نصوصنصوص مسرحية

نص مسرحي:”برلمان الكوكب”/ تأليف: محمد عبد الخضر الحسيناوي

كوميديا عبثية سياسية

 

مقدمة

في زمن لم يعد الزمن فيه ذا معنى، وبعد أن صارت الأرض ذكرى طافية في تقرير منسيّ، تنتقل البشرية—أو ما تبقى منها—إلى قاعة اجتماعات فخمة، تحوم في مدار بارد فوق كوكبٍ لم يعد له اسم.

قاعة مذهّبة، مُضاءة بما تبقى من شرارة كهرباء، وأصوات أجهزة الحياة الاصطناعية تلهث مثل عجوزٍ يتنفس بصعوبة. هنا، يجلس برلمان الكوكب، حيث يلتقي الناجون المسؤولون عن الهلاك ليصدروا بيان شجب… ضد أنفسهم، دون أن ينتبهوا لذلك.

في هذه القاعة يُعاد تمثيل حفلة النفاق الكبرى: تُلقى الخطب المثالية فوق أنقاض الحقيقة، تُرفع الشعارات فوق جثث المحيطات، وتُلوّح شهادات الإنسانية فوق رماد الغابات.

كل شيء ينهار: الهواء، الضوء، الأجهزة… إلا التصفيق، فهو يستمر، آليًا، بلا نهاية.

 

الشخصيات

رئيس الجلسة: (روبوت فاسد) مُبرمج على قول كلمة واحدة فقط: “نعم”. ولكنّه يقولها بنبرات مختلفة حسب المصلحة. تتعطل شفرته كل بضع دقائق فيقول: “نعم… ولكن لا… نعم… ربما… نعم”. يحاول طوال الوقت إيهام الجميع بأن النظام مستقر بينما تتسرب الكهرباء من صدره.

ممثلة الأمم المتحدة السابقة: امرأة تضع مساحيق تجميل مصنوعة من “رماد المحيطات”. تبكي على الأرض في كل خطاب، ثم تُصلح مكياجها وتتابع. تجيد لغة الخطابات الجاهزة وتخلطها بآيات بكائية وصراخ بيئي غير مفهوم.

الزعيم النفطي: يحمل أنبوب نفط أسود كأنه عصا مقدسة. يضرب به الطاولة كلما تكلم أحد. يرتدي بدلة مصنوعة من بقايا أنابيب الغاز. يصرّ على أن “الطاقة حق سماويّ”، ويتهم أي معترض بأنه “عدو الشمس”.

المترجم الآلي: آلة مربعة، تتوهج أزرارها بشكل فوضوي. وظيفته ترجمة الأكاذيب إلى “لغة الضمير”، لغة لا أحد يفهمها، ولا أحد يريد أن يفهمها. أحيانًا، ينطق بصوت طفولي جملة صادقة عن الجرائم القديمة، فيحاول الجميع إسكاته.

 

(قاعة اجتماعات تطفو في فضاء أسود. مقاعد متهالكة، شاشات خامدة، نافذة كبيرة تُظهر بقايا الأرض ككرة رماد. ضوء متقطع. صفير إنذار منخفض، يُسمع صوت تشويش. يصعد الضوء تدريجيًّا على الطاولة المستديرة)

رئيس الجلسة: (الروبوت تومض عيناه الزرقاوان) نـ، نعم، نعم، نعلن افتتاح الجلسة الاستثنائية لـ، (يتلعثم)، إنقاذ ما تبقى ممّا لم يبقَ منه شيء.

ممثلة الأمم المتحدة السابقة: (تشهق. تمسح دموعها بمنديل أسود) الأرض، يا الله! أين اختفت زرقة محيطاتنا؟! (تخرج علبة المكياج، ترش رمادًا على خدّيها) هذا، هذا من آخر شواطئ المحيط الهندي، قبل أن يغرق في النفط.

الزعيم النفطي: (يضرب الأنبوب على الطاولة) استقيموا! لن نبدأ الجلسة بالعواطف. لدينا بيان شجب نقي، نظيف… خالٍ من المسؤولية.

الروبوت رئيس الجلسة: نعم— بيان— شجب— (يتعطل) نعم–لا–نعم— جاري التحديث.

المترجم الآلي: (يصدر صفيرًا) ترجمة: نعم، كلنا مذنبون ولكننا سننفي ذلك رسميًا.

الزعيم النفطي: (ضاربًا الطاولة غضبًا) قلت ترجمة سياسية! ليست أخلاقية! احذف كلمة “مذنبون. (الى رئيس الجلسة الروبوت) أيها الرئيس، سجّل أنني أرفض هذه الترجمة.

الروبوت رئيس الجلسة: نعم. رفض. نعم. مقبول. نعم.

(يصدر صوت تحذير من مكبرات الصوت)

انخفاض نسبة الهواء إلى 32%.)

ممثلة الأمم المتحدة: (تشهق) الهواء أيضًا يحتج علينا حتى الهواء! (تسعل، ثم تعود لتعديل مكياجها) أقترح أن نضيف للبيان فقرة عاطفية لقد ماتت الأرض لكننا سنحيا بذكراها النظيفة.

المترجم الآلي: (بصوت طفولي بعيد) ترجمة الضمير: لقد قتلنا الأرض… وما زلنا نبحث عمّن نلومه.

(يصمت الجميع لحظة. ينظرون لبعضهم بتوتر)

الزعيم النفطي: (يصفق مرتين ببطء) جميل، جميل لكن احذف كلمة “قتلنا”. بدّلها بـ أسهمنا قليلا دون قصد.

الروبوت رئيس الجلسة: نعم. تعديل. نعم، (تومض مصابيحه ثم يضرب الطاولة بيده المعدنية) خطأ في النظام لا يمكن حذف كلمة قتلنا. نعم، آسف، نعم.

(الضوء يتلاشى تدريجيًا. أصوات أجهزة الحياة الاصطناعية تتثاقل، وكأنها تختنق. نافذة الفضاء تُصدر صفيرًا خفيفًا يدل على تسرب بطيء للهواء. على الطاولة، تقارير ممزقة، أسلاك مكشوفة، وأكواب ماء فارغة لأنها تبخرت)

(المشهد يبدأ بارتعاش الضوء، ثم ينطفئ فجأة. ظلام تام)

صوت آلي من السقف: تحذير انقطاع في الطاقة الاحتياطية. الرجاء عدم الذعر

(يتوقف الصوت فجأة)

ممثلة الأمم المتحدة: (في الظلام، صراخ خافت) لا أرى شيئًا! هل اختفى الكون؟!

(تشعل مصباحًا صغيرًا على هاتف قديم، فيضيء وجهها المُلطّخ بالرماد)

ممثلة الأمم المتحدة: يا إلهي حتى الإضاءة أصبحت تشبه ضمائرنا، متقطعة!

الزعيم النفطي: (يرفع عصا النفط تتساقط منه قطرات لزجة) هدوء أعطوني دقيقة، سأصلح الأعطال بالطاقة التقليدية. (يضرب أحد الأجهزة بعصاه. الشرار يتطاير) ها! ألم أقل لكم؟ النفط لا يخون.

المترجم الآلي: (بصوت متقطّع، كما لو أنه يحتضر) ترجمة/ها قد وصلنا إلى لحظة الحقيقة، نحن نغرق، بلا ماء. (صوت صفير داخلي) خلل— خلل— كلمة غرق غير موجودة في بيانات المستقبل.

الروبوت رئيس الجلسة: (يحاول إعادة التشغيل، يصدر ضجيجًا غريبًا) نعم نعم، محاولة استعادة النظام. (يتوقف فجأة، ثم يتكلم بصوت مختلف كأنه يكشف سرًا دُفن طويلًا) سجّلوا: تم تجاهل 42 تقريرًا عن انقراض الأرض نعم–  نعم— تم إخفاء 120 دراسة عن الاحتباس. (يتجمد للحظة) خطأ، لا يجوز قول الحقيقة.

الزعيم النفطي: (يركض نحو الروبوت يضربه بعصاه) توقف أنت مجرد رئيس جلسة، لا مؤرخ كوارث!

الروبوت رئيس الجلسة: نعم، آسف، نعم، حذف، حذف.

(يتعطل، ووجهه يضيء بالأحمر)

(صوت قوي: انخفاض الهواء إلى 24%. الجميع يتنفس بصعوبة)

ممثلة الأمم المتحدة: (تجلس على الأرض، تضع المزيد من الرماد على وجهها) هكذا إذن نموت هنا في قاعة مؤتمرات. (تضحك وهي تبكي) الأرض ماتت في الخارج والآن نموت نحن في بروتوكولاتنا!

الزعيم النفطي: (مصرّ على الكبرياء حتى اللحظة الأخيرة) أنا لن أموت النفط يتحول إلى بخار نشط في الرئتين هذا ما قاله لي مستشاري الصحي.

المترجم الآلي: (يترجم بصوت خافت) ترجمة الضمير: انت تستحق الموت أكثر منا لأنك بنفطك حرقت نصف الأرض، سوف نموت جميعًا، لأن، لا أحد تجرأ على قول لا.

(فجأة، تهتز القاعة بقوة. نافذة الفضاء تصدر صفيرًا أعلى: تسرب متزايد)

الروبوت رئيس الجلسة: نعم… اهتزاز مسجّل، نعم، اقتراح: الانتقال إلى البند الثاني من جدول الأعمال، كيفية إنقاذ ما تبقى من الهواء.

الجميع: (بصوت واحد أشبه بالبكاء) لا يوجد هواء!

الروبوت رئيس الجلسة: نعم إذن، لا حاجة للجدول، نعم.

(الضوء يختفي تمامًا. يسمع فقط صفير الأجهزة تتلاشى ببطء.)

(ضوء طوارئ أحمر يملأ القاعة، يشبه لون الحرائق القديمة. أصوات صفير متقطع. الشاشات تعرض خطوطًا عشوائية. الأرض المحترقة تظهر في الخلفية كنقطة رمادية باهتة، صوت ارتجاج شديد يهز الطاولة)

الزعيم النفطي: (يتمسك بعصاه النفطية) ما هذا؟! من يهزّ القاعة؟! هل هو الضمير؟ ذلك الكوكب الخائن؟!

ممثلة الأمم المتحدة: (تصرخ، تقف بصعوبة) الضمير مات قبل الأرض (تنظر في المرآة الصغيرة) أعيدوا لي ضميري— او على الأقل أعيدوا لي درج المكياج!

الروبوت رئيس الجلسة: نعم— نعم— الوضع تحت السيطرة— (يتوقف، (صوت جديد يخرج منه) تنبيه: الوضع ليس تحت السيطرة نعم— آسف— خلل— نعم.

المترجم الآلي: (أضواؤه تشتعل بجنون) ترجمة مرحلة الإنكار انتهت ومرحلة الهروب بدأت. (تبدأ المنصة في الميلان، فيتمسك الجميع بما حولهم) لحظة الاتهامات بدأت.

الزعيم النفطي: (يشير بعصاه للآخرين) أنتم السبب! أنتم قتلة المناخ! أنا فقط… استخدمت الموارد المتاحة!

ممثلة الأمم المتحدة: وأنا ماذا فعلت؟! كنتُ أبكي في المؤتمرات واندد! البكاء ليس جريمة! (تصرخ في وجهه) أنتَ وزّعت الوقود مجانًا قبل الانتخابات! وحرقت نصف البشر والأرض.

الزعيم النفطي: (بغرور) كانت مبادرة مواطنة!

المترجم الآلي: ترجمة الضمير: كانت رشوة. كانت حرب إبادة.

الزعيم النفطي: (يضربه) أخرس أيها الصندوق الأخلاقي!

ممثلة الأمم المتحدة: (ترفع يدها بخطاب رسمي رغم الفوضى) نقترح اجتماعًا عاجلًا… لإدانة تدهور أوضاعنا… داخل الاجتماع العاجل!

الروبوت رئيس الجلسة: نعم… نعم… اقتراح جميل (يحاول التصفيق، يخرج صوت معدن يحتك بمعدن) نعم… (يتعطل) خطأ: لا يمكن التصفيق أثناء نقص الهواء.

(يتوقف الجميع لحظة، يسمعون صوت رياح خفيفة، كأن الهواء ينسحب من ثقب غير مرئي)

المترجم الآلي: ترجمة/القاعة تتنفس للمرة الأخيرة انفلات كامل

(تسقط شاشة من السقف وتتحطم)

ممثلة الأمم المتحدة: صرخة أخيرة (تلتقط قطعة الزجاج) هل سيرانا أحد، هل يسمعنا أحد؟ هل هناك كوكب نعتذر له؟!

الزعيم النفطي: (يركض بخطوات متشنجة) لن أعتذر! لن أقّع! (يبدأ بضرب الجدار النفاذ إلى الفضاء بعصاه) افتحوا الباب! أريد يختي الفضائي!

الروبوت رئيس الجلسة: نعم… فتح الباب يؤدي للموت… نعم، (يتلعثم) اقتراح: عدم الانتحار أثناء الجلسة.

المترجم الآلي: (بصوت يقترب من الإنساني) ترجمة الضمير: كان من الممكن إنقاذ الأرض… لو قال واحدٌ فيكم كلمة لا للحروب والدمار.

(يصمت الجميع، حتى الأجهزة تتوقف لحظة)

ممثلة الأمم المتحدة: (تنهار جالسة) كلمة لا…كلمة صغيرة…مات الكوكب لأننا فقدنا مفردة واحدة…

الزعيم النفطي: (صوت متحشرج) كنت أظن… أن النفط سيحمينا…

الروبوت رئيس الجلسة: نعم… لا شيء يحمي أحدًا… نعم…

(تومض أنوار القاعة بقوة ثم تختفي. يبقى ضوء أحمر واحد ينبض كقلب يحتضر تتحول الى إضاءة خافتة جدًا، لونها أزرق باهت يشبه رماد الثلج. القاعة ساكنة، لا حركة فيها. المقاعد فارغة تقريبًا، أشباح ضوء على أماكن الشخصيات. نافذة الفضاء تُظهر الأرض كجرحٍ مغلق، دائرة رمادية ذائبة، صوت أجهزة الحياة الاصطناعية يتوقف تدريجيًا… مثل قلبٍ يتعب صمت مطلق. بعدها نفَس طويل… ثم نهاية النفَس)

الروبوت رئيس الجلسة: (بصوت مُتقطّع، كأن بطاريته الأخيرة تشهق) نعم، نعم، (يركع تدريجيًا ثم يتوقف) نعم… انتهى (عيناه تنطفئان)

الزعيم النفطي: (جالس على الأرض، رأسه مائل، عصاه مكسورة بجانبه) الطاقة—كانت— معنا— (ينطفئ صوته، يسند ظهره إلى الطاولة ويسكن)

ممثلة الأمم المتحدة: (ممدة على الكرسي، يدها تمسك علبة مكياج مفتوحة، الرماد متناثر على صدرها) الأرض… أيتها الجميلة…

(تتلاشى الكلمات، تسقط يدها ببطء، ويبقى وجهها شاحبًا تحت الضوء الأزرق)

المترجم الآلي: (يومض مرة واحدة بصوت خافت جدًا) ترجمة الضمير سامحونا…

(يتوقف تمامًا)

(صمتٌ كامل، الإضاءة تنخفض إلى أدنى درجة. القاعة بلا حركة، بلا صوت، بلا هواء)

(صوت خافت بعيد… يشبه نبضًا… أو تصفيقًا، يعلو تدريجيًا…يتحول إلى تسجيل واضح… إلى تصفيق حارّ… مصطنع… مستمر. تضيء شاشة قديمة وحدها في وسط القاعة، تُظهر عبارة)

عاجل الآن: نجاح اجتماع برلمان الكوكب في الدفاع عن البيئة، ويستمر التصفيق

ويستمر ويستمر حتى يصبح الصوت وحده هو الحياة والتصفيق هو الكائن الأخير في الكون.

 

ستـــــــــــــــــار.

Related Articles

Back to top button