لماذا نكتب عن الطفل والمسرح؟ / حيدر كاطع المرشدي

قد يبدو الحديث عن الطفل والمسرح وكأننا نجمع بين طرفين متباعدين في الشكل متقاربين في الجوهر الطفل رمز البراءة والبدايات والمسرح مرآة المجتمعات وفضاء التعبير العميق ولكن حين نتمعن نجد أن هذه العلاقة أعمق مما توحي به المفردات فالمسرح ليس ترفاً فكرياً بالنسبة للطفل بل هو أحد أهم وسائل بناءه النفسي والاجتماعي والخيالي والكتابة عنهما معاً ليست مجرد التزام أدبي بل هي مسؤولية معرفية وفكرية وتربوية تجاه الجيل الذي سيحمل الغد على كتفيه.
الطفولة سؤال الإنسانية الدائم
الطفل ليس كائناً صغيراً ينتظر أن يكبر فحسب بل هو إنسان مكتمل بتجربته مشاعره وأحلامه التي لا يمكن التقليل من شأنها. هو بداية الحياة مرآة الصدق وصوت الوجود النقي قبل أن يتلوث بالتصنيفات والتوقعات، لذا فإن الكتابة عن الطفل ليست مجرد كتابة موجهة إلى كائن ضعيف بل هي كتابة إلى الإنسان في أنقى صوره.
حين نكتب عن الطفل فإننا في حقيقة الأمر نعيد النظر في الأسس الأولى للوعي للخيال وللتعلم، ونحن حين نكتب عنه في سياق المسرح فإننا نضعه في فضاء تعبيري حي يسمح له لا فقط أن يتلقى بل أن يشارك أن يسأل أن يجرب أن يخطئ ويتعلم.
المسرح الفن الذي يرى ويسمع ويتنفس
المسرح ليس مجرد حكاية تروى على الخشبة بل هو فعل إنساني مقاوم حميم وحي إنه الفن الوحيد الذي يجمع كل الفنون ويعيش في اللحظة ويستدعي الجمهور ليكون جزءاً من التفاعل. ولأن الطفل هو أكثر الكائنات تفاعلاً وانجذاباً لكل ما هو حي وملموس فإن المسرح يمثل له أداة فهم للعالم ونافذة على الذات والآخر.
نحن لا نكتب عن المسرح كما يكتب عن فن ترفيهي بل كما يكتب عن وسيلة لتشكيل الوعي والذائقة خصوصاً حين يتعلّق الأمر بالطفل، لأن الطفل حين يدخل المسرح فإنه لا يشاهد فقط بل يخلق يتخيل يتأمل ويكتشف وهنا تكمل الخطورة والجمال معاً.
لماذا نكتب؟
نكتب لأننا نؤمن بأن الطفل لا يخاطب بلغة مبسطة وساذجة بل بلغة صادقة ونكتب لأن المسرح ليس مجرد خشبة بل هو حياة الطفل لا يحتاج إلى تعليم مباشر بل إلى تجربة تغنيه وتثريه وتحفز خياله، والمسرح يفعل كل ذلك نكتب لأننا نؤمن بأن المسرح للطفل ليس فقط مكاناً للضحك بل أداة لاكتشاف الجمال الأسئلة والحيرة.
إن الطفل حين يرى مسرحية جيدة فإنها قد تظل في ذاكرته لسنوات لا يتذكر تفاصيلها فقط بل يستدعي أثرها العاطفي والفكري والمسرح الجيد لا ينسى لأنه لا يخاطب العقل وحده بل القلب أيضاً.
الكتابة بوصفها فعل بناء
الكتابة عن الطفل والمسرح ليست مجرد اختيار لغوي أو فني بل هي مشروع ثقافي ومعرفي طويل النفس هي محاولة لترميم ما تهدمه السياسات والمؤسسات والأنظمة التي أهملت الطفولة كأولوية وهي أيضاً محاولة لتحرير الطفل من التلقين والجمود عبر إدخاله في عوالم تمكنه من أن يكون شريكاً في الفعل الجمالي.
الكتابة عن الطفل لا تعني أن نكتب له حكايات لطيفة بل أن نمنحه أدوات لفهم العالم دون أن نخدش روحه أن نمنحه القدرة على التساؤل دون أن نحبطه بالإجابات الجاهزة أن نترك له فسحة الحلم وسط ضجيج الواقع.
المسرح وسؤال الهوية
من أخطر ما يتعرض له الطفل في مجتمعاتنا هو فشلنا في ربطه بهويته الثقافية بشكل إبداعي نعلّمه التقاليد لكن لا نمنحه فهماً حقيقياً لجمالياتها نكرر على مسامعه القصص دون أن نفتح له أبواباً للتفكير فيها وهنا يأتي المسرح كأداة سحرية لاستعادة الجسر بين الطفل وهويته.
عبر المسرح يمكننا إعادة تقديم الحكايات الشعبية الأساطير والأمثال ليس بوصفها تراثاً جافاً بل كجزء من نسيج حي يعاد توليده والمسرح يمنح الطفل الشعور بالانتماء ويتيح له أن يرى نفسه في حكاياته أن يكون البطل لا المتفرج.
التعليم المسرحي الحاجة التي لم تلب بعد
إن أحد أكبر التحديات التي نواجهها في الوطن العربي هو غياب تعليم مسرحي حقيقي موجه للطفل سواء في المدارس أو في الفضاءات الثقافية. وهنا نحتاج إلى الكتابة ليس فقط عن المسرح بل من داخل المسرح أن ننتج نصوصاً لا تدرس فحسب بل تمارس وتناقش وتختبر نحتاج إلى مدارس مسرحية للأطفال وإلى مهرجانات وإلى دعم حقيقي من المؤسسات الثقافية والتربوية.
الخيال بوصفه أداة مقاومة
المسرح يمنح الطفل القدرة على الخيال والخيال ليس ترفاً هو المقاومة الأكثر رهافة في وجه القبح الطفل حين يتخيل عالماً أجمل. يصبح أقدر على تحمل واقعه وربما تغييره والمسرح ليس فقط مرآة للواقع بل أداة لتحريكه لتجاوزه.
الكتابة عن المسرح الموجه للطفل هي دعوة إلى بناء خيال جماعي إلى إعادة ترتيب القيم إلى صياغة لغة لا تلغي الصدق ولا تخاف من الأسئلة الكبيرة هي دعوة لتعليم الطفل كيف يرىلا ماذا يرى فقط.
من المسؤول؟
الكاتب؟ المخرج؟ المؤسسة التربوية؟ وزارة الثقافة؟ الجواب هو: الجميع لأن الطفل ليس شأناً فردياً هو مشروع مجتمع فإذا كتبنا له نصوصاً عظيمة ولم يسمح بعرضها ضاعت وإذا أُنتجت عروض سطحية ومررت بدعوى الترفيه تضرر وإذا ترك الطفل للمحتوى العشوائي تحول المسرح من أداة تنوير إلى مجرد ديكور.
نكتب عن الطفل والمسرح لأننا نعد بالحياة نعد بالحلم وبأن الفن يمكنه أن يعيد تشكيل إنسان أكثر وعياً أكثر رهافة وأكثر قوة لأننا نؤمن أن الطفولة ليست مرحلة بل جوهر والمسرح ليس منصة بل رسالة.
طفل على المسرح ومسرح بلا طفولة
على خشبة المسرح تجلس الطفلة فاطمة البريئة مرتدية زيآ ملونآ تردد كلمات حفظتها عن ظهر قلب بلا فهم حقيقي لما تقول في الخلفية يصفق الكبار والآباء بفرح لكن هل سمع أحد صوتها الداخلي؟ هل لاحظ أحد خوفها ارتباكها أو حتى أحلامها التي لم تمنح فرصة الظهور؟
في كثير من عروضنا المسرحية لا ينظر إلى الطفل إلا كجسم يتحرك أو صورة جميلة في المشهد تغيب طفولته الحقيقية وتمحى شخصيته تحت ضغط أدوار قد تجهد أكثر مما تلهم وتوقعات لا تلين، الطفل يتحول إلى أداة لا فاعلًا حقيقيآ ولا مشاركًا يشعر بكونه كائنآ حيآ له حق التعبير والابتكار.
مررت بتجارب عدة وشاهدت أطفالًا يحملون في عيونهم الكثير من الأمل وفي صدورهم الكثير من الحيرة بينما يطلب منهم أداء أدوار لا تترك مساحة لذاتهم الحقيقية. وفي الوقت نفسه شهدتُ مشاريع مسرحية تجسد طفولة متجددة حيث يترك المجال للطفل ليخلق ويبتكر ويعبر عن ذاته بصدق بعيدآ عن القوالب الجامدة.
هذا الكتاب هو انعكاس لتلك الحقيقة المؤلمة وأيضآ أمل متجدد بأن نعيد للطفل مكانته الإنسانية الحقيقية على المسرح.
سنتوقف معآ لنفهم كيف نكتب له كيف نخرج له وكيف نسمح له بأن يكون هو لا مجرد صورة مثالية أو ديكور صامت. طفل على المسرح ومسرح بلا طفولة ليس مجرد عنوان بل هو وصف لوضع يشكل تحديآ يحتاج إلى تغيير جذري. لذلك أدعو كل من يعمل في المسرح كل من يؤمن بقوة الطفولة إلى قراءة هذه الصفحات بعين الحقيقة وفتح قلوبهم أمام صوت الطفل الحقيقي ذاك الصوت الذي طالما غيب.
في النهاية نحن لا نكتب فقط عن الطفل والمسرح بل نكتب عنا عن ما نرجوه من هذا العالم نكتب لأننا نريد أن يضحك الطفل من قلبه وأن يبكي حين يحتاج. وأن يسأل دون خوف وأن يجد في المسرح بيتاً آمناً لخياله نكتب لأن المسرح هو الطفل الذي لم يكبر فينا بعد.



