
بترقيم معياري دولي،صدر عن (دار الفنون والآداب) العراق / البصرة، للباحث المسرحي المغربي د. رشيد بلفقيه كتابا يحمل عنوان: “بلاغة الخطاب المسرحي”، الذي يقع في 360 صفحة من القطع الكبير.
قال المؤلّف د. رشيد بلفقيه ، في مقدمة كتابه :
“ وبعد، توسّعت الدراسات البلاغية في إطار البلاغة الجديدة، لتدرس الخطابات جميعها بتنوع أجناسها وأنماطها، حتى غدت موضة النقد المعاصر على حد تعبير أنطوان كازيي، إلا أن هذا التوسع لم يواكب الخطاب المسرحي بالشكل الذي يلائم حيويته وإنتاجه المضطرد، ممثلا في تزايد عدد المهرجانات المسرحية، واللقاءات النّقدية محليا ووطنياً وقطرياً، فظلت الدراسات في هذا الضرب من الإبداع قليلة، قلة تصل إلى النُّدرة عندما يتعلق الأمر بالعروض المسرحية ذات الطبيعة البصرية.
سعياً مّنا إلى تجاوز هذا النقص سنوظف في كتابنا هذا مقولات البلاغة الجديدة وعلومها التقليدية ممثلة في علوم البيان والمعاني والبديع لتحليل عروض مسرحية تحليلا بلاغيا بهدف استخراج معانيها المضمرة، والوقوف على مقصدياتها الإبلاغية والإقناعية، مؤطرين اشتغالنا بالتساؤل: “هل يمكن للبلاغة ذات المنشأ اللغوي (المكتوب والشفهي) أن تقارب متونا مختلفة خارج مجاليها الأثيرين أي الشعر والنثر؟ وماهي إمكانيات استغلال هذه المقاربة في تلقي وتأويل خطابات العروض المسرحية، ذات الطّبيعة البصرية والمُركّبة؟”.
بالتقدم في معالجة هذا السؤال، عنّت لنا أسئلة أخرى شكّلت الإجابات عنها أبرز محاور كتابنا ومباحثه، ومنها مثلا: ما هو وضع الخطاب المسرحي في الدراسات البلاغية الغربية، والعربية، والمغربية، وما هي أبرز الأسئلة التي تم الاشتغال عليها؟ وماهي أبرز ملامح تجديد الكتابة الدرامية في المسرح المغربي بوصفها مفهوما يمكّن من رصد تشكل المسرح المغربي وتحولاته؟ وما هي أبرز الخطابات المضمرة التي تحكمت في الرؤية الإخراجية، والسينوغرافية، والدراماتورجية للمسرح المغربي المعاصر؟ وأخيراً كيف يتجلى التوظيف البلاغي الحجاجي لأساليب البلاغة وعلومها في العرض المسرحي؟ وما هي أبرز الخطابات التي توجه دفّة الإبداع المسرحي المغربي المعاصر؟
لمعالجة هذه الأسئلة قسمنا كتابنا إلى بابين، قسمنا الأول منهما إلى ثلاثة فصول، تناولنا في الفصل الأول أبرز الدراسات البلاغية التي أثرت في مسار اشتغالنا، غربيا، وعربيا ثم مغربيا، وتلخّصت أبرز النتائج التي بلغناها في ختام هذا الفصل في أن الاهتمام بالنّص المسرحي ما يزال مهيمنا على الدرس النقدي البلاغي مغربيا وعربيا، لأسباب من أبرزها جدّة الاهتمام بالمجال البصري في الدرس البلاغي عموما، كما خلصنا إلى أن المقاربة البلاغية تفتح أمام تلقي العروض المسرحية آفاقا رحبة للتلقي والتأويل.
في الفصل الثاني رصدنا التشابه بين مسارات تحول البلاغة والسينوغرافيا من مجرد مكملات للتزيين والزخرفة إلى آليات وظيفية في الإبلاغ والإقناع، بعد أن استعرضنا محطات من مسار تحول فن السينوغرافيا من ممارسة تزيينية تقتصر على تأثيث الفضاء المسرحي إلى آلية إقناعية وظيفية لها خطابها الخاص، كما استعرضنا مسار توسع الدراماتورجيا بوصفها ممارسة مستحدثة تهتم بالعمل الفني كتابة وتلقيا وكيف انتقلت من الرؤية الضيقة للمنتوج المسرحي المحكومة بالنوايا الأيديولوجية إلى ممارسة موسعة تعنى بكل ما له علاقة بمسرحة النصوص، أما في الفصل الثالث من الباب الأول فتتّبعنا تشكل مفهوم الكتابة الدرامية في المسرح المغربي بوصفه مفهوما قادرا على إعطاء الرؤية الأقرب وضوحا عن نشأة المسرح المغربي ومسارات تشكّله وتطوّره، لأن رصد التغيرات التي مر بها يمكننا من تكوين فكرة عن مآلات التجريب في المسرح المغربي.
ثم خصصنا الباب الثاني لتحليل بعض العروض المغربية المعاصرة، فقسمناه إلى ثلاثة فصول اشتغلنا في الفصل الأول منه على العرض المسرحي “شجر مر” لمسرح أفروديت إخراج عبد المجيد الهواس، من خلال تقصي بلاغة الاستعارة وأثرها في تشييد عوالم العرض المسرحي الواقعية والتخييلية، ثم تتبعنا آثرها البلاغي في استدعاء الباتوس وتصوير آلام المعتقلين، ثم تتبعنا دور الوسائط في تشكيل الاستعارات في العرض المسرحي، وخلصنا إلى الأثر الجلي للبعد الاستعاري في بناء فضاءات العرض، وأثره في استدراج المتلقي إلى الانخراط في تلقي نشيط وفاعل للعرض المسرحي، مما يعزز من إمكانيات إقناعه وزيادة اقتناعه بخطاب العرض المدافع عن قضايا المعتقلين السياسيين بتزممارت.
في الفصل الثاني حللنا تحليلا بلاغيا العرض المسرحي “النمس” لفرقة المسرح المفتوح، إخراج أمين ناسور، وخلاله عقدنا مقارنة بين بناء الخطبة وبناء المسرحية بوصفهما آليتين لتمرير حجج معينة هدفها تحقيق إقناع المتلقي، كما قمنا بدراسة بلاغة السخرية وأثرها في البناء الدرامي للعرض المسرحي، ثــــــــم درسنا أثرها فـــــي بناء الشخصيات وحـــوارها، وختمنا
بدراسة أثرها البلاغي في بناء العالمين الواقعي والافتراضي أحداث العرض.
وأخيراً حللنا في فصل ثالث العرض المسرحي “بريندا” الذي اشتغل عليه شباب المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي ISADAC، وأخرجه أمين ساهل، وتحدد منهج اشتغالنا عليه في استخراج أثر الأساليب البلاغية في بناء عناصره، بدءا بدور أساليب علم البيان في تشكيل السينوغرافيا والبناء العام للفضاء المسرحي، ثم أساليب علم المعاني وأثرها في البناء الدرامي للعرض، وختمنا بأثر بعض أساليب البديع في العرض المسرحي، وفي بنائيه الدرامي والفني، ونشير في هذا السياق إلى أننا استعننا في تحليلنا للعروض، بالإضافة إلى المقاربة البلاغية الحجاجية، ببعض آليات التحليل الدراماتورجي بوصفها آليات تفكك العرض إلى عناصر قبل دراسته، وهو ما ساهم في إبراز البعد الحجاجي والإقناعي للدراماتورجيا أيضا، بوصفها آلية تنشغل بالبحث عن الآثار المحتملة للعرض المسرحي على المتلقي، وفي درجة تأثره بمضمونه ومقصدياته.
من أبرز التحديات المنهجية التي واجهتنا أثناء التحليل صعوبة القبض على تجليات الأساليب البلاغية الممتدة طيلة مشهد أو عرض مسرحي كامل، وعرضها على الورق، فكنا نكتفي بالتقاط صور وعرضها أحيانا مركبة للتعبير عن الفكرة المراد إيصالها، ومن أبرز الصعوبات التي واجهتنا كانت صعوبة الحصول على تسجيلات بجودة عالية للعديد من العروض المسرحية، خصوصا أن الفرق المسرحية في الغالب لا تهتم بالجانب التوثيقي لأعمالها الفنية، ولا تتحمس- بشكل ناجع- للتواصل مع الباحث المشتغل على أعمالها، فاكتفينا بالتسجيلات الموجودة على قناة الهيئة العربية للمسرح أو التسجيلات المنشورة على قنوات بعض الفرق المسرحية.
قبل الختم، ننوّه أنّ انتقاءنا لهذه التجارب المسرحية الثلاثة، والحقبة التي تنتمي إليها، لا يعبّر عن موقف إقصائي لبقية الحقب، ولا يعدّ إقرارا بموقف القطيعة مع التّجارب المسرحية التي ساهمت في تطور المسرح المغربي، إذ أننا لا ننكر إسهامها مجتمعة باختلاف مرجعياتها، ومقصدياتها، وأساليب اشتغالها في تشكّل قاعدة جماهيرية واسعة لأبي الفنون، فقناعتنا راسخة بأن المسرح هو نتاج مجهودات جماعية متواصلة يتداخل القشيب فيها بالتليد، ويتكامل الأكاديمي فيها بالفطري، كما يتمازج الكوميدي الهزلي فيها بالتراجيدي، ولا ينفصل الخط الملتزم فيها عن الاختيار الموسوم بالتجاري، ولا يستغني الاحتفالي فيها عن العُمّالي … إلخ، وصولا إلى ما تحقق للمسرح المعاصر مع الجيل الحالي، وما قد يتحقق لاحقا بفضل الجهود المستمرة للباحثين والمبدعين وغيرهم.
وفي الختام، نجزل الشكر الكبير لكل من كان سببا في اكتمال هذا العمل الذي نتمنى أن يكون محفزا للبلاغيين للاشتغال بشكل أكثر على العروض المسرحية سواء المغربية أو العربية، وأن يكون جسرا لتقريب المسافات بين النقد الأدبي والنقد المسرحي “.

تضمّن الكتاب المحتويات الآتية:
الباب الأول ــ البلاغة والخطاب المسرحي
الفصل الأول ( الخطاب المسرحي في الدراسات البلاغية) .
وقد اشتمل على :
1ـ النقد البلاغـــي للخطاب المسرحي في الدراسات الغربيـة
2 ـ الدراسات البلاغيــة العربية وإسهامها في تلقّـي الخطاب المسرحـي
3 ـ النقد البلاغـي للخطاب المسرحي في الدراسات البلاغية المغربية
الفصل الثاني (الدراماتورجيا والسينوغرافيا مسارات التوسع) … جاء فيه :
ـ الدراماتورجيا من الاختزال إلى التوسـع
ـ وظيفة السينوغرافيا: من الدور الزخرفي إلى الأثر الإقناعـي
الفصل الثالث (الكتابة الدرامية بالمغرب) الخصوصية، والتشكل وسمات التحول …. اشتمل على :
ـ الكتابة الدراميــــة: مسارات التشكل
ـ تحولات الكتابة الدرامية بالمغـرب
الباب الثاني ــ أثر الأساليب البلاغية في البناء الدرامي والسينوغرافي للعرض
الفصل الأول (بلاغة الاستعارة في “شجر مر) ــ جاء في هذا الفصل :
ـ تقديم العـــرض المسرحي.
ـ بلاغة الاستعارة وأثرها في بناء عــوالم العرض
ـ بلاغة الاستعارة وأثرها في تصوير آلام المعتقلين
ـ أثر الوسائط في تشكيل الاستعارات فـي العرض المسرحي
الفصل الثاني (بلاغة السخرية في الخطاب المسرحي) ….. وقد تضمن :
بلاغة السخرية في “النمــــس”
بلاغة السخرية وأثرها في البناء الدرامي العرض المسرحي
مرحلة الإيجــادl’invention
فساد الروابط الأسريــــة
فساد المشهــد السياسي
أسلوب المبالغـــة
أسلوب الكنايـة
أسلوب الاستـعارة
L’action أو الفعل على الخشبـة
بلاغة السخرية وأثرها في بناء الشخصيات وحوارهـــــــا
بلاغة السخرية وأثرها في الحوار الدرامي في العرض المسرحـــي
الوصف الكاريكاتوري للشخصيات والمواقـــف
المبالغة في لغة الجسد المرافقة للحوار
أثر أسلوب السخرية في بناء العالمين الواقعي والافتراضــي
الفصل الثالث (دور علم المعاني في بناء الجسد الفني)
عرض بريندا ــ تقديم العـرض المســـــــــرحي
دور أساليب علم البيان في تشكيل السينوغرافيا
أساليب علم البديع وأثرها في البناء الدرامي للعرض المــــــــسرحي
الجسد وخطاب الاحتجاج في العرض المسرحــــي
التمرد على الجسد وبالجسد
الجسد والإغـــــــراء
الجسد الراقص أسلوبا للمواجهة والرفض
وأخيرا ، يورد (د. رشيد بلفقيه) في خاتمة الكتاب ، هذه الخلاصة الفكرية :
كشف لنا التحليل البلاغي للعروض المسرحية التي اشتغلنا عليها الإمكانيات الكبيرة لهذه المقاربة في استخراج المقصديات الإقناعية للتركيبات البصرية لهذه العروض، وأبرز لنا أنّ أساليب إخراجها والبناء السينوغرافي لفضاءاتها باتا أكثر ميلا لاستحضار المجاز والمعنى البعيد، لما لهما من أثر في تكثيف دلالات عناصر بناء الديكور، والشخصيات، والحوار … إلخ، كما كشف لنا التحولات الكبيرة في الكتابة الدرامية بوصفها كتابة باتت تتبنى الرؤية المجازية لتنتج أعمالا فنية يهيمن عليها التلميح والتورية والإشارة والرمز، أكثر من التصريح والأساليب التقريرية المباشرة، استغلالا للقوة الإبلاغية لتلك الأساليب في تكثيف دلالات عناصر الفضاء الركحي.
أنتج التعدد الدلالي للعنصر نفسه (أكسسوار، شيء، حركة، صوت، تفصيل دقيق متكرر … إلخ)، أثرا إقناعيا مهما استُدرج بموجبه المتلقي للانخراط في تأويل المعروض عليه، بقصد إدراك مقصديات توظيف ذلك العنصر كلّ مرة، فكان هذا الإجراء أكثر قدرة على تحقيق الإشراك في بناء الخطاب، لقدرته على شحذ انتباه المتلقي وتركيزه من جهة، ولأن المعاني التي يستخلصها بنفسه، ووفقا لمداخله التأويلية تكون أقوى، وأكثر رسوخا من تلك التي تُقدّم له بشكل مُباشر.
وقد وقفنا من خلال تحليل عرض شجر مر على قدرة الاستعارة على مفاجأة المتفرج، ونقله داخل الفضاء نفسه إلى أماكن متعددة، كما وقفنا على دورها في جعل التصوير البياني مؤثرا في مشاعر المتلقين وعيا من المشتغلين على الأعمال الفنية من مخرجين، وسينوغرافيين، ودارماتورجيين، وممثلين، وفنيين … إلخ، بأهمية عنصر العواطف (الباتوس)، في استمالة المتفرج كلما تعلق الأمر بالقضايا ذات امتداد اجتماعي وإنساني (المعتقلين السياسيين- معتقلي الرأي-السجينات- قضايا الإرهاب- والمعتقدات البالية- … إلخ).
وفي تحليلنا للبناء الدرامي عرض النمس المسرحية استندنا على المقارنة بين عناصر بناء العرض المسرحي، وعناصر بناء الخطبة لما بينهما من تشابه، وأبرزنا كيف ساهمت السّخرية في جعل الحجج التي أوجدها المخرج وفريق العمل خلال مرحلة الإيجاد تُفكّك، ويعاد تركيبها بطريقة تضمن تقبلها أثناء تقديمها خلال مرحلة العرض، دون أن تشعر المتلقي أنها حجج تستهدف العبث بمسلماته وقناعاته، مستغلة أساليب التورية، والرمز، والاستعارة … إلخ، وهو ما جعل العديد من الاستراتيجيات الحجاجية تحقق وظيفتها الإقناعية دون أن تعلن عن نفسها بشكل صريح يستعدي قناعات المتلقي واختياراته، وبالإضافة إلى الأساليب البيانية والبديعية يهيمن توظيف أسلوب السخرية على العديد من التجارب المسرحية، ما يضفي على خطاب عروضها طابع الهزل والتفكه الظاهرين رغم جدية مضمونها وحساسيته، بوصفها عروضا تتخذ من قضايا يمتزج فيها السياسي بالاجتماعي، والديني والإنساني … إلخ متنا لها، دون أن تخلق فوارق بين تلك القضايا جميعها، بوصفها عوامل متفاعلة في إنتاج وعي المجتمع وأفراده، ودون أن تركّز على مجال واحد منها دون سواه، وهو ما يؤكد وعي المسرحيين المعاصرين في جل التجارب التي تطرقنا إليها بالدور الإصلاحي للمسرح بوصفه مجالا للنقاش المجتمعي، وليس فضاء للتسلية العابرة، ومما يجعل العروض ذاتها مثقلة بنفس حجاجي، وإقناعي تترافع من خلاله في قضايا متعددة أمام متلق متعدد، متغيرة مواقفه من تلك القضايا.
وقد برز أسلوب السّخرية بشكل خاص في تحديد المعالم الخارجية للشخصيات أثناء بنائها في بعض الأعمال المسرحية، من خلال تضخيم أعضاء معينة من جسمها أو تشويهها، أو تبئير بعض صفاتها الخلقية والمبالغة في تصويرها بشكل “غروتيسكي” ساخر جعلها تخلق مواقف كوميدية تسخر من الواقع ومن الظروف المحيطة بها، سخرية كانت سوداء في أحيان كثيرة، وقد لوّن الأسلوب الساخر الأساليب البيانية والبديعية الأخرى جميعها، وصيّرها في خدمة أغراضه، مما جعل الشخصيات في العديد من المواقف تصير علامة بلاغية ترمز لطبقة اجتماعية معينة، أو رمزا لثقافتها وأنماط تصرفاتها، أو سمة محددة لها، فأكسب أسلوب السخرية الاستراتيجيات الحجاجية، والحجج الموظفة لاستمالة المتلقين جاذبية كانت تعمل على جعلها أقرب إلى المتلقي، وأكثر فعالية في تحقيق إقناعه، وتأثر عرض الحجج بالأسلوب نفسه إذ تم بشكل يسعى لخلق هامش كوميدي مضحك رغم جدية خطابها، كما استفادت الحجج من كثافة الأسلوب وقدرته على التورية، والإيحاء، والانتقال من المعاني القريبة إلى معان أبعد بجعل المتلقي يُشغّل آلياته الاستدلالية، والتأويلية بغرض استخلاص المعاني مما جعله جزءا مهما في بناء خطاب العرض، والطرف الأهم في تفسيره، خصوصا وأن العديد من العروض اعتمدت على البياضات التي كانت تُترك للمتلقي لملئها وفقا لرؤيته، وصولا إلى ترك النهاية مفتوحة ليصوغها وفقا لتحليله الخاص لعناصر العرض.
برزت بلاغة الجسد في النقد المسرحي بوصفها امتدادا للأسئلة المرتبطة بمكون الجسد في الفن العربي عموما ذلك المكون الإشكالي الذي شغل المسرحيين، ومكنّهم من جعل المسرح، يحقّق اختلافه عن أصناف الفنون الأخرى، وقد برز لنا من خلال تحليل العروض المسرحية (بريندا Brenda) مثلا ما لخطاب الجسد من إمكانيات متعدّدة في التلقي والتأويل، بوصفه حاملا لخطاب حجاجي يدفع المتلقي ليغيّر مواقفه من خلال توظيف حركات الجسد، وسكناته، وأوضاعه المختلفة في التعبير عن الحالات النفسية للشخصيات، أو في المقارنة بينها بناء على مواصفاتها الجسدية الخارجية، أو في استغلال طاقته التعبيرية في إثارة نوازع التعاطف والشّفقة كما كان يحدث في مشاهد الانتحار بوصفه قضاء على الجسد، أو في مشاهد الاغتصاب بوصفه اعتداء عنيفا عليه … إلخ، كما برزت آثار أساليب علم البيان، وعلم المعاني، وعلم البديع، بوصفها أساليب تتخذ تمظهرات بصرية في علاقتها بالجسد كالتجانس في عرض الأجساد، أو الطباق في تركيبها في بعض المشاهد، والحذف والتقديم في تزيينها … إلخ، وهو ما منحه دورا حجاجيا، وعزّز حضوره في بناء الاستراتيجية الإقناعية متجاوزا بذلك الوظيفة التزيينية التي سادت في الأدبيات التقليدية المؤطّرة للبلاغة وأساليبها، ومن الطبيعي إن كانت هذه الأساليب ذات وظيفة حجاجية في بنية العرض أن تكون ذات وظيفة في إقناع المتلقي بالتعاطف مع القضية المطروحة في العرض، من خلال تبئير دور الوصف المؤثر، ولتروج بالإضافة إلى حركات الجسد وسكناته، خطابا ينتصر لقضايا مجتمعية لم يتجرأ المجتمع على إثارتها بقصد التحسيس بها لما يشوبها من حس
اسية تميز بشكل عام كل ما يتعلق بخطاب الجسد في الثقافتين العربية والإسلامية.



