هندسة الوعي الناعم للذات الموهومة/ د. عماد هادي الخفاجي

في عالمٍ غارق في الاتصال المستمر لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للعرض والتبادل بل أصبحت نظاماً كونياً موازياً يعيد تشكيل وعينا دون أن نشعر، وهذا يعني بأننا لا نعيش على الهامش الرقمي بل في قلبه والآلة لم تعد تستجيب لما نريده نحن فقط بل تُملي علينا ما نظن أننا نريده، وبذلك فالخوارزميات تتسلل وهي العقول الخفية المدبرة لهذا النظام إلى تفاصيل يومنا بمنهجية فائقة التنظيم فتجمع بياناتنا الصغيرة على ما نضغط عليه وما نتجاوزه وكم ثانية نتوقف أمام صورة ما وما نحب ومن نتابع ومتى نُسجل دخولنا وما الذي نكتبه أو نحذفه قبل النشر، كل تلك التفاصيل تُبنى منها نماذج معرفية وسلوكية عنا تُخزَن وتُحلل لتتخذ قرارات باسمنا. وعليه يمكننا القول بان هذه الخوارزميات لا تراقب فقط بل تتعلم وتتحول إلى أدوات توجيه ناعمة تدفعنا نحو سلوك معين دون أن تفرضه، فهي لا تقول لك ماذا تفعل بل تعرض عليك ما تود فعله أو ما قد تظنه اختيارك، وبالتالي فإنها تبني نسخة رقمية منك ثم تبتكر لها حياة رقمية تريدك أن تتبعها، وما يضاعف خطورة هذا، ان التنبؤ السلوكي هنا لا يتوقف عند التسويق التجاري بل يتسلل إلى الذوق والتفكير وتكوين القناعات فتكرار المحتوى الموجه يصنع نوعاً من (تطبيع الذهن) حيث يصبح ما يُعرض عليك جزءاً مما تظنه طبيعياً ومقبولاً وربما صحيحاً وحين يُكرر ما تراه ويتسق مع توقعاتك تنمو الثقة بالمنصة ويبدأ الوعي بالتآكل من حيث لا تدري، وهذا لا يعني بأن ذلك مؤامرة بل نظام معقد من العلاقات بين البيانات والخوارزميات والإعلانات والمصالح وكلما تفاعلت أكثر، تعمقت بصمت سلطة هذه الأنظمة عليك فالمحتوى الذي يُعرض لك ليس حيادياً بل منتقى خصيصا لك لتبقى أطول وتتفاعل أكثر وتُسهم في مزيد من البيانات وفي لحظة ما تبدأ الآلة في التأثير على خياراتك المعيشية فتدفعك الى مواجهة اسئلة حادة، من تصدق؟ وما الذي يثير انتباهك؟ ومن تعتبره قدوة؟ وما الذي يجب أن تخشاه أو ترفضه؟….. الخ ليصبح وعيك اليومي مستمداً لا من حريتك الكاملة بل من ترشيحات تكررت بما يكفي حتى بدت لك جزءاً من وعيك وكل ذلك يجري بلا صراخ ولا قسر بل بلغة الاقتراح والراحة والانسياب، وهنا تحديدا يكمن الخطر الحقيقي ليس في وجود الخوارزميات بل في انسحابنا التدريجي من موقع المبادرة إلى موقع التلقي اي من أن نكون فاعلين إلى أن نصبح مفعولاً بهم وما لم ننتبه إلى هذه التحولات الناعمة فإن وعينا لن يكون نتيجة لخبرتنا الذاتية بل امتدادا مبرمجاً لما يُعرض علينا.




