الجسد بوصفه صورة وفكرة/ د. فاضل الجاف

من الواضح أن العلوم الإنسانية، مثل علم النفس والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، ما زالت تواصل عملها في فك شيفرات أجسادنا، بل تكشف عن مزيد من أسرارها الخفية. لكن هناك جانبًا آخر من هذه المسألة، وهو جانب صعب ومعقد، بقي على مدى التاريخ الفلسفي موضوعًا غامضًا ولم نتلقَّ إجابة واضحة وحاسمة بشأنه، وهو الجانب المتعلق بالروح؛ ذلك الجانب الخارج عن حدود العالم الفيزيائي، المرتبط بالميتافيزيقا، والذي يمتد إلى تصوراتنا وتأملاتنا بشأن الكون والعالم وموقع الحياة فيه. ومن الطبيعي أن يكون الدين جزءًا أساسيًا من هذه التأملات.
حقيقة أخرى تتعلق بهذا المجال، وهي أن الفلسفة الجسدية لم تكن في كثير من الأحيان ذات موضع مركزي في تاريخ الفكر الفلسفي، ولم تحظَ بنفس الأهمية التي منحت للفكر المجرد والروحي في تأملات الفلاسفة والمفكرين. صحيح أن الجسد كان حاضرًا في الأسئلة الفلسفية، لكنني لا أعتقد أن الفلاسفة والمفكرين منحوه ذلك الاهتمام المكثف الذي منحوه للفكر المجرد والميتافيزيقي.
ولهذا، يرى معظم المختصين في دراسات الجسد أن الجسد كان موضوعًا مهمشًا أو مسكوتًا عنه في الفلسفة عبر العصور، وغالبًا ما ساد حوله الصمت والإهمال. وهناك أسباب كثيرة لهذا التجاهل، من أبرزها البعد الديني والنظرة الروحية إلى الجسد، التي كثيرًا ما حرمته أو جعلته من المحرمات، وفرضت عليه حدودًا وأطرًا صارمة للسيطرة عليه. والدليل على ذلك أن الفلسفة الكلاسيكية، منذ العصر اليوناني، لم تكرس اهتمامًا كبيرًا بالجسد، بل ذهب بعض المفكرين إلى حد التشكيك في الموقف الفلسفي الكلاسيكي من الجسد، كما فعل نيتشه حينما وصف الفلسفة الكلاسيكية بأنها “نكبة الفلسفة في علاقتها بالجسد”.
في القرن العشرين، وبعد أفكار وتأملات ميرلو-بونتي وجان بول سارتر حول “تحرير الذات” و”حضور الجسد الحر” و”الوعي الحر” وأهمية الحفاظ على حرية الجسد، بدأنا نلمس نوعًا من الوعي الجاد بهذه المسألة، ومع ذلك، ما زال المفكرون المعاصرون يرون أن دور الجسد وتأثيره ما زال بحاجة إلى مزيد من التعمق والدراسة، وأن الفلسفة لم تعد قادرة على تجاهل ما كشفته العلوم، فهي مدعوة اليوم إلى الغوص في أعماق الجسد، لفهم بنيته وتحولاته، وفتح أسئلة جديدة حول معناه.
وعلى الرغم من تنوع واختلاف الآراء في هذا المجال، فإننا إن انطلقنا من مرحلة ما بعد ديكارت وتوسّعنا نحو أفكار ميرلو-بونتي، يمكننا القول إن الفلسفة الحديثة قد بدأت تولي أهمية ملموسة لمسألة الجسد، خصوصًا مع تطور الفينومينولوجيا (الظاهراتية)، وتحديدًا لدى كل من هايدغر وهوسرل.
منذ بداية وجوده، ارتبط الإنسان بجسده. في البداية، ينظر إلى جسده، ثم يرسمه، ثم يرسم جسد إنسان آخر على جدران الكهوف وعلى الحجارة والصخور، ثم يرسم أجساد الحيوانات والكائنات الأخرى. وكان الهدف من هذه الرسوم هو تأسيس تصور رمزي عن العالم المحيط به ومحاولة فهمه. ولكن عملية الفهم عبر التجسيد البصري ربما دفعته لاحقًا إلى رسم جسده بنفسه، أن يُشكّل صورته الجسدية بذاته. وهذا يُعد المرحلة الأولى في تجسيد الجسد داخل عالم الخلق الفني، قبل أن يدخل هذا العالم عبر الفلسفة والفكر والعلوم الإنسانية.
وهكذا، ظهرت في بعض الأحيان أجساد هجينة تم تركيبها من عناصر متعددة، مثل جسد طائر ذي جناحين ورأس إنسان. وإذا ما اعتبرنا هذه المحاولات من أولى خطوات الإنسان لفهم الجسد، سواء عبر فن الرسم أو النحت أو حتى عبر الرقص والعرض المسرحي، فسنجد أنها كانت في كل حال وسيلة بارزة لتجسيد الشكل والوجه الجسدي.
لاحقًا، يمكننا القول إن الطب كان من أوائل العلوم التي أولت اهتمامًا خاصًا بالجسد. فقد سعى الإنسان من خلاله إلى كشف أسرار الجسد الغامضة والوصول إلى العالم الداخلي، إلى بنية الجسد الداخلية، إلى ما تحت الجلد والعظم والعضلات. وهذا ما يحققه لنا اليوم العلم المعاصر بوضوح ودقة، متكئًا على جهود الأطباء الأوائل الذين سعوا في ظل الإمكانيات البدائية لتلك العصور، إلى اكتشاف أسرار الجسد الداخلي، بلغة الحركة والإشارة والتوصيف الفيزيائي.



