نصوصنصوص مسرحية

النص المسرحي «في فلك الهذيان المظلم»/ تأليف: اسماعيل العباسي

“في عالم يغلفه الصمت والجنون، يتصارع ستة أشخاص داخل أروقة مستشفى نفسي، كلٌ محاصر بفلكه الخاص من الهذيان المظلم. صرخاتهم ليست فقط ضد الواقع، بل ضد أنفسهم، يبحثون عن طريق للخروج من سجنه، حيث العقل لا يهدأ، والجنون هو الحقيقة الوحيدة التي لا تُكذب “

 

الشخصيـات

١. العسكري: رمز القمع الداخلي والقتال المستمر ضد الذات، يمثل الصراع بين النظام والتمرد داخل النفس.

2.المتنبي: شاعر الجنون والكلمات المحطمة، يرمز إلى الفكر الثائر الذي يحاول التعبير عن الألم والعبث.

3.الطفل: براءة ضائعة وحنين إلى زمن أبسط، يرمز إلى النفس الطاهرة التي لم تلوثها الحياة بعد.

4.الواعظ: صوت العقل المتناقض، يحمل بين كلماته الخوف، الإيمان، والشكوك التي تعيش داخل الإنسان.

5.الساعة: تجسيد الزمن القاسي، الذي يلاحق الجميع بلا هوادة، ويمثل هاجس الموت واللحظة الحاسمة.

6.المرآة: انعكاس الذات والضمير، صامت أو غامض أحيانًا، يكشف الحقيقة التي يخاف الجميع مواجهتها.

7.الزائر: الغريب أو الحقيقة القادمة من الخارج، يرمز إلى سؤال الوعي والشك في الذات والواقع.

  

المشهد الأول | صرخة البداية

وصف المكانغرفة ضيقة، بألوان باهتة ومتشققة، نافذة صغيرة بألواح حديدية، باب معدني ثقيل يفصل بين الداخل والخارج. إضاءة خافتة مركزة تخلق جواً من العزلة والرعب، بين هدوء مشحون وتوتر مستمر.

 

المرآة: أنا… أنا… أنا؟ أنا أنتم! هل جئتم لتروا جنوننا؟  أم لتطمئنوا أنكم خارج هذا الباب؟  لكن الباب لا يُفتح إلا  للذين لا يصرخون.

العسكري: (ينظر حوله بحدة) العدو ليس في الخارج… إنه هنا! في الجمجمة! كل فكرة… قنبلة!

الطفل: (بحزن) أمي قالت لا ألعب بالنار… لكنني من رماد! اللعبة احترقت… وأنا بقيت.

المتنبي: (يصرخ) أنا الذي نظر المجانين إلى جنوني… وسكت الواقع عن قافيتي!

الواعظ: (بصوت متردد) اللهم اهدِ المجانين… هل يسمعني الله؟ أم نزيل في الغرفة المجاورة؟

الساعة: (بصوت حاد) الوقت لا ينتظر… تأخرنا… كل صمت يقتل فكرة.

المرآة: (تنظر بحدة للطفل) هل تخاف؟ أم تظن أن هذا هو الجنون؟

الطفل: (ينظر للأعلى) الخوف… واللعب… لعبة مميتة.

العسكري: (يقترب من المرآة) هل أنت ترى حقًا ما نراه؟ أم مجرد انعكاس باهت؟

المرآة: (تتلاشى قليلاً ثم تعود) أنا الحقيقة التي تخشونها.

المتنبي: (بتحدي) صمتكم هذا… أكبر جنون!

الواعظ: (ينظر للأسفل) هل أجرؤ أن أصلي؟ أم أُتهم بالجنون؟

الساعة: (يصمت قليلاً ثم يقول) كل ثانية تمر… موت جديد.

الجميع: (بصوت واحد) نحن لسنا مجانين… أنتم فقط أكثر هدوءًا!

  

المشهد الثاني | جلسة العلاج الجماعي

وصف المكانقاعة صغيرة مضاءة بضوء أبيض باهت، كراسي حديدية مرتبة على شكل دائرة، طاولة بسيطة  ومتداعية. الجو بارد عاطفيًا، وكأن الكلمات محبوسة داخل المكان.

 الطبيب: (صوت بارد) من أنتم؟ ليس ماذا… من.

المتنبي: أنا آخر الشعراء… صوت ممنوع.

العسكري: أنا جندي بلا حرب… قاتلت في معركة لم أفهمها.

الطفل: أنا صغير… أغمضت عيني لأسمع أشياء لا تُقال.

الساعة: أعيش في وقت غير مناسب… أجمع الثواني موتًا.

المرآة: لا أرى نفسي… أرى انعكاسكم.

الواعظ: فقدت إيماني… وصمت يصرخ في أذني.

الطبيب: هل تودون الشفاء؟ أم تخافون العودة إلى واقع أكثر جنونًا؟

العسكري: (يقطعه بغضب) هل الشفاء هروب؟ أم مواجهة؟

المتنبي: الحقيقة أحيانًا أعمى لا يرى إلا نفسه.

الطفل: (بصوت منخفض) هل لي أن أحلم أم حُرمت؟

الواعظ: (بحزن) الإيمان يتأرجح بين الأمل واليأس.

الساعة: (بصوت متسارع) الوقت لا يرحم… نركض خلفه بلا جدوى.

المرآة: (تنظر إلى الطبيب) وما الذي تريده أنت؟ أن تعالجنا أم أن تحكم علينا؟

الطبيب: (يتنهد) أبحث عن الحقيقة… لكن أحيانًا الحقيقة مؤلمة.

المرآة: (بهمس) والجنون… هو الطريقة الوحيدة لقول الحقيقة.

 

المشهد الثالث | لعبة العقل: محاكمة الجنون

وصف المكان: نفس الغرفة مع تغييرات في الإضاءة: دوائر ضوء صغيرة متفرقة على الأرض، مركز الضوء أبيض بارد. الجو بارد ومجرد، يشير إلى حالة ذهنية متغيرة.

 

الطفل: لنلعب! لعبة جديدة… “مين المجنون؟”

المتنبي: “محاكمة العقل”. أنا القاضي… والمذنب… والشاهد!

العسكري: المتهم الأول: الطفل. تهمة البراءة الزائدة.

الطفل: أنا مذنب لأن صدقتكم!

الساعة: الوقت ينفد! المحاكمة يجب أن تنتهي.

الواعظ: لا أحد يملك الحق في محاكمة الجنون… العالم هو القاضي الحقيقي.

المتنبي : (للعسكري)  كم حربًا خضت… دون أن تقاتل نفسك؟

العسكري: كل حرب في الخارج تخفي حربًا في الداخل.

العسكري: (لواعظ) من أين تأتي صلواتك؟ من القلب… أم من الخوف؟

الواعظ: من الخوف… ثم عادة… ثم نسيان.

المرآة: (لطفلهل تحلم؟ أم أن اللعب طريقتك للبقاء؟

الطفل: ألعب كي لا أموت في الجدية.

الساعة: أنتم تهربون من الوقت، تختبئون بالجنون.

الطفل: (بهمس)  اللعبة انتهت… ولا أحد فاز.

المتنبي: الجنون هو المحكوم والمُحاكم في آنٍ معًا.

العسكري: وربما نحن السجناء وأيضًا الحراس.

الواعظ: هل ستبقى الأحكام قائمة؟ أم سنعيد كتابة القانون؟

الساعة: الوقت لن ينتظر إجابة.

  

المشهد الرابع | الصراع والاحتدام

وصف المكانغرفة مظلمة مع إضاءة زرقاء قاتمة وظلال ثقيلة تغمر الجدران، تعكس كآبة وضغطًا نفسيًا شديدًا. الصوت عالي، وكأن الجدران تضيق مع الصراع الداخلي.

 

المتنبي: (بصوت حاد) لماذا أنتم كأحجار على رقعة شطرنج؟ كلماتكم رصاص… والرصاص للحرب!

العسكري: (بغضب)  وكلماتك غيرت الحرب؟ أنا قاتل لأنني مجبر!

الواعظ: كنت أبحث عن خلاص… ووجدت العذاب.

المرآة: أنتم سجناء أنفسكم… وأنتم لا تعرفون.

الساعة: الجنون أن نصدق أننا أحرار!

الطفل: أريد أن أضحك وألعب فقط.

المتنبي: الضحك، هل هو مقاومة أم استسلام؟

العسكري: هو صرخة آخر مقاوم.

الواعظ: الصلاة صرخة صامتة.

المرآة: والانعكاس هو الحقيقة التي لا تُقال.

الساعة: والوقت لا يرحم من يفر منه.

الطفل: (ينظر للجميع) هل من من يسمعني؟

المتنبي: (ينظر إليه) الصراخ هنا… لا يصل سوى إلى صمت أكبر.

  

المشهد الخامس | دخول الزائر

وصف المكان: باب الغرفة مفتوح، ينساب ظل طويل من الضوء البارد على الأرض، دخان خفيف يملأ الهواء. الإضاءة تركز على الزائر بينما الشخصيات الأخرى في الظل، يخلق جوًا من الغموض والريبة.

 

الزائر: مساء الخير… جئت لأرى العقول التي لا تسكت. هل أنتم مستعدون للقاء الحقيقة؟

المتنبي: الحقيقة… ما نبحث عنه أو نهرب منه.

العسكري: ماذا تريد منا؟

الزائر: قصصكم، صرخاتكم، أحلامكم المكسورة.

الطفل: هل تسمعني؟ هل تفهمني؟

الزائر: كل صوت هنا له قيمة.

الواعظ: هل أنت حقًا من تدعي؟ أم أنك جزء من الجنون؟

الزائر: لا أعرف… هل أنا هنا أم هناك؟

الساعة: العد التنازلي بدأ!

المرآة: ها هو يذوب في عتمة عقولنا.

الزائر: هل أنتم مستعدون للنهاية؟ أم بداية جديدة؟

المتنبي: البداية في النهاية، والنهاية في الجنون.

العسكري: الحقيقة ليست سوى قناع جديد.

الواعظ: والصلاة… محاولة للفهم.

الطفل: واللعب… الخلاص أو الهروب.

  

المشهد السادس | التمرد والهروب

وصف المكانإضاءة متقطعة وسريعة التغير بين الأحمر والأزرق، مع دخان كثيف يملأ المكان، أصوات خطوات وأصوات الباب المعدني القوي تتعالى، تعكس الفوضى والتمرد.

 

العسكري: كفى صمتًا! يجب أن نخرج… ليس فقط من الغرفة… بل من هذا العقل!

المتنبي: الهروب من أنفسنا مستحيل.

المرآة: أنا انعكاسكم، سأكون حيثما ذهبتم.

الواعظ: الشفاء؟ كلمات من نار!

الساعة: الوقت ينفد… الأبواب تُغلق.

الطفل: أريد أن أركض في الحقل!

المتنبي: هل يفتح الجنون بابًا للخلاص؟

العسكري: أو بابًا لمزيد من الأسر؟

الواعظ: الصلاة تصبح همسًا في الفضاء.

المرآة: ونحن أسرى في ظل أنفسنا.

 (ينقسم الستة: العسكري، الطفل، الساعة يحاولون كسر الباب. المتنبي، الواعظ، المرآة يتجادلون.)

(صراخ، ضحك هستيري، ثم صمت رهيب)

 المرآة: (همس) لن يفتح الباب… لأننا نحن السجن.

الطفل: لماذا لا يرحل الجنون؟

الساعة: العقل لا يسكت… الصراخ آخر نداء

        ” ستــــــــــــــــــار ”

 

 

**اسماعيل العباسي/ العراق ـ  ديالى 2025

 

 

 

 

 

 

Related Articles

Back to top button