مقالات

قراءة فلسفية-نفسية في عرض “قصة الرشيق” – تأليف د. حبيب ظاهر، إخراج الطالب سجاد سعد/ سجاد عبد ناصر

كتجربة تُمثل تقاطعًا دقيقًا بين الإبداع الفني والفعل التربوي. هذا العرض، الموجّه لذائقة الطفولة الدقيقة، لا يُخاطب الطفل بوصفه متلقيًا ساذجًا، بل بوصفه كائنًا إدراكيًا فاعلًا، قادراً على التلقي النقدي والانخراط في بناء المعنى، وذلك عبر تنشيط آليات الخيال الإبداعي والتماهي الرمزي.

التكوين السيميائي للشخصيات:

ارتكز العرض على ثلاث شخصيات: المهرج، الأم، وشخصية تكميلية، لكن الشخصية المحورية تمثّلت في “المهرج”، لا كقناع كاريكاتوري، بل كجسد تعبيري حيّ مشبع بالرموز. لقد تحوّل المهرج إلى أداة سيميائية مرئية، تنقل رسائل التنشئة النفسية دون اللجوء إلى المباشرة، موظفًا اللعب الدرامي كوسيط لغوي غير منطوق. المهرج في “قصة الرشيق” لم يكن فقط مؤدّيًا، بل وجودًا دراميًا متعدد الطبقات، يستدرج الطفل إلى منطقة من الإدراك الرمزي النشط.

الارتجال وتحطيم الجدار الرابع: حضور اللحظة ودهشة الطفولة

الحدث المفصلي الذي قلب المعادلة الدرامية تمثّل في صعود طفلتين من الجمهور إلى خشبة المسرح — لا بدافع التمرد، بل بفعل البراءة التلقائية — ليقوما بما يمكن وصفه بـ”سرقة جمالية ناعمة” لمشهدية العرض. هنا تحققت لحظة كسر الجدار الرابع لا كاختراق، بل كمكوّن عضوي للعرض ذاته. لقد تم التعامل مع الطفلتين بوصفهما فواعل تأويلية، لا غرباء عن المشهد، مما أوجد حالة حضور آني (Here-and-Now Presence) متفجرة بالدلالات.

الممثل الرئيسي (المهرج) أبدى براعة في الارتجال المسرحي، مُستثمرًا طاقة التفاعل في تشكيل ما يمكن تسميته بـ”نص موازٍ”، تولّده الطفولة ذاتها من داخل النص الأم. وفي هذه اللحظة، لم يعد المسرح فعل عرض أحادي، بل أصبح فضاءً لـالتفريغ الانفعالي وممارسة غير مقصودة لـإرادة المعنى، حيث تتحول الطفولة من كائن يتلقى إلى كائن يعيد خلق الواقع.

لا يتوفر وصف.

المسرح التفاعلي: فلسفة الآخرية ومحو السلطة

ينتمي عرض “قصة الرشيق” إلى بنية المسرح التفاعلي، وهو شكل فني فلسفي يُقرّ بـالآخرية (Alterity) بوصفها شرطًا ضروريًا لتوليد المعنى. الطفل هنا ليس مجرد متلقٍ، بل مؤلف مشارك، يُسهِم فعليًا في صياغة البنية الدرامية. المخرج — بوصفه ذاتًا واعية — مارس الاختزال الإخراجي، متنازلًا عن سلطته التقليدية، ليمنح البراءة مساحة سيادة مؤقتة. لقد انصهر المخرج/الممثل داخل المشهد، وترك الطفلتين تُمارسان نوعًا من اللعب الوجودي، حيث بات العرض تجربة أنطولوجية أكثر من كونه حدثًا تقنيًا.

التلقي الطفولي: التماهي والمعنى المتعدد

ما يُميّز الطفل المتلقي في هذا النوع من العروض هو كونه يخضع لآليات التماهي الديناميكي، حيث تتداخل الحدود بين الشخصية والمتفرج، بين الواقع والمتخيل. من هنا، تحققت لحظة المعنى المتعدد (Polysemy)، فكل طفل في الجمهور تلقّى الحدث بطريقته، منتجًا تأويلًا خاصًا، مرتبطًا بتكوينه النفسي ومخزونه الرمزي.

اللغة والحركة: أدوات الخطاب غير المباشر

النص المسرحي تميز بمرونة لغوية تستند إلى اقتصاد لغوي تربوي يوازن بين البساطة والعمق، وبين التوجيه والاحتمال. أما الحركة، فجاءت جزءًا من الخطاب البصري، لا مجرد زخرفة جمالية، بل عنصرًا دلاليًا يوصل المعنى إلى الطفل دون الحاجة إلى تفصيل لغوي. كان الجسد هنا أداة تواصل تسبق الكلمة، منسجمًا مع إيقاع الطفل الداخلي وفضوله الحركي.

خاتمة: مسرحة الوجود الطفولي

في عرضه “قصة الرشيق”، لا يقدّم المخرج سجاد سعد تجربة تقليدية في مسرح الطفل، بل يُطلق مشهدًا فلسفيًا حيًا تتصارع فيه السلطة مع العفوية، النص مع الارتجال، والمُرسل مع المتلقي. إنه عرض يكرّس مفهوم مسرحة اللحظة، ويجعل من دهشة الطفولة محركًا دراميًا خلاقًا، تتجدد فيه العلاقة بين الفن والتربية، بين المعنى واللعب، بين الأداء والتلقي.

هنا، البراءة لا تتلقى فحسب، بل تكتب وتؤدي وتنتصر.

* م. م سجاد عبد ناصر/ جامعة واسط كلية الفنون الجميلة

Related Articles

Back to top button