مقالات

عبدالعزيز الحداد يمشي مخفورا بالمسرح ../ بقلم : يوسف الحمدان

من يقترب من روح الفنان الكويتي الاستثنائي عبدالعزيز الحداد ويلامس وهجها واشتعالات تجلياتها ، سيكون حتما في قلب المسرح من أقصى ذاكرته حتى أقاصي مخيلته ، فهو الفنان الذي جاب في كل أروقة ودهاليز وأفضية المسرح ، ممثلا ومخرجا ومؤلفا ومتفرجا ، حتى خبر كل تفاصيلها وصار صنوا لها ، وكما لو أنها وأنه ، المسرح في أقصى حالات تماهيهما ، فهو أشبه بكون مسرحي يختزل بكل تناقضاته وتجلياته وتضاداته وانسيابيته وانجرافاته وتفلتاته في ذات واحدة ، هي ذات الفنان عبدالعزيز الحداد ، حيث يمضي ويحمل أسلافه ورؤاه على عاتقه ، ولا يستقر به حال إلا إذا كان المستقر مرفأ لإبحار آخر قد تكون وجهته معروفة وقد تكون ، كما هي في الغالب لديه ، مجهولة ومبهمة ، المهم أن يكون هذا الإبحار رهن مغامرة دائبة ومحفزة على اكتشاف آخر وجديد تستريح لها ذات الفنان عبدالعزيز الحداد ، وتشكل من خلالها سفنا أخرى تمضي بجوار صواريها وأشرعتها مخيلة الحداد الخصبة الجامحة ، فالحداد يوشك أن يكون وحده في مسرحنا الخليجي الذي يطرق أبواب مسرحه ويصقلها ويصوغها بذهب مخيلته ، دون أن يتوسل أو يسأل أو ينشد من أحد رجوىَ تسعفه على إيجاد موقع له يملأ فيه فضاء فراغه ، فهو المسرح أينما حل أو ارتحل ، وهو الحداد ابن الحداد ، وهو الذهب أينما ذهب .


إن الحداد لا ينتظر إذنا من خشبة مسرحية أو من منتج أو من مهرجان كي يقدم عروضه المونودرامية التي تسري معه في دمه ، كما يسري الدم إلى قلبه ، فهو أينما حل يحل معه المسرح ، وهكذا أنا عرفته عن كثب ، قبل انطلاق أول مهرجان دولي للمونودراما في الفجيرة عام 2003 ، ولكني اقتربت منه أكثر وتمكنت إلى حد بعيد التعرف عليه ، مع انطلاق هذا المهرجان تحديدا ، حيث أنه وبعد أن قدم عرضه المونودرامي ( المهرج ) في مسرح الفجيرة ، واصل لعبة المشاركة الحميمة بينه وبين المتفرجين وساكني فندق الميرديان وقاصديه لقضاء الوقت ، من خلال استثمار استراحة ( سدوية ) صغيرة للضيافة تقع في جانب من بهو الفندق ، هيأها لهذه الإرتجالية المونودرامية ، وكانت الدعوة الأولى للجمهور المتفرق بين مقاعد البهو ومطاعمه ومقاهيه ، هي مقطوعة عالمية عزفها صديقه المصاحب لعرضه الفنان وعازف الكمان المبدع راشد جمعة ، لنلحظ في أقل من دقائق هذا الجمهور وهو يقبل متلهفا للإستماع إلى هذه المعزوفة ، وما هي إلا لحظات ليبدأ الحداد ارتجاليته المونودرامية بمصاحبة هذه المعزوفة في هذه الاستراحة ، وما إن بدأ الحداد هذه الإرتجالية حتى غص المكان بالجمهور، ليتجلى معه الحداد في هذه الارتجالية ، وليجد نفسه معها في لحظات تفاعلية فتحت بابا جميلا وخلاقا للحوار بينه وبين هذا الجمهور الذي تفاعل معه أكثر من تفاعل جمهور الخشبة .
هي ارتجالية ، ولكنها بمثابة عرض مونودرامي آخر يختلف تماما عن العرض الذي قدمه على الخشبة ، وإن ظل محتفظا بزي المهرج المسكين المغلوب على أمره تارة والساخر من الحياة كلها في تارات أخرى .
ولم ينته الأمر عند الحداد بانتهاء هذه الإرتجالية ، إنما امتد إلى أزمنة ومهرجانات وأسفار وارتحالات ومواقع أخرى ، فالمسرح أينما يمضي محمولا معه في حقيبة قماشية صغيرة وثلاجة يروي بها ضمأ روحه كلما اشتدت حرارة سواحل البحر ، ومخيلة مفتوحة على أفق لا حدود له ، إذ لا توجد جلسة تجمعنا مع الحداد إلا وكان المسرح أولها ، سواء كان ذلك في غرفته بالفندق الذي نسكن فيه ، أو على سواحل البحر أو في المجالس التي تستضيفنا ، ومن بينها مجلس الصديق الفنان جمال اللهو رئيس مهرجان الكويت الدولي للمونودراما ، بل أن المسرح موجودا مع الحداد حتى في حديثه اليومي العادي ، حيث لا يكف مشحاذه عن ابتكار مواقف طريفة هي من صنع مخيلته ، والتي في لحظة ما قد نجدها ونشاهدها عرضا مونودراميا مكتملا ، كما فعل مع بعض أغاني الزمن الجميل مثل ( ساكن قصادي ) أو غيرها ، والتي قدمها في مهرجانات عربية ، آخرها مهرجان ( قربة ) بتونس .


وللأسفار حكايا أخرى في زكيبة الحداد ، ولن أنسى ما حييت تجربته مع الممثلة ( إنجيلا ) ، لقيا سفره إلى إيطاليا ، والتي تعرف عليها في قطار ، وهناك تبدأ الرفقة ورحلة العرض المونودرامي الجديد ، إذ ما إن طلب من الحداد أن يقدم في مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما ورقة حول تجربته مع المونودراما ، حتى نفاجأ بعرض مغاير لما طلبت منه اللجنة التنظيمية ، ولنكون حينها أمام شاشة يعرض فيها الحداد رحلته إلى إيطاليا وتعرفه على أنجيلا الإيطالية ، لنفاجأ لحظتها أننا أمام عرض مونودرامي رائع وجديد ومغاير لكل ما شاهدته من قبل في عروض المونودراما ، حيث تقوم أنجيلا بأداء وتجسيد هذه الرحلة في حيز كرسي بذراعين ، من كراسي الحضور ، وكان أداء رائعا ولافتا حقا ، وقد تمكنت أنجيلا باستثمار هذا الحيز الذي لا يتجاوز القدمين إن لم يكن أقل ، لكل تكويناتها الحركية ورحلتها المختزلة في هذا الفضاء الضيق ، وقد تمكن الحداد وهي ،  من شد وجذب اهتمام الحضور على هذا العرض الذي تزاوج وتقاطع فيه فيلم الشاشة الوثائقي مع الأداء المسرحي لأنجيلا ، لتصبح هذه الندوة عرضا مسرحيا تجريبيا رائعا ، صار بمثابة إحدى أهم العروض المونودرامية التي قدمت في تلك الدورة بالفجيرة الدولي ، وهذه عادة الحداد ، مخاتلا جميلا في كل موقف ولحظة ، ولا يمكن أن يوجد إلا والمسرح بجبة مخيلته .
ويتمتع الحداد بخاصية فريدة ، ربما لا تتوفر إلا عند الندرة من الفنانين العرب ، فهو إذ يتقن أداء عروضه المونودرامية ضمن سياقات حداثية ، فهو في الوقت نفسه يعتبر أحد أهم من شاهدت أدائهم من الممثلين وهم في أدوار أخرى ، كالحكواتي الشعبي والراوي والممثل البانتومايم ، بجانب الممثل الرحال أو الجوال المصحوب بزاد تجربة السفر ، والممثل الذاكرة التي تبدو مجسدة في أدائه صوتا وملامحا وانفعالا ، وتبدو عكس ذلك حينما يخضعها لمخيلته المتوهجة ، وهو الممثل الصعلوك المكتنز بزاد خروجهم على كل الأعراف والقوانين ، وما أكثر ما يدهشنا الحداد بقدرته الفريدة على حفظ وأداء قصائدهم ، ولعل مونودراما الشاعر الكويتي الكفيف «فهد العسكر» من تأليفه وتمثيله وإخراجه ، لا تذهب بعيدا عن هذه الأجواء ، وهو المنتقي اللماح الذكي لأهم شخصيات نصوص المسرح العالمي ، ومن بينها ( طرطوف ) موليير الذي سيقدمه الحداد برؤية مختلفة وبلهجة أهل الكويت والخليج العربي ، وهو الممثل الذي تحتفي الأقراص الرقمية من خلال صوته الرخيم المتميز بأدوار ومسرحيات ترافقك في كل مكان ، سيارتك بيتك رفقتك .


ويعتبر الحداد من أكثر وأقدم الممثلين في مسرحنا الخليجي الذي قدم المونودراما بمختلف أنواعها وبمختلف أفضيتها والذي ساهم بالتعريف فيها في وطننا العربي وفي دول أخرى أجنبية خارجه ، وكان آخرها إخراجه لمونودراما «فريا: رسائل من الكويت» التي عرضت في مهرجان الكويت الدولي للمونودراما، وهي من تأليف هدى الشوا، وتمثيل الإنجليزية أليسون شان برايس .
لم يكن الحداد نتاج رحلة أدائية ارتجالية أو منظمة أو تجريبية أو مختبرة فحسب ، إنما هو أيضا نتاج ثقافة تراثية وحداثية ومعرفية عالمية غزيرة ، ونتاج تواصل واحتكاك حيين دائمين بالتجارب المسرحية العالمية ، يقصد أغلبها دون انتظار دعوة من هذه الجهة أو من تلك ، ونتاج دراسة ووعي رقميين أنتج من خلالهما وثائق مسرحية وأفلام ومسلسلات تليفزيونية ، وما أكثر اليوميات التي وثقها الحداد عبر كاميرته في هذه المهرجانات التي ذكرت ، وللحداد فضل علي لا أنساه ما حييت ، في تعريف بعض المسرحيين الآسيويين والأوربيين على بعض ما أكتب في مجال المسرح ، وعلى بعض ما أبديه من رأي أو ملاحظات على عروضهم في الندوات التطبيقية ، وعلى استضافتي بينهم في غرفته بفندق الضيوف ، لذا حسنا فعل الفنان جمال اللهو رئيس مهرجان الكويت الدولي للمونودراما ، عندما كرمه في أولى دورات هذا المهرجان ، وهو يستحق ذلك بجدارة .
إن ما كتبته في هذه السانحة ، كان من خلال سؤال وجهه لي الصديق الإعلامي الكويتي مفرح الشمري ، يطلب من خلاله رأيي في تجربة الفنان عبدالعزيز الحداد المونودرامية ، وكان ذلك في ندوة قدمتها رفق الصديق الفنان جمال ياقوت ، حول المونودراما وإشكالاتها في وطننا العربي ، عقدت على هامش مهرجان الكويت الدولي السادس للمونودراما ، وأزعم أني لم أوفه حقه بعد ، خاصة وأن الحداد لا يستقر في مكان ما كي تقتنص آخر ما قدمه ، فهو المسرح ، أينما تطأ قدماه يكون هناك مسرحا ..

Related Articles

أضف تعليقاً

Back to top button