الظلم ظلمات: قراءة في مسرحية (ظلمة) للكاتب العراقي (علي لفتة سعيد) / د. حيدر علي الاسدي

صدر للكاتب والروائي العراقي (علي لفتة سعيد) كتاب ” ظلمة : نصان لمسرحية واحدة” عن دار امجد للنشر والتوزيع في الأردن 2025 وهي تجربة مهمة للكاتب العراقي علي لفتة بان يخوض غمار الكتابة للمسرح بعد ان عرفناه روائياً متميزاً وكانت لديه تجربة مسرحية سابقة (المئذنة 2011) هذا النص المسرحي او لنقل الكتاب المسرحي تشكل بدقة عالية ابتداءً من تأثيث العتبة الأولى (المحيط) منذ الفضاء النصي (وتلوينه) بما يتسق مع المتن النصي وذلك برصد تشكلات هذا الفضاء مع الثيمات الفرعية للنص المسرحي عبر فضاء شكلي محسوس على المستوى السيكولوجي وحتى المادي فهو فضاء يمثل المكان ويمثل الحالة الشعورية الذاتية وبهذا يعقد المؤلف صلة تواصلية مع المتلقي عبر هذه التشكل الوجاهي العياني ليتحول من كماليته الهامشية الى فضاء دلالي. اذ ان (ظلمة) الغلاف عتبة موازية للموضوع، كما ان تأثيث الارشادات المسرحية اشبه بالمقطوعات السردية باذخة المفردة لأن مؤلف هذا النص المسرحي هو بالأصل سارد مميز وهذه الحمولة السردية مضمرة في قاموسه اللغوي الذي ينساب في حوارات شخصياته بهذا النص الذي يرتكز على الثنائيات ومنها ثنائية ( الحلم/ الواقع) ( الحياة/ الموت) بما تشتمل هذه الثنائيات من دلالة معبرة (حلم وحياة متقهقرة قلقة / الى ظلمة تشبه الموت كاتمة على الانفاس والمحيط) لذا يلجأ الكاتب الى أسلوب (طرح الأسئلة) على امتداد المسرحية وهي أسئلة وجودية تجترح من (فرضيات الواقع) الذي يسعى الكاتب لتعريته بهذا النص المسرحي عبر كمية النقد للنظام والحرب وكل ما يرهق الانسان ويجعله هامشياً، ويعكس ذلك التأثيث اللغوي مرجعيات سيكولوجية مترددة بين ثنائيات لونية (البياضات/ الظلمة) وكل ما تمثله هذه الدلالات من انحياز للإنسان لحريته ام احتجاجه على وضعه القائم ، مع ان جملة الحوارات في غالبيتها اتسمت بلغة سردية اكثر مما هو درامي مع الثراء اللغوي الكبير وعدم التكرار وهو ما يخلق حالة من المتعة خلال لحظة القراءة لهذا النص المسرحي ولكنه يشعرك في بعض مشاهد النص ان ثمة تراشق حواري لا يدفع بالفعل الدرامي للأمام لو تحول لعرض لكان خطابياً بامتياز فالنص المسرحي يختلف عن الاجناس الأخرى بانه كتب ليتحول الى عرض عياني يبنى على أساس الهرم التسلسلي للحدث الدرامي لا ان يبقى ساكناً او يتم تدوير احداثه دون نمو وتقدم ، ان ثنائيات المشاعر والمحيط تتحقق بكثرة بهذا النص المسرحي ولكنها تنبعث من دلالات موضوعاتية دافعة البياض ( الحب ، الخيال، المشاعر) الظلمة (الحجر/ القسوة / السوداوية) (الثواب الأبيض/ العباءة السوداء/ حقيبة سوداء/ نافذة سوداء/شوارعنا السود) كله تأثيث لوني للحديث عن أزمات الانسان وعلاقته بالوطن اذ ان ثيمة الوطن حاضرة بقوة بما يمثله هذا الوطن من فضاء عام لحياة الافراد واسئلتهم الوجودية الجوهرية وقوة كلمتهم وكرامتهم اذ ان قوة الكلمة وخطورتها تتمثل بفعل الاحتجاج الثقافي المقاوم : (مواجهة النظام بكلمة ومواجهة الإرهاب بكلمة) وعبر فضاء الوطن ترتكز كل سمات المقاومة ومحاولة اثبات الذات لشخوصه المسرحية : الظلمة (تنتقل من المقبرة بوصفها المكان الجغرافي الخاص في هذا الفضاء النصي الى العام/ الوطن بما يشتمل على تمظهرات اكبر لحياة الفرد) لذا يمكن رصد الثيمة المركزية التي يتأسس عليها فضاء النص المسرحي (ظلمة) من خلال : ( يحاصروننا لنكون في ظلمة دائمة حتى لا احد يرانا ولا احد يسمعنا ولا احد يصدق ما نقوله من كلمات…. الرابحون هم لأنهم عرفوا كيف يحرفون الكلم عن مواضعه/ ص33). النص ضاج بالاشتباك من حيث الظواهر المنتقدة ومن حيث البناء الإيجابي لهذه الظواهر لذا تتمفصل ثيمة (صراع الحقيقة والواقع /لعنة الحروب والأنظمة الفاسدة) ولأنه لا يخصص هذه الارتسامات القاسية فهو ينتقل بالأزمنة بما تتناسب مع الموضوع لذا يمكن ان نقول انها مسرحية احتجاج بفضاءات دستوبية يوظف خلالها الكاتب ببراعة لغوية مقولات حياتية وآيات قرآنية للدخول لمضامين الحياة من خلالها ويطرح مفاهيم جوهرية يتأسس عليها اصل الوجود والكيان البشري بخاصة ضمن فضاء (الوطن) بصورته المعاصرة (بما تتمظهر من مشكلات وازمات) هذه المفاهيم الجوهرية تقوم على فكرة البحث عن حرية الراي / مقاومة السلطة/ الاخر والاختلاف معه/ وغيرها، اشعر ان الكاتب أراد ان يقول الكثير بهذا النص القصير وهو ما يمكن ملاحظته عند قراءة هذا الكتاب المسرحي الممتع من حيث اللغة والأفكار الفرعية والثيمة المركزية لأنه يطرح موضوعات مهمة تتعلق بوجود الانسان ووعيه ومقاومته لكل من يريد مصادرة وجوده وحريته وذاته انه نص يتضمن صرخة احتجاج ضد النزعة الاستهلاكية العشوائية للتعامل مع الفرد على الجانب المثالي الروحي لا المادي، واحتجاج ضد محاولة تسليع ذات الفرد وتشيؤه. حاول المؤلف طرحها بصورة مباشرة احياناً واحايين بطريقة التساؤل الذي لا يخلو من الفلسفة وتحريض المتلقي لإعمال ذهنه لتفسير الدلالات التي توزعت عبر حوارات شخوصه المسرحية (علاء/ صلاح) سواء كانت هذه الدلالات منطلقة من رؤية حلمية او حتى واقعية فكلاهما يشيء الى الواقع المتناقض المزري الذي أراد المؤلف (علي لفتة سعيد) ان يعريه ويكشف عن مَسَاوِئُهُ. ولا يمكن للقارئ المنتج ان يغفل الحمولة الدلالية للظلمة ورمزية الخوف والمجهول والحزن والموت التي تتوزع كمفردات حية في هذه المجموعة (ظلمة) انها تحقيب زمني ممتد ومنفتح على جميع التأويلا.
* الدكتور حيدر علي الاسدي ( ناقد واكاديمي)




