عتمة الروح في ” قمر احمر ” / محمد محسن السيد

” اذا فسدت الذائقة فسدت الروح”. ( سيمونيدس)
“والروح ماتحمل هظم ترفة” مقطع من اغنية عراقية مشهورة.
“هكذا ينتهي العالم
لابرجة عنيفة
بل بنواح خافت” (ت.س.اليوت)
قبل ايام قلائل وبالتحديد في يوم 2025/4/23 حضرت عرضا مسرحياً بعنوان ” قمر احمر” تأليف: جميل الرجا واخراج: علي عادل السعيدي وتمثيل: همسة علي. وعلى خشبة مسرح الرشيد، وتجمعت في الذهن مجموعة من الملاحظات الفنية بخصوص العرض ارتاينا تدوينها تعميماً للفائدة.

عتبة العنوان:
مقدمــة:
تعد اللغة وسيلة مهمة للتواصل والتفاعل، واي نص ادبي لابد ان يحقق نوعا من التفاعل القائم على رسالة مرسلة من المبدع الى الملتقي، وهذه الرسالة تتضمن من الشفرات ما يعين على تفكيك النص وتحليله. وعليه فالنص الادبي الابداعي نص له خصوصيته التي تمنحة تميزا عن غيره من النصوص، اما العنوان فأنه يمثل، كما هو معروف. هوية النص لحضوره المتميز، فهو من المصاحبات المهمة في تحقيق فعل التواصل واستمراره. والوقوف على شبكة من الدلالات التي ستنعكس في مجملها على مقصدية الكاتب في النص. فالعنوان بوصفة ايقونة لفظية تشويقية، يعد واحد من اهم العتبات التي تواجه القارئ، وتغريه في الولوج الى داخل النص المركزي. فهو بمثابة جسر بين المبدع والملتقي، لذا فإن اول ما يواجهنا في اي نص هي عتبة العنوان، لانها تكون بمثابة المفتاح للنص، ففي مسرحية (قمر احمر) حيث النص يصنع موضوعه من الدال اللساني (قمر احمر)
ومايحمله من دلالات وايحاءات وينبني عليه، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا: ماهي دلالة (احمر) في عتبة العنوان؟! الامر الذي يفرض علينا ان نحلل دلالة هذا اللون ونقف عندها، ليتيسر لنا المراد من هذا التسمية ؟.
من المعلوم ان دلالة الاحمر، متعددة منها: الدم، والقتل، والرعب، وهو من الالون الاساسية مع الازرق والاصفر والتي تسمى ايضا بالوان الكروماتيك، وهي اصل الالوان الصافية الاخرى التي لا يمكن استخراجها من اصباغ اخرى. والثابت هنا ان الالوان كما هو معلوم . نظام من الاشارات قائم على اساس العلاقة بين الدال والمدلول، وهي كدوال للتعبير عن مدلدلات المضامين وكشف مكنوناتها.
ولاننسى ايضا ان هناك حالة من العلاقة بين اللون وبنية اللغة، فكلاهما يعتمدان على نظام الاشارات، وهذا ما يسهل عملية فهم ماهية علاقة اللون بالمضمون. وعليه فدلالة الاحمر هنا متناغمة مع ماجاء به العرض المسرحي ومتماهية فيه فالجو العام للعرض يدور مدار مفردات هذا اللون من الخوف، والرعب، والدم، وخوف القتل والتي شكلت روح العرض بشكل واضح وجلي.

منظومة النص :
اشتغل النص على ابراز مفردات عدة منها: الخوف، الرعب، وخوف القتال والخوف من الاخر كما بينا في اعلاه. وجاءت عتبة العنوان مترجمة لاشتغالات النص في منظوماته الفنية المتعددة البصرية والفنية على حد سواء. فقد جاءت متناغمة مع عتبة عنوانه.
وبالرجوع الى عتبة العنوان والتي قلنا عنها انها بمثابة المفتاح للنص، اذ من خلالها يلج القارئ الى عالم النص ويتفحص مغاليقه، كونها. -اي العتبة – تمثل شبكة دلالية تقوم على اثارة انتباه القارئ وتغرية للولوج الى متن النص للكشف عن شفرات النص، واشتغالات النص على مستوى البناء.
والفكرة، والتي تتشكل من مستويات عديدة منها: المستوى التركيبي والمستوى الجمالي، والمستوى الدلالي. فعلى المستوى التركيبي للعنوان (قمر احمر) وصياغها النحوية المستندة الى جملة اسمية متكونة من مسند (مبتدا) ومسند اليه (خبر) . وعلى المستوى الدلالي فإن العنوان يوحي الى استحضار المكان. وهو في العرض يمثل المقبرة. بوصفه فضاء العرض والتركيز عليه، لا من حيث المكان فحسب، وانما من حيث الاحداث والشخصيات والصراع القائم فيما بينهما. اما على المستوى الجمالي فلا ننسى ما للسينوغرافيا من دور مؤثر و فعال على مستوى الاداء والاحداث، وعليه فقد بينّ لنا النص علاقة هذه الاشياء بالشابة، وما يحيط بها من فضاء يتحد فيه الزمان والمكان. وقد اشتغل النص على ثنايات متعددة الداخل /الخارج، ) الامل/ (اليأس) الحب/ الكره.
وكذا نتمنى على كاتب النص ان يعمق الخطاب الشعبي، ليعطي للعرض دفقا دراميا اضافيا من مثل توظيف اغنية سبعينية معروفة جاء في بعضها “والروح ما تحمل هضم ترفة” وهي من اداء الفنان الراحل ستار جبار ونيسة، والاشتغال على كلمة (هضم) وتعددية دلالاتها: هضم سياسي، هضم ثقافي، هضم اجتماعي…..الخ، وكلها تجمعها كلمة مزيف وغير حقيقي وبلغة الواقع اليومي (دمج).
منظومة الاخراج:

اشتغل المخرج الشاب على نظام عرض دلالي مؤكدا على صورة العلامة المسرحية التي تتميز بأنها: متفاعلة مع بعضها، ومتوالدة، ومتحولة.
غير جامدة (استاتيكية) فبحسب (بيرس) الذي يقسم انواع العلامات الى:
الايقونة والاشارة والرمز وما يهمنا هنا هو القسم الاخير الرمز واشتغالاته في العرض المسرحي على وجه الدقة حيث قسم الرمز الى نوعين: هابط وهو التقليدي والمعتاد. كالكرسي دلالة على السلطة والحمامة دلالة على السلام والصاعد وهو المبتكر والذي يحمل دلالات عدة ومنفتح على مستوى التأويل، فدلالة (المصطبة) كانت رمزا صاعدا بانفتاحه على دلالات غير تقليدية.
اضافة الى دلالته المعروفة، فهو ثارة تابوت واخرى قبر وثالثه سرير…الخ وهكذا في بقيه العلامات، ولا ننسى مشهد المثقف هنا والمفارقة الدرامية التي ابتنت على السخرية والتهكم من خلال العبارة التي خطت على الاداة الاكسسوارية (الميز) والتعليقات اللاذعة للممثلة على بعض الكتب والتعريف بها من مثل التشاؤم والامل.
ومشهد السكران وتداعياته واسقاطاته اللاذعة والمتسمة ببعض الكوميديا السوداء. ولايفوتنا هنا المشهد الختامي للام وهي ترثي ابنها ومن ثم الانفتاح على الشهداء خاصة ضحايا فاجعة الكرادة.
منظومة التمثيل والسنوغرافيا:
جاءت منظومة التمثيل منسجمة تماما مع باقي عناصر العرض المسرحي واللافت للانتباه في هذا الامر هو الممثلة الشابة التي ارتكز عليها العرض بشكل اساسي كونها من جنس (الموندراما) الامر الذي يوجب توفر ممثل قادر على اقناع الجمهور بما توافر عليه من حضور مميز واشتغالاته عبر تشخيص اكثر من شخصية، لتكون تجربتها هذه محاولة تأصيل وايجاد فنانة واعدة يمكن ان يكون لها مستقبل فني يؤهلها و يضعها في قادم الايام لتكون من فرسان المونودراما القادمين بقوة حيث امتازت بمستوى ادائي جيد على مستوى الجسد والصوت سيما وهي تمتلك صوتا جميلاً جذاباً بالامكان الاستفادة منه واستثماره في تقديم اعمال فنية متميزة.

اما بخصوص السينوغرافيا فقد بدءات معبرة جدا لما جاء به النص ولاننسى ايضا اشتغالات الاضاءة وتوفرها على خلق جو عام مؤثر جاء متناغما في خلق الايحاء المطلوب للعرض ورغم لمسته المحدودة فقد جاء حضور المؤثرات الصوتية والموسيقية متناسبا مع ما جاء به العرض، لتأتي مكملات العرض متناغمة ومنسجمة فيما بينها ومكملة بعضها للبعض الاخر.
واخيرا شكرا لطاقم مسرحية “قمر احمر” بروحه الشبابية الوقادة التي ما برحت شعلة وهاجة تنير عتمة ايامنا وسوداوية واقعنا المرير منطلقين من مقولة الخالد ابسن “الشباب هم الخلاص” كما جاءت في احدى مسرحياته.
* محمد محسن السيد / مدير المركز العراقي للمونودراما.



