نصوصنصوص مسرحية

نص مسرحية: “النّبية”/ تأليف: عباس منعثر

المكان:

بلاط الأمير. قاعة مترفة تغرق في التّبذير والإسراف. الجدران مكسوّة بالمرايا المنقوشة بالتفاصيل الذّهبية. تتدلى السّتائر المخملية الثّقيلة من السّقف العالي. إضاءة الشّموع تضفي جواً من الرّهبة والتفخيم.

الشخصيات:

القائد

القاضي

الرّجل الصّالح

الأمير

النّبية

الحاجبة

الحاجب الرّابع

الحاجب الثّالث

الحاجب الثّاني

الحاجب الأول

 

(الأمير يخطو جيئةً وذهاباً بقلق. الصّمت يغزو المكان، ما عدا صوت خطواته وهو يتحدّث مع نفسه)

الأمير: هذهِ النّبية… من تكون؟ وكيفَ تجرؤُ على الظّهورِ بيننا، بقدراتِها وجمالِها الغامض؟ (يتوّقف، وينظر في الفراغ) سرٌّ رهيبٌ وراءَها، لكن… هل في هذا السّرِّ نهايتي؟ ونهايةُ مملكتي؟ أم أنَّ لها هدفاً آخر؟

(يتنهّد بعمق)

الأمير: مهما يكنْ، لابدَّ منَ الحذر. القلقُ لنْ ينفعَ إلا في زيادةِ القلق. أنا في حيرةٍ، ماذا أفعل؟ يجبُ أنْ أعرفَ عنْ هذهِ النّبيةِ كلَّ شيء.

(يقرع جرساً كبيراً بقرب العرش عدة مرات بلا إجابة)

الأمير: أينَ هؤلاء الحمقى؟ مِنَ المفترضِ أنَّ إطلاقَ الجرسِ ينبّهُ الخدمَ إلى أنني بحاجةٍ إلى شيء. (بصوتٍ عال) أيها الحاجب! يا حاجب، حاجب!

(يظهر الحاجب الأوّل، يرتدي ثياباً باللون الأسود والأبيض)

الحاجب الأول: نعمْ، يا مولايَ الأمير، ماذا تريدُ منِّي في هذا الوقتِ الحسّاس؟

الأمير: اذهبْ وأحضِرْ لي القائدَ فورا!

الحاجب الأول: لماذا؟

الأمير: أحتاجُ لرأيهِ في أمرٍ مهم.

الحاجب الأول: القائد؟! هل هو اختيارٌ مناسب؟

الأمير: ماذا؟

الحاجب الأول: أليس من الحكمةِ، يا مولايَ، أن تستشيرَ القاضي أولاً؟ فهوَ أكثرُ علماً بالقوانين… سيخبرُكَ ما هو المسموحُ والممنوعُ فيما يخصُّ النّبيةَ، قبلَ أن تطلبَ من القائدِ التّدخل.

الأمير: (بعصبية) لا أريدُ القاضي الآنَ، قلتُ لكَ أريدُ القائد! هذا أمر!

الحاجب الأول: (بنبرة هادئة) ولكنْ يا مولاي، أعتقدُ أنَّ الرّجلَ الصّالحَ، ذلك الذّي يمتلئُ قلبُهُ بالفضيلةِ، أنسب؟

الأمير: وما شأنُكَ أنت؟

الحاجب الأول: رأيُهُ الحكيمُ قدْ يُهدّئُ من روعِكَ، وقد يُرشدُكَ إلى سبيلٍ مناسبٍ، قبل أن ندخلَ في طرقِ القائدِ العنيفة.

الأمير: عجيبٌ أمرُك!

الحاجب الأول: الحكمةُ تأتي قبلَ السّيفِ، يا مولاي.

الأمير: (يستسلم بعد لحظة من التّردد) حسناً، نادِ الرّجلَ الصّالحَ، لكن ليكن بسرعة.

الحاجب الأول: بعدَ تأملٍ، أرى من الأفضلِ استدعاءَ القاضي. كي يقيسَ الأمورَ بالقانون!

الأمير: طيّب.. استدعِ القاضي!

(يخرج الحاجب الأول ببطء وهو يصيح)

الحاجب الأول: ليدخلِ السّيدُ قاضي الإمارة!

(موسيقى دخول القاضي. يظهر الحاجب الثّاني، مرتدياً الزّيّ نفسه بالأبيض والأسود)

الأمير: إنك لستَ القاضي؟

الحاجب الثّاني: وهل تأخذُ قولَ الحاجبِ السّابقِ كحقيقةٍ مطلقة؟

الأمير: وأنتَ أيضاً… لستَ الحاجبَ الذّي كان هنا للتو! ماذا يحدث؟ أين الحاجب السّابق؟

الحاجب الثّاني: مولايَ الأمير، نحنُ الحُجّابُ لدينا نظامٌ دقيق… نتناوبُ حسبَ مُخطّطٍ زمنيٍّ محكمٍ، والحاجب السّابقُ الآن في راحةٍ مستحقة. لقد جاءَ دوري لأتولى هذا الشّرف.

الأمير: (غاضبا) مُخطّط؟! ومن الذّي وضعَ هذا المُخطّط؟ ولماذا لم يتمَّ استشارتي بشأنِ المُخطّط؟ أليس من حقي أن أعرفَ المُخطّط؟

الحاجب الثّاني: يا مولاي، نحنُ نسعى دائماً إلى راحتِكم، وهذا النّظامُ جزءٌ من خدماتِنا المتفانية… فلا داعيَ للقلقِ، كلُّ شيءٍ يسيرُ حسبَ المُخطّط!

(الأمير ينظر إليه بامتعاض، ثمّ يتحسّر)

الأمير: حسناً، هلا استدعيتم الرّجلَ الصّالحَ كما أمرت؟

الحاجب الثّاني: لقد رأيتُ منَ الحكمةِ تأجيلَ ظهورِ الرّجلِ الصّالحِ إلى المشهدِ الرّابعِ، وليس الآن. حالياً، السّيدُ القاضي هو الأنسبُ لتقديمِ حكمتِه القانونية.

الأمير: لكنني أمرتُ بإحضارِ الرّجلِ الصّالح! أليسَ لي القرارُ في ذلك؟

الحاجب الثّاني: رؤيتي تختلفُ عن رؤيةِ الحاجبِ الأوّلِ، يا مولاي. الحُجّابُ لديهم طُرُقُهم الخاصةُ لضمانِ أن تتوالى المَشاهدُ بترتيبٍ تصاعديٍّ يناسبُ مقامَكم. اطمئنَّ، كلُّ شيءٍ تحت السّيطرة.

(قبل أن يتمّكن الأمير من الرّدّ، يُسمع صوت أبواق احتفالية، تسبق دخول القاضي. ينظر الأمير إلى الباب باهتمام. يدخل الرّجل الصّالح بخطوات هادئة وثقة، ينحني قليلاً، ويبتسم للأمير)

الرّجل الصّالح: (بهدوءٍ ووقار) يجبُ قتلُها، يا مولاي.

الأمير: (مندهشاً) ماذا.. ماذا تقولُ أيها الرّجل الصّالح؟

الرّجل الصّالح: (بهدوءٍ وثقة) إذن، ينبغي مكافأتُها!

الأمير: لكنني لم أخبرْكَ بعدُ عن أيِّ شيء! مَن هذه التّي يجبُ قتلُها أو مكافأتُها؟

الرّجل الصّالح: النّبية، يا مولاي. من غيرُها يجعلُكَ متوّتراً هكذا؟

الأمير: وكيفَ عرفتَ أنني أتحدّثُ عنِ النّبيّة؟

الرّجل الصّالح: يا مولاي، الرّجالُ الصّالحونَ يملكونَ مقدرةً خارقةً على معرفةِ الباطن. لا يكونُ الصّالحُ صالحاً إذا لم يعرفْ بواطنَ الأمورِ وعجائبَ الصّدور.

الأمير: قبلَ أن أنطقَ، أراكَ قد علمتَ ما سوفَ أنطقُ به!

الرّجل الصّالح: بكلِّ تأكيدٍ، يا مولاي. لماذا نحنُ في البلادِ، ألسّنا مرايا الحكمةِ للزّعماءِ، ألسّنا صدى الموافقةِ على الرّغباتِ السّامية؟

الأمير: إذن، ترى أنّ الحلَّ هو مكافأتُها؟ أم قتلُها؟ يبدو أنكَ عالقٌ بين النّقيضين!

الرّجل الصّالح: في الحقيقةِ، يا مولاي، من الوهلةِ الأولى يجبُ أن نقتلَها ونتخلّص. من الوهلةِ الثّانيةِ، يجبُ أن نحميَها ونرتاح. ومن الوهلةِ الثّالثةِ، أنصحُ بتأجيلِ القرارِ إلى حينِ استشارةِ الرّأي القانونيّ. الحكمةُ تستوجبُ التّأنيَ، والقانونُ يجلبُ اليقين.

الأمير: أترى أن نبدأَ بالوهلةِ الأولى أم الثّانيةِ أم الثّالثة؟

الرّجل الصّالح: الثّالثة يا مولاي!

الأمير: حسناً، يبدو أنكَ على حقّ. (ينادي بصوتٍ عال) حاجب! أيها الحاجب!

(يظهر الحاجب الثّالث. يرتدي زياً مشابهاً. يحيي الأمير)

الأمير: (مندهشاً) أنت… أنت آخر!

الحاجب الثّالث: الحاجبُ السّابقُ لحقَ بالحاجبِ الأسبق. وقد أتى دوري. هُم في استراحةٍ حسبَ المُخطّطِ، وأنا هنا لخدمتك…

(مستسلماً، ينظر الأمير إليه بحيرة)

الأمير: الآن وقتُ القاضي؟!

الحاجب الثّالث: لا، القائد!

الأمير: هذا وقتُ القاضي! أما القائد، فلا بدَّ أن يكونَ في النّهايةِ؛ الذّروةُ يجبُ أن تُختتمَ بالقوة.

الحاجب الثّالث: اسمحْ لي مولاي، هذا تفكير… كلاسيكيٌّ للغاية. نحنُ في مسرحِ ما بعدَ الحداثةِ، حيثُ يختلطُ كلُّ شيءٍ بكلِّ شيء. هنا، لا يمكننا التّوّقعُ ولا التّدرجُ، بل يجبُ أن نفاجئَ المُشاهدَ ونتركَه في حالةِ دوارٍ، لا يعرفُ رأسَه منْ قدميه.

الأمير: دوار؟ حسناً، ربما… ربما هناكَ حكمةٌ في هذا الجنون.

الحاجب الثّالث: تماماً، يا مولاي! دعنا نمزجُ الأدوارَ ونخلطُ التّوقعاتِ، فنحنُ لا نسعى إلى المنطقِ، بل إلى الدّهشةِ والارباك!

الأمير: افعلْ ما تراهُ مناسباً…

الحاجب الثّالث: ليتفضلِ السّيدُ القائد…

(تُسمع أصوات أبواق احتفالية في الأرجاء. يدخل القاضي بخطوات واثقة، يحيي الأمير بانحناءة خفيفة، بينما ينظر الأمير إلى الحاجب الثّالث بدهشة)

القاضي: يا مولاي، هذهِ النّبية ليستْ مجرّدَ امرأةٍ جميلةٍ وغامضة… خلفَها أقوى قوّةٍ في العالمِ القويِّ، قوّتُها أقوى منَ القوّةِ نفسِها.. ولذا ينبغي أن نحذرَ منْ قوّتِها كي نتجنبَ غضبَ تلكَ القوّةِ القوية.

الرّجل الصّالح: أحسنت!

الأمير: كأنكَ في قلبي!

القاضي: يا مولاي، القلوبُ سواقي، وما يجري في قلبكَ ساقيةٌ تصلُ إلى قلبي. لقد عرفتُ رغبتكَ لأنني أحسُّ بماءِ السّاقيةِ ينطلقُ من شريانِكَ إلى شرياني!

الرّجل الصّالح: أبدعت!

الأمير: سمعتُ هذا الكلامَ من قبل!

القاضي: مولاي، الأمرُ الجوهريُّ أنَّ أيَّ تعرّضٍ لهذهِ النّبيّةِ؛ قد يوقِعُ في المحظور. بإشارةٍ بسيطةٍ منها تجلبُ علينا الفناء. إنها حسناء لكنَّ وراءَ كلِّ حسنٍ بلاء. منْ خلفَها أقوى الأقوياء، والحيطةُ واجبةٌ في السّراءِ والضّراء.

الرّجل الصّالح: سلمت!

الأمير: ماذا علينا أن نفعل؟ كيفَ نتصرّف؟

القاضي: لا أحدَ يعرفُ القوةَ إلا القائد، فهو الوحيدُ الواحد الذّي يستطيعُ تقديرَ المصاعبِ والمَجالد، وهوَ الفنان في معرفةِ ما يمكنُنا فعلُه في هذا الشّأن.

الرّجل الصّالح: نِعمَ الرّأيُ ما رأيت!

(الأمير يلتفت نحو الحاجب وينادي بصوتٍ عال)

الأمير: حاجب! أحضرِ القائدَ فوراً.

(يظهر الحاجب الرّابع. يرتدي زيّاً مشابهاً لسابقه ويقف ببرود)

الأمير: هذهِ المهزلةُ لا تنتهي! منْ أنت الآن؟

الحاجب الرّابع: مولاي، أنا الحاجبُ الرّابع.

الأمير: ولماذا هذا الإسرافُ في عددِ الحُجّاب؟

الحاجب الرّابع: مِنَ المفترضِ قبلَ أن نستدعيَ القائدَ، أنْ نبدأَ بمنْ يحرسُ مالَ الإمارةِ وميزانيتَها.

الأمير: وزيرُ الخزانة؟

الحاجب: يسمّونَهُ وزيرَ الماليةِ في عرفِ هذهِ الأيام. هو مَنْ يعرفُ إنْ كانتْ خزائنُنا تتحمّلُ ضربةً عسكريةً مِنَ القوّةِ التّي تقفُ خلفَ النّبية.

الأمير: ربما أنت على حقّ…

الرّجل الصّالح: أيُّ حقّ!

القاضي: وزيرُ المالية!

الرّجل الصّالح: هذهِ مسرحيةٌ قصيرةٌ، وليستْ ملحمةً طويلةً بأربعةِ فصولٍ تستمرُّ لثلاثِ ساعات.

القاضي: منْ أينَ تأتي بمؤلفٍ طويلِ النّفسِ في الوقتِ الحاضر؟ أو قارئٍ يتحملُ نصّاً طويلاً؟

الحاجب الرّابع: نجعلُ المَشاهدَ قصيرةً متتابعةً فيغيبُ ضعفها على الجمهور.

القاضي: رحمَ اللّهُ الضّيفَ الخفيفَ على المُستضيف!

الحاجب الرّابع: هلْ أستدعي وزيرَ الإعلامِ كي يؤّكدَ صحةَ معلوماتي؟

الأمير: لا داعي، أكملْ!

الحاجب الرّابع: نستطيعُ الوقوفَ في وجهِ ألفِ نبيةٍ ونبيّة؛ لو كان اقتصادُنا قوياً، وهو ما سنعرفُه حصراً منْ السّيدِ وزيرِ المالية.

القاضي: غيّرتُ رأيي. مولاي، ربما علينا أن نستمعَ للنّصيحةِ ونستدعي وزيرَ المالية. دعونا ننظرُ في الأمرِ بذكاءٍ وروية.

الرّجل الصّالح: (بهمس) الحذرُ واجبٌ، يا مولاي. لنتأكدْ منْ مواقفنا الاقتصادية، فلعلَّ القوّةَ ليستْ وحدَها الحاسمةَ في هذه اللحظةِ المفصلية.

الأمير: حسنا… ليكنْ. اذهبْ واستدعِ وزيرَ المالية.

الحاجب الرّابع: (يتقدم نحو الباب ويرفع صوته عالياً) السّيدُ القائد، تفضلْ بالدخول!

(تُسمعُ أبواق ترحيب، ويظهر القائد، بينما يغلب الاستغراب على الأمير. يدخل القائد بخطوات ثابتة. ينحني للأمير، ثمّ يقف منتظراً بجدية)

القائد: مولاي، تفضلْ… كيفَ أستطيعُ خدمتك؟

الأمير: وكيفَ لا تعرفُ الموضوعَ مسبقاً مثلَ زملائك؟

القائد: أعرفُ ماذا يا سيدي؟

الأمير: أليس لديكَ فكرةٌ عمّا يدورُ حولك؟

القائد: (بهدوءٍ واحترافية) يا مولاي، أنا مختلفٌ عنهم. أنا شخصيةٌ عسكريةٌ ومهنيةٌ، لكنْ… نفوذُ الرّجلِ الصّالحِ وفسادُ القاضي الصّالحِ أقوى منّي ومن جيشي. لذلك، يجبُ أنْ أَظهرَ في المسرحيةِ أقلَّ منهمْ أهميةً، كما يليقُ بمكانتي المتواضعة.

الرّجل الصّالح: بفتوى واحدةٍ، أخلقُ قوةً موازيةً لجيشِكَ الحافي أو أحثُّ جنودَكَ أنفسَهم على التّمرد!

القاضي: أحسنت!

القائد: قطعاتُنا موزعةٌ على جميعِ الأماكنِ ومستعدونَ للتضحية!

القاضي: مهما كانتِ النّزاهةُ ناصعةً، فبتهمةٍ صغيرةٍ يُستبدلُ ثراؤكَ وأبّهتُكَ بقفصٍ صغير!

الرّجل الصّالح: نعمْ، ملفٌّ واحدٌ يكفي!

القاضي: القانونُ، مثلُ البلاستيك، فاحذرْ ليونتَهُ أيها القائد!

القائد: احمْ، احمْ، نحنُ أمرُ مولاي!

الأمير: يا قائد، أخبرني، ما الذّي يخشاهُ الجيشُ اليوم؟

الحاجبة: (تظهر من خلف السّتارة صارخة) يا مولاي!

الأمير: يا ساتر! ومنْ تكونُ هذه؟

الحاجبة: كثرةُ الميليشياتِ في الإمارةِ، سواء كانتْ داخلَ السّلطةِ أو خارجَها، جعلت الجيشَ يخافُ حتى منْ خيالِه. اليوم، أكبرُ الرّتبِ في القواتِ المسلحةِ ترتعدُ أمامَ أصغرِ قاضٍ أو رجلٍ صالحٍ، والموتُ السّريُّ الذّي يقضي على القادةِ هو المصيرُ الوحيدُ لمن يتجرأُ على معارضتِهم.

الأمير: ومنْ أنت؟

الحاجبة: أنا؟ الحاجبةُ الأولى، زوجةُ الحاجبِ الأولِ، يا مولاي! والرِّشوة؟ آه، هي كالهواء… من لا يرتشي لا عقلَ له، ومن يُحبُّ الإمارةَ فلا عقلين له، ومن يفكّرُ بأرضِ الإمارة، فقد جمعَ بين الحمقِ والجنونِ، وأعطاهُما لقباً جديداً!

الأمير: وضعٌ مثاليٌّ فعلاً للحفاظِ على النّظام! ولكنْ… ماذا أفعلُ بشأنِ النّبيّة؟

القائد: (متردداً) في مسألةٍ مثل هذهِ، يا مولاي، أعتقدُ أنَّ عليكَ استشارةَ حكيمِ الإمارة. هذهِ قضيةٌ فكريةٌ أكثرُ من كونِها فنية.

الأمير: يا حاجبة!

الحاجبة: أمرُ مولاي!

الأمير: ليدخلْ حكيمُ الإمارة!

الحاجبة: أعتذرُ عنِ الاستجابةِ لطلبكَ، إلى هنا ينتهي دوري. حسبَ السّكربت، ولكي نوحيَ بهامشيةِ دورِ المرأةِ في التّاريخِ، فلن أظهرَ في مشهدٍ آخر. مع ذلك، سأنادي على الحكيمِ وأنا في طريقي إلى البيت.

(تخرج الحاجبة)

الأمير: إذا كان الوضعُ سيئاً إلى هذا الحدِّ، فلماذا تصمتُ أيها القائد؟

القائد: يا مولاي، الحياةُ مثلُ مسرحيةٍ عجيبةٍ، تمضي في كلِّ اتجاه… فتتيهُ عنها الاتجاهات!

القاضي: (ساخراً) آه، هذا القائد، أنزهُ منَ القطنِ الأبيضِ إذا غمّستَهُ في ماءٍ أحمر!

القائد: طالما أنَّ الجميعَ يظنُّ نفسَهُ ربّانَ السّفينةِ، فسنصطدمُ بجبلٍ بحريٍّ عاجلاً أم آجلاً!

الرّجل الصّالح: كأنني أسمعُ كلاماً عاقلاً الآن؟

القاضي: فلسفةٌ رديئةٌ في مسرحيةٍ رديئة!

الأمير: أينَ الحاجب؟

(تدخل الحاجبة، وفي منتصف الطّريق يسحبها الحاجب الثّالث إلى الخارج ويظهر بالنيابة عنها)

الحاجب الثّالث: تحتَ أمركَ مولاي!

الأمير: أليس منَ المفترضِ أنْ تكون… حاجباً آخر؟

الحاجب الثّالث: يا مولاي، هذا هوَ التّرتيبُ الدّقيقُ، أو ربما ليس هناك ترتيبٌ على الإطلاق. أنا هنا حسبَ ما يفرضُهُ التنظيمُ والاعتباطية.

الأمير: أحضرْ الحكيمَ فوراً.

الحاجب الثّالث: مولاي، النّاسُ لديهم أعمالٌ يجبُ أن يعودوا إليها. لا ينبغي أن تطولَ المسرحيةُ أكثرَ منْ ذلك، وإلا سيهبطُ الإيقاعُ ويفقدُ الحضورُ اهتمامَهمْ.

الرّجل الصّالح: لو كان لدى النّاسِ أدنى فهم، لما حضروا إلى هنا.

الأمير: يا حاجب، استعجلْ لنا وزيرَ المالية. سنرى إنْ كانتْ خزائنُ الإمارةِ قادرةً على التّعاملِ مع كلِّ هذهِ الفوضى.

القاضي: من الأفضلِ استدعاءُ وزيرةِ الثّقافة. مسألةُ النّبيةِ قدْ تكونُ ثقافيةً بالأساس.

الحاجب الثّالث: لِمَ لا نستدعي وزيرةَ الهجرةِ والمهجرين؟ فهي، بالإضافةِ إلى مهاراتِها الوزاريةِ، تتمتعُ بجمالٍ لافت. قدْ تضيفُ لمسةً منَ الرّقةِ إلى هذا المجلسِ الموّقر.

الأمير: منَ الصّعبِ أن أقرّرَ معَ كلِّ هذهِ الآراءِ المتضاربةِ، ولا أدري إنْ قرّرتُ هلْ سينُفذُ قراري أمْ لا!

الحاجب الثّالث: تتفضلُ وزيرةُ الهجرةِ والمهجرين.

(صوت أبواق الترحيب يملأ القاعة. تدخل النّبية، مغطاة بوشاح يخفي ملامحها. تقف بهدوء وصمت)

الأمير: أهلاً بكِ، أيتها النّبية… حضورُكِ هنا يُعيدُ ترتيبَ حياتنا الفوضوية.

الرّجل الصّالح: إننا نسلّمُ أنفسَنا لرؤيتِك البهية.

الأمير: الإمارةُ غارقةٌ بالفسادِ والمطامع الدّستورية.

القائد: جيشنا؟ قويّ… حينَ نرغب. أو داجنٌ، إذا أردنا، حسب الرّغبةِ العُلوية.

القاضي: لا نبتغي سوى أنْ نحتفظَ بسرقاتِنا الأُصولية..

الأمير: من غير أنْ تزعزعي عقيدتَنا الباطنية.

(خلال ذلك، يدخل الحاجب الثّاني بغضب وانفعال)

الحاجب الثّاني: أيتها النّبية، ما الذّي تفعلينهِ هنا الآن؟ أليس مشهدُكِ مقرّراً بعدَ وزيرِ المالية؟ هذا انتهاكٌ للترتيب!

الأمير: مشهدٌ آخر؟!

(يدخل الحاجب الثالث)

الحاجب الثالث: أيها السّادة، المشهدُ القادمُ هو الأخيرُ، والحمدُ لله!

الجميع: الحمدُ لله!

(في هذه اللّحظة، يدخل الحاجب الأول والرّابع معاً. يرقص الحجّاب جميعاً رقصة جهنمية)

الحاجب الأول: المسرحيةُ تحتاجُ إلى الفوضى، يا سادة، لا مكان للثبات. في الفوضى تُكشفُ الحقائق. نتحدّثُ عن الدّولة؟ عن الدّين؟ عن الأدب؟ كلُها أدواتٌ بيدِ القوة!

الحاجب الثّاني: أليس مضحكاً أنْ نسخرَ منَ العدالةِ بتزامنٍ معَ احتياجِنا لها؟ لن ينفعَنا أن نكونَ في الوادي، فالعدالةُ، خدعةٌ لامعةٌ، والأسدُ يُنّظمُ الغابة.

الحاجب الثّالث: نحنُ دمى، بهلواناتٌ، نلعبُ أدواراً مرسومةً تبدو غير مرسومة. كلُّ حديثِنا يُشعرُنا بأهميةٍ زائفة. دائرةٌ لا تنتهي. منْ يجرؤ على كشفِ الحقائق؟

الحاجب الرّابع: نُظهِرُ عيوبَنا كي نُجمّلَ الأكاذيب. إذا كان الحاجب يحجبُ، والأمير يحكمُ، والصالحُ يصلحُ، فلماذا إذنْ هذهِ المسرحية؟

الرّجل الصّالح: كلما كثرت الأسئلةُ اختفت الإجابات. الإجابةُ مغرورةٌ تثقُ بنفسِها. إنها نكتةٌ تنتهي بلا معنى. هلْ حقاً لكلِّ بدايةٍ نهاية؟ وهلْ ينطبقُ ذلكَ على الإله؟

القاضي: ننجزُ الشيءَ العقلاني حينما نلغي العقل. لا تسألوا عن الحريةِ والحقوقِ والواجبِ والانتماءِ والتسامحِ والمشاركة… فالحياةُ بلا أقنعةٍ غيرُ ممكنة.

القائد: ثمّةَ آلاتٌ تُدارُ بخيوطٍ خفية. نرى الخيوطَ ولا نراها. نستمتعُ بحناجرِنا. فالقوةُ ليستْ في الجيوشِ، بل في الأسرار. لكنْ هلْ نعرفُ منْ نحن؟ منْ منحَنا هذهِ الأدوار؟

(صوت انفجار هائل يتلوه صمت كامل)

النبية: (صمتٌ يعبرُ الزّمان، صدمةٌ لا يتوّقعُها انسان، وسطَ سكونٍ يخيّمُ على القاعةِ، وفي لحظةٍ حُبستْ فيها الأنفاسُ ببشاعة، تتحرّكُ النّبية، بأريحية، ترفعُ يدَها اليمنى وكأنها تُقسمُ بالعروةِ الوثقى، كلُّ العيونِ معلّقةٌ عليها، على كلماتِها، على عينيها، غيرَ أنّ الهواءَ يبتلعُ المعنى، ويمازج النوايا بوعورةِ المَبنى، ها هي تشير، الى الكبير والصّغير، وتقتربُ من الأمير، كي تنطقَ بالسرِّ الخطير، وكأنما تقول: “انتهى العبثُ، انتهت الانتظار”، وحانَ موعدُ عقوبةِ الأشرار ومكافأةِ الأخيار، في تلك اللّحظةِ، توّقفَ الزّمنُ وتجمّدت الأيام حينما أوشكت النبية أن تزيحَ اللّثام، عن وجهها بشجاعةٍ ومكر، وتضعَ النّقطةَ الأخيرةَ في نهايةِ هذا السّطر.)

(تنطفئ الأضواء فجأة)

Related Articles

Back to top button