د. لعزيز محمد: الجسد في الفرجات الشعبية متعدد ومتنوع وينطوي على تعقيد مركب يستوجب القراءة والتحليل/ حاوره: الحسين الشعبي

عن منشورات دار بصمة، صدر للباحث والناقد الدكتور لعزيز محمد كتابا جديدا يحمل عنوان ” الجسد في الفرجة الشعبية” اصدار سنة 2025. أنجز الغلاف الأستاذ توفيق لبيض، وزينه الفنان التشكيلي سعيد راجي.
ولتسليط الضوء على هذا الإصدار،لكم تفاصيل الحوار:
* نظرة اجمالية عن الكتاب؟
يندرج الكتاب في اطار لفت الانتباه لخصوصيات فرجاتنا الشعبية المحلية، انطلاقا من اعتقاد مفاده ان الصمت عن خصوصياتنا والاستمرار في الارتماء في احضان فرجات غيرية هو نوع القبول بحضور الآخر فينا وتبخيس إنتاجاتنا الفنية، ولا يعني ذلك الانتصار لذواتنا وتراثنا وفرجاتنا بنوع من الشوفينية ولكن لتأكيد امتلاك ثقافتنا الفرجوي ابعادا لا تقل قيمة عن فرجات الغرب بما فيه مسرحه.
* يشتمل الكتاب على خمسة مباحث
أجلينا في البداية الفرق بين الفرجة والأداء وأكدنا أن استعمال المغاربة لمصطلح الفرجة يعود إلى ارتباطه الوثيق بالأعمال الفنية مقابل لفظة أداء التي تتسم بالشمولية لمختلف مناحي الحياة ، كما أبرزنا أهم خصيصات عوالم الفرجة ويتعلق الأمر بسمة “الفرجوي” بما هي نقيض العقلاني والمعرفي،والذي له علاقة بالمعيش وبالسياق السياسي والاجتماعي وبتاريخ الذوق والحساسيات والايديولوجيات، الى غير ذلك من ما يميز الجانب المرئي في كل فرجة .

الشعبي : لماذا الفرجات الشعبية؟
د. لعزيز: ما من شك أن أهم الانعطافات المسرحية الغربية، والنظريات التي تسندها اعتمدت على اشتغال الجسد في الفرجات الشعبية المحلية لدول من آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، التي أثرت كثيرا في المسرح الأوروبي، ولعل هم أسباب التأثير قدرة تلك الفرجات في الجمع بين هويات وثقافات متنوعة، وأيضا قدرة مؤدي تلك الفرجات على المحافظة على خصوصياتهم وعلى سماتهم وفي الآن ذاته المحافظة على الخيط الرابط بينهم وبين المتفرجين القادرين على التفاعل والمشاركة في مفاصل الفرجات المتنوعة. هذه الحظوة التي تتمتع بها الفرجة الشعبية، و القيمة التي يعترف لها بها ليست سوى إحدى الصور التي وشمت الذاكرة الثقافية المغربية، وجعلتها تترسخ في مخيلة الإنسان المغربي، وأورثتها الأجيال السابقة للاحقة، ولأنها كثيرة ومتنوعة فقد قصرنا الاهتمام في هذا الكتاب على نماذج محددة هي بالضبط فرجات كناوة، والعيطة، والحلقة باعتبارها نماذج من التراث الشعبي توارثها الانسان المغربي عبر السنين برقصاتها وموسيقاها ولباسها ونصوصها خضعت لأجساد اصحابها وطرائق اشتغالها. والاهتمام بالثقافة الشعبية صنو الاهتمام بالثقافة العالمة كما هو سائد في قضايانا الفكرية المتوارثة. إنها رأسمال رمزي ولامادي مبني على طبقات حضارية عبر تاريخنا الوطني ينبغي أن تنال نصيبها من البحث والتقصي.
الشعبي : متى كان هذا الالتفات للفرجات الشعبية ؟
د.لعزيز: إننا لا نبغي من وراء استجلاب هذه الفرجات إلى الساحة الفنية اليوم عملية تأصيل الحركة المسرحية المغربية وانتشالها من التبعية للغرب، بقدر ما نستهدف توطيد علاقتنا بفنوننا وفرجاتنا التي تعكس كل واحدة منها منظورا فنيا وجماليا ومعرفيا.
كان ذلك منذ أن انتبه النقد البحثي للمرحوم حسن المنيعي الاعتبار للفرجة المغربية كما كانت تشهدها الساحات والأسواق والأبواب للمدن المغربية، وهو النقد الذي أعاد طرح مفهوم المسرح، وجعله يبرز التقاطعات بينه وبين الفرجات المنتشرة في أرجاء الوطن، وأرجاء الممارسة الفنية بالمغرب.
الشعبي: ما هي الفرجات التي اشتغلت عليها في هذا الكتاب؟ وما مبررات اختيارك لها دون غيرها؟
د.لعزيز: الحقيقة المعروفة هي أننا – وهذا أمر معروف لديك أنت الأستاذ الشعبي – أننا في المركز الدولي لدراسات الفرجة بطنجة و الذي يرأسه خالد أمين نشتغل منذ سنوات على الفرجات القديمة والحديثة، المحلية والأجنبية، وقد عقدت ندوات حول الفرجة منذ أزيد من عقدين، وصدرت عن المركز عناوين المجلة منها الفرجة والمجال العام، وشعرية الفرجة، وتحولات الفرجة وفرجة التحولات، وفرجات الشارع والفرجة وجغرافيات المعرفة، والجسد الفرجوي، هي ندوات أكدت أننا نملك ربيرتوارا غنيا من بينه تلك العروض الطقوسية للفرجات الشعبية بما هي اشكال الاحتفالية تؤكد رسوخها في التاريخ الإنساني، وتجذرها في المشهد الفرجوي المغربي، هي فرجة متكاملة فيها من الشعر بقدر ما فيها من لغات تجريدية ضمنها الموسيقى والجسد عبر حركاته الايمائية ورقصه. في فرجة كناوة كما في العديد من الفرجات الشعبية تمارس الأجساد حرياتها العابرة، يحفزها في ذلك الفعل الموسيقى، والقول الشعري، والإيقاع الرقصي.. بالنسبة لفرجة الشيخات نرى أنها لم يستطع أن يسيجها فضاء معين، فقد ولجت قصور القواد و الأعيان وظلت تنتقد أصحابها منتصرة للبسطاء والمقهورين من أبناء القبيلة.
كل العيوط المرساوية والجبلية والحوزية والملالية وغيرها يعد المتفرج عنصرا تكوينيا في نسق الأداء، وجزء لا يتجزأ منه يمكن القول معه غياب فرجة العيطة وانمحاء أجساد المؤدين ما لم يكن هناك متفرجين، وغالبا ما يتم تشبيه متفرج العيطة بمتفرج اللوحات التشكيلية وغيرها من المعروضات الثمينة فهما معا يتفرجان من مسافة قريبة أو بعيدة دون أن يسمح لهما باللمس ووضع اليد، لتصبح الشيخة تلك الجوهرة الثمينة الممنوع لمسها حين رقصها وتنقلها بين جمهورها وبالتالي لا أحد يجرؤ أو يسمح له بذلك واما بالنسبة بفرجة الحلقة أحد أهم الفرجات الأصيلة والمتميزة بالمغرب، والممثلة لأحد أركان هويتنا الوطنية، اعتمدها المسرحيون المغاربة غداة فعل التأصيل اعتمدوها لامكاناتها وتقنياتها وآلياتها وما تختزنه من ” فرجوي” كخصيصة تعد اس الحلقة وكل الفرجات الأخرى، التي همها الأساس التأثير في المتفرج وإشراكه في فرجة الحلقة.
كان الحلايقي المغربي مشخصا كبيرا استطاع أن يؤدي أدوارا صعبة بما فيها الأدوار النسائية بما يوفر لها من ملابس وحلي وأقنعة وأصوات يقلد بها الشخصيات المحكي عنها محققا بذلك شغف الجمهور وامتاعه تارة بالاضحاك وتارة بتوفير الاسباب الدرامية المؤثرة بقصص قريبة من الكوميديا الارتجالية .
والحلايقي يتوفر على خيال فوضوي وخلاق، يبدع بواسطته احداثا وابطالا يقومون بأحداث غير منتظرة،شخوصا في الحين.
الشعبي: ولماذا ركزت على حضور الجسد في هذه الفرجات؟
د.لعزيز: موضوعة الجسد من التعقيد والتنوع التي يجب استحضارها في نقدنا المعاصر خصوصا وانه جسد متنوع فيه فيه الجسد الفسيولوجي والجسد الانثروبولوجي والجسد الاثنولوجي والميتافيزيقي وتلايروتيكي والجسد البشري يتعلم ويكتسب مهاراته بفعل الحاجة والضرورة الوجودية سواء كانت هذه الحاجة مادية أو رمزية ،
وإذا كان الحديث عن الجسد هو حديث عن المجتمع، فإن الجسد الفرجوي هو الوجود الانساني، وهو لا يأخذ معناه إلا من خلال نظرة الانسان الثقافية له، وهو ما يعني أن صورة الجسد تتنوع بتنوع صوره الثقافية الأمر الذي يجعل منه بناء رمزيا وليس حقيقة مادية وهو لذلك يخضع لمعايير متبدلة تكون أخلاقية تارة تحشره في خانة المدنس أو المقدس، كما هو الامر في فرجات كثيرة من قبيل كناوة، و الشيخة وغيرهما، أو اجتماعية كما في فرجة الحلقة.
في كل هذه الفرجات الشعبية وغيرها كثير يصعب أن يظل الجسد صامتا، أو مكبل الحركات، بل إنه يعبر تعبيرا صادقا عن حالاته الروحية والنفسية وعن انفعالاته بموجب ما يمتلكه من لغات ملفوظة، وغير ملفوظة، في هذه الأخيرة تتدخل أنماط من اللغات التواصلية كالالقاء والحوار والصمت وغيرها خلال الفرجة حيث تتوطد رويدا العلاقة بين المؤديين والمتلقين بلغات ورموز مختلفة لا تتوقف عند اللغة الطبيعية بقواعدها اللسانية بل تتدخل فيها قواعد اخرى هي المعروفة بالقواعد التدوالية الشاملة للتواصل اللساني وغير اللساني.
الجمهور يستطيع صناع الفرجة بما يملكون من قدرات التأثير في طالبي الفرجة وربط صلاة وثقى تواصلية وبناء علاقة صلبة بينهما. إن العلاقة التواصلية بين صناع الفرجة ومتلقيها تقتضي إقناع المتلقين وهو ما يعني تفعلا حقيقيا يبدل فيه هؤلاء الصناع قدرات جسمية وعقلية وشعورية قادرة على تشيي أنساق من التصورات تتجسد في أقولهم وأعمالهم وفكرهم.



