نص مسرحية: “حمراء كالجحيم، بيضاء كالأمل…….!!”/ تأليف: شوقي كريم حسن
“العذاب جزء من وجودنا، ونحن في النهاية نصير أبطال قصصنا، نتعلم، ننسى، نحب، ونموت/!!” / { إميلي ديكنسون}
(غرفة حمراء مظلمة. الجدران مغطاة بذكريات مشوهة، خطوط وأشكال مرسومة بأظافر، كلمات مكتوبة بخوف على الحيطان، جميعها تنبض بالحياة في ضوء ضعيف يصطدم بالمكان. في الزاوية، تجلس المعتقلة، سيدة في أواخر الثلاثينات، وجهها شاحب وعينيها ملتاعة. يداها مشدودتان إلى صدرها، تحاول إخفاء دموعها. المعتقلة (بصوت مرتجف، تنظر إلى الجدران)
هناك، على الحائط… في تلك الزاوية… الكلمات ما زالت هناك، مثل الندوب التي لا تُشفى. كتبها بيده، بأظافره، في الظلام… في تلك اللحظة التي صارت فيها الوعود منتهية… لكنه قال لي، قال لي:
(تردد كلمات الحائط في صمت)
“هناك عند شجرة أول لقاء بين آدم وحواء، سنلتقي.”
(تضحك ضحكة مكتومة، تسحب نفسها نحو الجدار، تلامس الرسمة بأصابعها التي لا تزال ترتجف. بهمس)
يا له من حلم… حلم ناقص… مضى… والآن، هذا المكان، هذا اللون، هذه الذكريات… كلها حمراء… حمراء كالدم… كالخيانة… كالوعود التي تحولت إلى أغلال. (تتنفس بعمق، تتوجه نحو الجدار الآخر) لكني لا أزال أذكره… تذكرت تلك اللحظة، كيف كان يهمس لي بين الأشجار، كيف كان وجهه يشع نورًا… وعدني، وعدني بشيء لا يمكنه أن يُعطى في عالم مليء بالخوف… هذا هو العذاب، هذا هو الدرس الذي تعلمته: لا شيء يبقى كما هو. نحن نتحطم… نحن ننهار، ثم نعود للبناء على أساسات مهزوزة، نبحث عن حروف عتيقة على جدران الزمن.
(تجلس على الأرض، يداها في حضنها، وعيناها تغرق في الذكريات)
هل تعرف؟ لا فرق بين الأمل والفجيعة هنا… كلهما يلتقيان في نفس المكان… في نفس الزمان. كل شيء يذوب. حتى الوعود…
(تسحب يديها نحو فمها، كأنها تغني بصوت غير مسموع. و غير متماسك)
أحيانًا، أظن أنني سأموت، في هذه الغرفة الحمراء، التي لا تترك لي سوى الذكريات. أظن أنني أموت بلا لقاء… بلا وعد… بلا شجرة… أموت وحدي، حتى وإن كانت حروفه ما زالت على الحائط.
(تقوم فجأة، تدور في المكان، تصرخ بحزن شديد. بصوت عالٍ، يتردد في المكان) أين أنت الآن؟ هل لا تزال تذكرني؟ هل لا يزال قلبك ينبض لأجلي؟ أم أن الزمن أكلنا معًا، حولنا إلى مجرد خطوط على جدار… خطوط حمر، لا يمكن أن تمحيها الأظافر، ولا يمكن أن تمحيها الذكريات؟
(تلتقط قطعة من الطباشير من الأرض، تبدأ في كتابة شيء على الجدار. الكلمات تتناثر بحزن، تتوقف. بصوت خافت، تتنفس) هناك، عند شجرة أول لقاء بين آدم وحواء… نلتقي”.
(تتراجع إلى الزاوية، تجلس على الأرض مجددًا، عيناها تراقبان الكلمات على الجدار. همسات ناعمة) لم يكتمل اللقاء… والآن، لا شيء سوى هذه الغرفة… وهذه الوعود التي لا تكتمل أبدًا.
(بصوت مرتجف، تنظر إلى الجدار)
كلما أغمضت عيني، أسمع صوته… مثل عطرٍ دافئ على ضوء القمر. كان يقول لي دائمًا:
لا تخافي، مهما كان، سنكون معًا.”
(تضحك ضحكة مريرة، تتحسس الجدار بأصابعها وكأنها تلمس تلك الوعود المفقودة) لكن أين هو الآن؟ هل في مكانٍ آخر حيث الوعود تصبح أحلامًا، أو كنت مجرد حلمٍ عابر في ذاكرته؟ نحن جميعًا، في النهاية، خُلقنا من وهم. كما كنا نُصدق أنفسنا حينما كنا نعيش في حبٍ بلا نهاية… هذا هو العذاب، أن تشعر أنك قد أضعت كل شيء، ثم تكتشف أنك لم تملك شيئًا منذ البداية.
(ترتجف يداها، تتوجه نحو فراشها القديم وتبدأ في تحريكه، وكأنها تصنع شيئًا. تعود لتأخذ قطعة الطباشير وتكتب على الجدار كلمات متقاربة. بصوت حزين) أنا لا أزال هنا… أكتب ماضينا كما لو أنني أستطيع أن أحييه… لكنني لا أستطيع… كل شيء يتساقط، كل شيء يتحطم، مثلما تحطمت وعودنا.هناك عند شجرة أول لقاء بين آدم وحواء نلتقي”…لكن، في هذا السجن، لا شجرة… لا لقاء… لا أمل. فقط هذا الجدار. فقط الكلمات التي لا تكتمل أبدًا.
(تنهار كليًا، كأن كل شيء قد استنزفها.، بصوتٍ خافت، تتحدث إلى نفسها. بهمسات مختنقة) هل هو خطئي؟ هل أخطأت حينما وضعت قلبي بين يديه؟ ا كل هذا الحلم مجرد وهم؟ لا… لا، كان حبًا… حبًا عميقًا، لكن هل الحب يبقى عندما يغيب صاحبه؟ هل يبقى عندما تتحطم الوعود؟
(تنهض فجأة، تمشي باتجاه الجدار الآخر. تنظر إلى صورةٍ أخرى مرسومة بالأظافر، صورة ضبابية، غير واضحة المعالم. بصوت مكسور) كان يراقبني… يراقبني من بعيد… لماذا لم يأتِ ليأخذني؟ لماذا تركني؟ لماذا تركتني هنا؟ لماذا تركتني أواجه هذا الموت البطيء؟
(تقترب من صورة الحبيب المرسومة على الجدار، تلامس الوجه بضوء خافت) ألم تكن الوعود التي بيننا جسرًا لنلتقي؟ ألم تك تلك الشجرة نقطة اللقاء، المكان الذي نكون فيه… معًا، إلى الأبد؟ولكن أين نحن الآن؟ هل يمكن للروح أن تلتقي دون جسد؟ أم أن العذاب يكمن في أن تتعلق بشيء دونما شكل، دونما حقيقة، في مكانٍ تحاصره الحواجز؟
(تدير رأسها نحو الجدار، تكتب بأظافرها كلمات أخرى، ثم تتراجع، عيناها تغرقان في عمق الفوضى. بصوت مهزوز، تتنفس بصعوبة) لقد كنت هناك، بين يديه، في شجرةٍ لا نعرف أين هي الان. كنت هناك… ثم جئت إلى هنا… هذا المكان… الجحيم، لا أستطيع التخلص منه. لكني أكتب… أكتب حتى تنقض الكلمات عليّ، حتى يُسكتني الصوت الذي يتردد في أذني. حتى يأتي أحدهم ليأخذني بعيدًا عن هذا الجدار… عن هذا الجحيم.
(تجلس على الأرض، تبكي بصمت، بينما تتساقط الكلمات على الحائط، الكلمات التي لا تستطيع أن تكتبها، لكنها تشعر بها تتناثر في الهواء.، الغرفة تكاد تنفجر من كثافة العواطف والألم. المعتقلة جالسة ، وجهها مغطى بيدها. الظلال تتراقص على الجدران كما لو كانت كائنات حية. أصوات بعيدة تتداخل مع الصمت . الضوء ضعيف، يسلط على خطوط جديدة بدأت تظهر على الجدار)
هل تعتقد أنني أموت هنا؟ هل تعتقد أن هذه الجدران تمحو كل شيء؟ أو أن كلماتنا تختفي في هذا الصمت… في هذه الوحدة… لا، لا… الكلمات باقية. باقية حتى لو تغلب الزمن عليها. كل حرف سقط من لسانك، كل وعد لم يك إلا صدى… مثل الرياح في الشتاء… تهب، ولكن لا تسكن.
(تبدأ في تحريك يديها على الجدار، كما لو تلمس الذكريات المفقودة بصوت شبه هادئ) لم يك هذا المكان موجودًا حينما كنا معًا… كانت الأرض مليئة بالأمل… بالأحلام… وكانت لديه ابتسامة تشبه الصباح. أذكره يقول لي: لا تقلقي، سنبني عالمًا جديدًا.لكننا لم نبنِ شيئًا… سوى الخراب…ألا تراني؟ ألا تشعر بي؟أنا هنا… أكتب، أعيش في هذا الجدار… في هذه الظلال، حيث لا أحد يأتي ليأخذني.
(تنهض ببطء، تتحسس الجدران كأنها تقرأها. تنهار فجأة على الأرض، ووجهها يعكس علامات الصراع النفسي) أنا… أنا هنا… وهذا هو المكان الذي أخذني إليه. المكان الذي تركت فيه كل شيء… هذا هو سجننا المشترك، حيث لا توجد خلاصات. لا يمكن لأي أحد أن ينقذني… ولا حتى أنت… لأنك لم تكن هناك حينما كنت في حاجة إليك.
(تلتقط قطعة من الطباشير وتبدأ بكتابة كلمات جديدة على الجدار) “الحرية ليست مجرد كلمات، إنها فعل. لكنني فقدت القدرة على الفعل… والآن أصبحت مجرد رسمٍ على الجدران، صورة لا تكتمل، ذكريات مفقودة، أمل ضائع… وفي النهاية، لا شيء سوى الظلال.
(تبدأ بالركض نحو الجدار الآخر. تتساقط الكلمات من بين يديها، كأنها تسعى لإنقاذ نفسها) تستطيع الظلال أن تلتهمنا، تستطيع أن تجعلنا نختفي. لكن لن أختفي، لن أكون منسيا… مهما طال الزمن، حتى وإن كانت هذه الغرفة سجنًا، فإن كلماتي ستبقى… حتى لو كتبتها على جدران الجحيم نفسه.
(تهمس) هل تنقذني الكلمات؟ هل تنقذني الوعود التي لم نعد نؤمن بها؟ أم أنني سأظل هكذا، وحدي، أكتب حتى يأتي الفجر… الذي لن يأتي أبدا.
(تظل صامتة، بينما تتناثر كلمات أخرى على الجدران) أنا هنا، في وسط هذا الظلام، أكتب لتظل الكلمات شاهدًا على ما كنت عليه. أكتب لتظل الذاكرة حية، رغم أن الجسد في مكانه لا يتحرك. أكتب… وأنتظر.
(تجلس على الأرض متلمسة الجدار بكلتا يديها. كلماتها تخرج بصوت مكسور، تحاول التمسك بما تبقى من كرامتها) أتعرف؟ في بعض اللحظات، عندما تظل وحدك لوقت طويل، تصبح الجدران أكثر من مجرد جدران… تصبح مرآة… تشاهد فيها ضحكاتك، بكاءك، كلماتك، حتى أوجاعك… كل شيء… وكل شيء تتركه خلفك. ربما هذا ما يحدث لكل شيء…نبقى نكتب على الجدران حتى نقتنع بأننا ما زلنا على قيد الحياة.
(تحاول أعادة رسم صورة الحلم القديم على الجدار) كنت أؤمن بأن الحياة معركة… معركة يجب أن نخوضها معًا. ومع ذلك، ها أنا ذا… أكتب وحدي، كما لو أنني أطرد كل ما تبقى من هذا السجن… السجن الذي يكبر كلما زادت الذكريات.
(تلتقط قطعة أخرى من الطباشير وتكتب على الجدار، ثم تتراجع خطوة إلى الوراء لتراها) هل يمكن للذكريات أن تقتلنا؟”أظن أنها تفعل… slowly… وببطء…لكنني ما زلت هنا… على الرغم من ذلك. أكتب كل يوم. أكتب لعل الكلمات تمسح الألم… لكن ليس كل شيء يمكن أن يمحى.
(تلتقط قطعة من القماش الممزق تضعه على وجهها محاولة مسح شيء ما. تجلس على الأرض، عينها لا تفارق الجدار) أين هو الآن؟ هل هو هنا، بين هذه الكلمات، بين هذه الجدران؟ أم أنه اختفى كما اختفى الجميع؟ كلنا اختفينا… حتى أنا. حتى أنا التي كنت أعتقد أنني سأبقى للأبد… هنا حيث لا أحد يهمس لي: “كل شيء سيكون على ما يرام”. لا أحد هنا… فقط الكلمات… الكلمات التي تلامس الجدران وتجعلني أشعر بأنني ما زلت موجودة.
(تقف، تركض نحو الجدار الآخر، تكتب وتكتب بلا توقف. بصوت حاد، تكتب بسرعة) هل هذا ما تبقى منّا؟ هل هذا ما ستتركه هذه الغرفة؟ وعود تذوب في الهواء… آلام تزداد بمرور الزمن… كلمات تكسرنا دون أن تلتفت. هل تعرف ما هو الألم؟ إنه هذا الصمت… هذا الفراغ الذي تتركه الكلمات عندما لا تستطيع أن تجد طريقها إلى قلبك… إلى نفسك… هذا هو الألم… أن تبقى… وحدك… مع ذكرياتك، ومع هذا الجدار… الذي لا ينسى. هل كان هذا حقيقيًا؟ هل كنا، يومًا ما، نؤمن أننا نكون معًا؟ لقد كنت أصدق… صدقنا، كنا نحلم بعالم آخر. ثم جاء الحائط… جاء الحائط، وجاء السجن، بدأت الكلمات تتساقط، كالحجارة التي تراكمت ببطء على ظهورنا. هل تراها؟ الكلمات، التي كتبتها… هل تراها الآن؟
(تلتفت نحو الجدران، وكأنها تسمع أصواتًا غريبة تأتي من هناك) همساتهم… همساتهم هناك في الظلام. لا، لا أسمعهم… أو ربما أسمعهم، لكني لا أستطيع أن أقول شيئًا. حتى الظلام أصبح أكثر قوة الآن.
(تنظر إلى جدار آخر، حيث تظهر بعض الحروف المرسومة بشكل غريب. بهمسات متقطعة، وكأنها تجيب نفسها) هل يمكن للذاكرة أن تتحول إلى كوابيس؟ أظن أن هذا ما حدث لي… الذاكرة… أصبحت كابوسًا لا ينتهي. أعيش فيه كل يوم… هذا هو سجننا… هذا هو الزمن الذي لا يتوقف.
(تضحك ضحكة مُرّة، تتلمس الجدار تحاول محو الكلمات) لا يمكنني محو شيء… لا يمكنني محو ما في داخلي… كلما حاولت، تذكرت أكثر… كل شيء يعيد نفسه، كما لو أنني عُدت إلى نقطة البداية. ما زلت أذكر أول مرة كنا نتحدث فيها، كان يضحك… كان يقول لي: “سأكون ، أينما كنتِ.” هل كان يعني ذلك حقًا؟ أم كان مجرد كلام فارغ؟ هل تعرف؟ في بعض الأحيان، كلما كتبت، شعرت أنني أغرق أكثر. ..أن الكلمات تغرقني. ما السبب؟ هل من المفترض أن أغرق هكذا… في هذا الحائط، في هذا الحلم؟ أريد أن أصرخ… أريد أن أقول شيئًا… أريد أن أقول له إنني هنا… لكن الكلمات تقطعني… تقطعني حتى لا أستطيع التنفس.أين ذهبنا؟ أين نحن الآن؟ لم يعد هناك شيء… لا صوت… لا حياة. فقط الجدار. والجدار يذكرني بكل شيء.
(بصوت خافت، تنطق بكلمات متقطعة)هل كان كل شيء… وهمًا؟ أم أننا جميعًا كنا مجرد حروف تتناثر، وتختفي في الرياح؟
(تنهض ببطء، جسدها متعب جدًا، تتوجه نحو الجدار حيث الكلمات تتناثر على الأرض. تتلمس الحروف بيدها، وكأنها تحاول أن تجمع قطعًا مفقودة من نفسها. ثم تبدأ في الهمس، مع كلمات تتسرب كالنهر الهارب. بصوت مرتجف، وكأنها تتكلم إلى نفسها) كنت أعتقد أنني أعيش…أعتقد أنني أحارب هذا السجن… لكن الآن… لم يعد هناك شيء…كل شيء ضاع… وكل شيء فقد معناه…في النهاية، كل ما تبقى هو… هذا الجدار… وهذه الذكريات… وهذه الكلمات… فقط كلمات…
(تستدير نحو الجدار، تضع يدها عليه وكأنها تحاول التواصل مع عالم آخر. تعود إلى وضعها على الأرض،تغلق عينيها، تهمس بصوت ضعيف جدًا) لن أعود… لن أعود إلى هناك… لا أريد العودة… لا أريد أن أكون هنا…لكن… لا أستطيع الهروب…
(تسقط رأسها إلى الأمام، يغرق المكان في صمت مطلق، لا شيء سوى الظلال المعلقة على الجدران. فجأة، تبدأ في التمتمة بأغنية حزينة، صوتها ضعيف في البداية، ثم يرتفع مع مرور الوقت، حتى تصبح الأغنية هي الصوت الوحيد الذي يملأ المكان)
فوق الجدار، ظلٌ يتلاشى
والزمنُ يمر، لا مكانٍ نرتاح
كلما حاولنا أن نعود، ضاع الطريق
وفي عيوننا الحزن، وفي القلب فراق.
أحلامنا تكسرت، كأطيافٍ تروح
وجروحنا، كالدمع، لا تنتهي في السكون.الزمن يسلبنا، والأمل يموت
أين انتهت الحياة؟ أين اختفى الصوت؟
نظل وسط الظلام
نكتب ونمحو… لا شيء سوى الذكرى.
الحرية حلماً ضاع الآن نحن وحدنا… لا سجون… لا حياة…
(الصوت ، يختفي في الظلام، وهو يغطي المكان كاملاً. الموسيقى تتناغم مع الظلام، حتى تتوقف تمامًا.)
( ربما هناك بداية ثانية)!!
