس على أنهم ساتير والتي ارتبطت في الميثولوجيا الإغريقية بديونيسيوس إله الخمر، وملهم طقوس الاحتياج والنشوة.

و– التناص السياسي والتاريخي:

يحاكي الحسيني في نصه كوميديا الأحزان ما حدث في مصر عام 2011م فيما سمي بثورات الربيع العربي وتعرض للحظات إنسانية داخلية بعرض لمحة داخلية من حياة بعض الأشخاص.

ز– التناص مع الف ليلة وليلة:

يسيطر على نص الحسيني ظل الحكايات سرديات قصصية وكأننا داخل عالم الف ليلة وليلة، حيث أن البناء الأساسي للقالب السردي لحكايات الف ليلة وليلة يعتمد على الخرافات، ونص الحسيني يحكي عن الكائنات الخرافية، والشخصيات العجيبة والأحداث الغرائبية ويعتمد على البنية السردية للحكايات المروية ضمن إطار درامي جديد.

ح– التناص مع قضايا الفكر والفلسفة:

يناقش الحسيني داخل نصه ظل الحكايات في لوحة (لماذا ابدو بمفردي كمجنون) قضايا ميتافيزيقية فقد طرح سؤال وجودي عميق يفيض بالقلق والاغتراب، حيث تتداخل الحقيقة مع الوهم والحكايات مع الذاكرة، كما طرح سؤالاً فلسفياً عن دور الحكاية في مواجهة العدم في لوحة (نذرته للحكايات فعاش)

ك– التناص الخارجي:

تقاطع نص مهران ديسكو مع ما كتبه غيره من نصوص سابقة أو معاصرة له، وتناول بعض القضايا الراهنة ومنها قضايا (السفر للعمل بالخارج، هجرة الشباب العاطل عن العمل للدول الأجنبية، سواء بطرق شرعية أو غير شرعية.

4- ركز كُتاب العينة على الصورة الدرامية حيث يعتبر الفضاء المسرحي هو الداعم البصري للنص أو الحدث، وهو المكان المادي أو الوهمي الذي تتطور فيه الشخوص.

5 – ظهر في نصوص العينة شخصيات متشظيه وهي كالاتي:

أ – في نص إبراهيم الحسيني كوميديا الأحزان يظهر أن الشخصيات تبدو في حالات نفسية مشوشة، غير مستقرة الهوية، فهي لا تمتلك هوايات واضحة أو متماسكة، مما يعكس حالة الإحساس بالاغتراب والانفصال عن الذات والمكان والزمان، وتنتقل بين الواقع والهذيان أو الكوابيس، بل أحياناً تتحدث بصوت جماعي، وأحياناً تغرق في مونولوجات داخلية متضاربة، حيث أن كثافة هذه المونولوجات الداخلية (المونولوجات البوحيه) تعكس صراع الذات مع الواقع، وتتلاشى  الحدود بين الواقع المسرحي والواقع النفسي أو الرمزي، وتقدم وعياً ذاتياً متشظياً، كما يتضح من النص وجود ارتباك وانقسام داخلي بين ما تقوله الشخصيات وما تشعر به، مما يعكس انفصام الذات عن الواقع.

ب – في النص الدرامي (المسرحي) ظل الحكايات لم يطرح الحسيني به  عقدة أو توتر ينمو ويتضخم أو صراع يتأجج ويتصاعد بل قدم لنا نص درامي  يحتوي على طبقات فلسفية به حكايات متشظيه، تشير إلى أزمة الإنسان المعاصر  الذي لا يجد خلاصاً سوى في العودة إلى الحكاية والرمز في عالم متشظي ومليء  بالعنف، ونرى أن التشظي هو يطبع حكاية النص، هذه الحكاية التي تتحول إلى  مساحة بديله في غياب اليقين والحقيقة الثابتة، فلا يمكن رصد حكاية خطية  التصاعد فالنص يعتمد على تفكيك السرد الخطي، وتقديمه بأسلوب متقطع ومتداخل  وغير تقليدي، فمنطق الحلم هو المتحكم في كل شيء، ويظهر التشظي في عدة  مستويات داخل النص الدرامي (المسرحي).

ج – إن سامح مهران في نصه هاملت بالمقلوب قام بإعادة تشكيل وتقديم قراءة مبتكرة، ومعالجة للنص الأصلي هامت لشكسبير معتمدُا على تقنية التشظي،  حيث قام بتفكيك، وإعادة تركيب الأحداث والشخصيات ليتناول قضايا الإنسان  المعاصر، ونقد العقل الغربي الذي انقلب على ذاته وبدأ في معاداة كل ما هو خارج  ثقافته، مع التركيز على التناقضات والاختبارات في الفكر الغربي المعاصر. كما قام بهدم مركزية الحقيقة وتشظي الواقع والتشكيك في كل حدث، وابتكر الشخصيات بطرق الشخصيات بطرق غير مألوفة، فالتآمر يغلف كل أفعالها.

 د – في النص الدرامي ديسكو للكاتب سامح مهران نجد شخصية حارس المسرح شخصية غير مرنة، ولديها خلاً وظيفياً مهنياً نتيجة وجوده في مكان به أشخاص (ممثلون) يظهرون بشكل متميز عنه في التفكير، ودائما متحدين، وهو بفردة فيشعر بالدونية لقلة اهتمام أعضاء الفرقة بوجوده دائما ولذلك يسلك سلوكا ينفر منه الأخرين، فنجده على مدار العرض أنه شخص مضطرب نفسياً نتيجة الأداء الوظيفي والعلاقات فيما بينه وبين الممثلين.

6 – عبر  كل كاتب  بطريقته بالإرشادات المسرحية في النص الموازي والصورة الدرامية  كالاتي:

أ – يهتم ابراهيم الحسيني في نصوصه خاصة نصوص العينة بالإرشادات المسرحية كما يكتب نصة في شكل صيغة المونتاج السينمائي، لخلق خيالاً درامياً لدي القارئ.

ب – يهتم سامح مهران في نصوص العينة المختارة باستخدام الإرشادات المسرحية لوصف المشهد، لرسم صورة درامية.

ج –  ركز كُتاب العينة على الصورة الدرامية حيث يعتبر الفضاء  المسرحي هو الداعم البصري للنص أو الحدث، وهو المكان المادي أو الوهمي الذي تتطور فيه الشخوص.

7- تجارب إبراهيم الحسيني الإبداعية عينة البحث كُتبت أولا كنصوص غير مطبوعة وعمل عليها المؤلف والمخرج إلى أن ظهر نص العرض ثم طبعت بعد ذلك في كتاب. اما عن تجارب سامح مهران الابداعية عينة البحث كتب منها مهران هاملت بالمقلوب وعمل عليها المخرج وكأنها كتاب مطبوع ووصل إلى تنفيذ أكثر من 90 في المائة من النص، اما نص ديسكو فكان مطبوعا في كتاب هاملت بالمقلوب ومسرحيات أخري وعمل عليها المخرج محمد عبدالرحمن الشافعي وقدم رؤيته وكتب بعض الجمل التي تم جلبها من النصوص العالمية وضمنها في البنية الدرامية للعرض وتم الربط بينها وبين الأحداث المرتجلة، وقدم مستوي جديد لم يكتبه الكاتب سامح مهران في نصه يتمثل في الإشارات الأدبية والتناص، فقد ضَمَنَ العرض ببعض الجمل والعبارات من نصوص عالمية حيث أن النص به مساحات تحتمل الارتجال لإحداث تنوع على مستوى التلقي، مما يضيف بعداً جديداً للعرض لكنه اختزل بعض المشاهد التي كتبها مهران ومنها مشهد يتناص المثيلة الجنسية للتحايل على الهجرة للغرب.

8-  إن مصممين المناظر المسرحية بحثوا في أساليبهم واتجاهاتهم التشكيلية، بما يتناسب اتجاه ما بعد الحداثة فو جدوا أن الأسلوب التفكيكي التشكيلي معبراً عن ما بعد الحداثة وظهر ذلك جلياً في عرض بلاي للمخرج محمد عبد الرحمن الشافعي وديكور دينا زهير، عن النص الدرامي ديسكو للكاتب سامح مهران

9- في عروض ما بعد الحداثة زاد الاهتمام بالممثل كوحدة تشكيلية متحركة بين عناصر العرض المسرحي المكون للصورة البصرية، مما جعله مشاركاً كعنصر تشكيلي جمالي بجانب جماليات الصورة البصرية في العروض المسرحية لكُتاب العينة.

10- حرص مخرجي تلك العروض على التعامل مع التقنيات والمؤثرات الفنية باحترافية عالية لخلق تجارب فنية تتسق مع تيار ما بعد الحداثة تؤكد على الحقيقة النسبية وتجعل المتلقي له فهمه الخاص بدلاً من تلقي حقيقة مطلقة فنجد في:

أ– كوميديا الاحزان

تماهى المخرج سامح مجاهد قدم عرضاً مسرحياً تجريبياً يتماشى مع تيار ما بعد الحداثة، معتمداً على وعي وعقل المتلقي وليس العواطف ويحقق الإيهام الكامل، وهل يوجد خطوط تلاقي بين ما تراه وما شاهدته أو مررتُ به في واقعك المعاش حيث ان الحسيني كتب نصه في مجموعة من اللوحات شبة المنفصلة التي أدت إلى حالات من حالات التشظي والتفتت الدرامي، فقد استبدل الحسيني البناء الدرامي التقليدي الذي يتكون من بداية ووسط ونهاية، أو منطق البرهان الواقعي بمنطق الشجرة وهذا المنطق الشذري يجعل نصه قادر على أن يتخلل فجوات الخطاب السائد وعلى أن يخلخل طبيعته الاتصالية، وبالتالي ينفي المفهوم التقليدي للواقعية، فهذه الشذرات تشكل نصاً متوتراً، يقوم على الاتصالات ما هو واقعي، ليصبح النص المسرحي حقل إنتاج للمعنى وليس أداة للتعبير عن معنى محدد.

ب– ظل الحكايات

نهج المخرج عادل بركات منهج الكَاتب إبراهيم الحسيني وجعل العرض المسرحي ظل الحكايات يتسم بالتفتيت وعدم ارتباط الأفعال والغموض في البدايات والنهايات مما يخلق تجربة حلم تشبه الغرائبيات. كما اهتم في العرض بالجانب البصري، كما أعتمد على التقنيات الحديثة مثل شاشه الفيديو والإسقاط المجسم لإنشاء عوالم بصرية غنية مما يدفع نحو ممارسات ما بعد الإنسانية.

ج– هاملت بالمقلوب

اقترب المخرج مازن الغرباوي في نص العرض من النص الدرامي الذي يشدد على أن الحقيقة والمعرفة يتم بناتهما من خلال الخطاب والتجربة المعاشة، ويسعى لاستكمال تفسيرات متعددة، كما تجاوز الفضاء المسرحي كونه كواقع مادي ليصبح عنصرا ديناميكياً يتشكل بين النص والتقنيات المرئية والمسموعة، مما يشكل بنية سياسية ورمزي وغير خطية تدعو المتلقي أن يصبح له تأويل خاص به حسب نشأته الاجتماعية وثقافة وتلقيه للنص أو العرض.

د– ديسكو

العرض المسرحي بلاي يعتبر من العروض المراوغة التي تظهر أشياء وتخفي الأخرى ويفكر فيها ويستنتجها المتلقي، حيث العرض يعتبر تجربة فنية مبتكرة، حافظ فيها المخرج على التناغم بين الارتجال من جهة، والتخطيط المنظم للإيقاع المسرحي من جهة أخرى، وقام بتطويع قدراته وتشكيل صياغة تبدو كما لو كانت عشوائية أو تسير كيفما اتفق، لكنها في الأصل مقصودة ومحسوبة بدقة شديدة، فكان هذا التداخل في الأمكنة والأزمنة والشخصيات وطرق الأداء، ما بين الكلاسيكي وكوميديا ديلارتي، وكذلك الاستعراضات الراقصة، واللا تمثيل في بعض الأحيان، منذ اللحظة الأولى يدعو العرض المتلقي للغوص في عالم يتشكل أمامه، فيتحول المتلقي إلى جزء من العملية الإبداعية، تُبرز ثراء المسرح كفن حي ينبض بالحياة. أدت إلى أن يكون العرض على قدر من الثراء على المستوى الفكري والجمالي.

 

الهوامــش:

(1):محمد تيسير: المؤسسة العربية للعلوم والنشر https://blog.ajsrp.com (ق 10: 9 س يوم الأربعاء 8/ 11/ 2023م)

(2):دانيال تشاندلر: معجم المصطلحات الأساسية في عام العلامات (السيميوطيقا)، ترجمة: شاكر عبدالحميد (الجيزة: أكاديمية الفنون، وحدة الإصدارات، دراسات نقدية(3)، 2002م) ص154.

(3):دانيال تشاندلر: معجم المصطلحات الأساسية في عام العلامات (السيميوطيقا)، ترجمة: شاكر عبد الحميد (الجيزة: أكاديمية الفنون، وحدة الإصدارات، دراسات نقدية(3)، 2002م) ص94.

(4):ستيف أولمان: دور الكلمة في اللغة، ترجمة: كمال محمد بشير، (القاهرة، مكتبة الشباب، 1975م) ص57.

(5): سعيد يقطين: انفتاح النص الروائي (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1989م) ص102.

(6): فاضل ثامر: شعرية الحداثة من بنية التمسك إلى فضاء التشظي (دمشق: دار المدى للثقافة والنشر، 2012م)ص: 10–           11

(7): فرانسوا مورو: البلاغة مدخل لدراسة الصور البيانية، ترجمة: محمد الوالي وعائشة جرير، (الدار البيضاء، بيروت: إفريقيا الشرق ، 2003م) ص15.

(8): جابر عصفور: الصورة الفنية (في التراث النقدي والبلاغي عند العرب)، (بيروت– الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط3، 1992 ص7.

 

Related Articles

Back to top button