“أعراس الدم” أو حين تهزم الذاكرة الواقع/ رشيد بلفقيه
تعد النصوص المسرحية للشاعر الإسباني “فيديريكو غارسيا لوركا” تجربة فنية إنسانية حبلى بالمجازات وبالاستعارات التي تصور معاناة الفرد مع واقعه، ومع التقاليد التي تفرضها عليه الجماعات الدينية أو العرقية التي ينتمي إليها، والتي تقيد حريته وترغمه إما على الرضوخ أو التمرد.
كما تعد تجربة مسرحية تضرب جذورها عميقا في التربة التي أنتجتها، لكن غصونها تطول لتعبُر الحدود، وتؤثر في ذوات إنسانية مغايرة، فتستعيرها لتعبّر بها عن معاناتها كلما شدّها الحنين إلى الأصول المشتركة للمأساة البشرية، فللمسرح، كما يرى بوسلهام الضعيف، “جذور منغرسة في الدم الإنساني، والإنسان كلما حنّ إلى صورته لابد له أن يرجع إلى المسرح، لأنه فن يتداخل فيه الأصل والفرع، المكتوب والشفوي، المقدس والمدنس، الصحو والعربدة، الحكمة والجنون. إنه باختصار فن خلق الخليقة”(1).
التزاما بهذا المهاد النظري المقتضب، يبدو أن الاشتغال الدراماتورجي في العرض المسرحي “عرس الدم”، الذي أخرجه ياسين أحجام بعد أن اقتبسه عن “أعراس الدم” للوركا، يقوم على تفكيك العمل الأصلي، وإعادة بنائه وفق رؤية تجريبية معاصرة تنهل من خلفيات معرفية وتجريبية وجمالية معاصرة ومتعددة، دون أن تخون روح النص الأصلي، فتعيد قراءة مأساة الشخصيات في نص لوركا بوصفها تجربة إنسانية لا تخص متلقيا معينا في زمن مخصص بعينه، ولا تقف عند جماعة معينة. كما تعيد في الوقت نفسه النظر في وجاهة الأجوبة التليدة التي قاومت حتمية التجدد، وتُخضعها للتأمل في زمن معاصر يتسم بالتوتر المزمن بين الأفراد والجماعات البشرية المهددة بالانزلاق نحو خطابات العزلة والانغلاق والدم.
تأطّرت البنية الدرامية للعرض المسرحي بأسئلة من قبيل ما الذي ينتصر في النهاية الحب أم القدر؟ وما الأقوى الشرف أم العاطفة؟ وما الذي يصمد أكثر الذاكرة المعطوبة وما تنوء به من دماء ورغبة في الثأر (نموذج الأم ماريا)؟ أم المستقبل وما يعد به من صفحات جديدة (نموذج الابن إميليو)؟ وفي الأخير ما الذي سيجذب شخوص العرض نداء القلب أم نداء العقل (نموذج الخطيبة أنخيلا وعشيقها القديم ليوناردو)؟

اعتمدت السينوغرافيا على مبدأ الاقتصاد البليغ في تأثيث الفضاء، إذ خلا الركح من الحشو والتكديس والإطناب المُخّلْ. فوظّفت الحذف الدّال، وتم تفجير الطاقة الدلالية لعناصر الديكور والأكسسورات المستعملة.
مثال ذلك الباب الكبير الذي احتل وسط الخشبة، في إشارة إلى مركزيته في مجرى الأحداث، وإلى تأثيره الفارق في تصعيد الحبكة وتأزيمها، فتعددت دلالاته ووظائفه بدءا بوظيفة المدخل الأول إلى عوالم العرض (عند انطلاق العرض يفتح لتدخل منه الشخصية)، ومنذ تلك اللحظة سيوظف مرة للخروج أو الدخول التزاما بمعناه التقريري، ثم سيوظف مرات أخرى بوصفه المكان الفاصل لتأكيد الحضور والبقاء أو للتلويح بالغياب النهائي (مشهد الزوجة وهي تعبره فرارا نحو حبيبها القديم)، كما أنه سيوظف بوصفه المكان الذي يحقق الوصل بين زمنين ومكانين أحدهما واقعي داخلي (زمن ومكان الحدث) والآخر متخيل وخارجي (أحداث قديمة او أحداث تقع خارجا)، كما غدا مؤشرا دالا على التغيير والتحول الحاد في مجريات الأحداث، إذ كلما فتح، كلما وقع تصعيد حاد في الحبكة.
وظف الباب بوصفه تناصا دقيقا مع صندوق بندورا أيضا، الصندوق الذي ما إن يفتح حتى يعم الخراب في البيت، وهو ما يبرزه قول الأم مخاطبة ابنها إميليو: “أجبني قبل أن يفتح هذا الباب، لأنني أخشى أن تفتح معه أبواب الجحيم”، وبهذا اكتسب العنصر الواحد دلالات متعددة.
على مستوى الألوان، هيمنت العتمة على الركح نتيجة اعتماد إضاءة خفيفة أو مركزة على شخصياته للإيحاء بالأجواء القاتمة التي تهمين على سردية العرض، مجسدةً طموح الواقعية النفسية للرؤية الإخراجية، فعكست الحزن والحيرة والحقد والحب المحرّم بوصفها أبرز المشاعر التي تحرك شخصياته الأربع، كما تم توظيف اللون الأسود، والطبقات المعتمة من بقية الألوان، لتعزيز هذا الإيحاء، بالإضافة إلى اللون البني الذي عبر عن الأرض في صورتها البكر خاليةً من كل إضافات، للتعبير-ربما- عن فصل العطش الكبير الذي ألم بها، وأوصلها إلى الجفاف الحاد في التفهم والحب والتواصل وتقبل الآخر، وفي إيحاء دال -أيضا-على استعدادها للبداية الجديدة العظيمة التي ستعلن في نهاية العرض بموت إيميليو وصديقه العاشق الخائن ليوناردو، يعزز هذا التأويل قول هذا الأخير جوابا على سؤال الأم له عن حال كرومهم:
-“الكرم … لقد نضج غير أنه ثقيل هذا العام، يبدو أن الأرض تعبت من حمله، لكن لا خيار لديها سوى أن تمنح ما لديه”. يصور ثقل الثمار، وتعب الأرض من حملها، ثقل الأسرار وتعب النفوس عن الاحتفاظ بها، وساعة الزفاف تقترب، بوصفها الساعة التي سيفقد فيها ليوناردو حبيبته السابقة للأبد، وستفقد الأم أملها في إقناع ابنها بعدم الزواج من خطيبته المنتمية إلى آل فيليكس ألدّ أعدائها.
بهذه التدابير -وغيرها- يتأكد أن “السينوغراف لا ينشئ مجرد خلفية بصرية؛ بل يخلق نصا دلاليا عبر الفضاء والألوان والإضاءة والأصوات، يحاور نصوص المؤدين والموسيقى(…)” (2) كما يرى الناقد خالد أمين، ويتأكد كذلك أن خطاب السينوغرافيا كان قويا ودالا رغم ميلها إلى الاقتصاد والاقتضاب.

عمدت الرؤية الإخراجية إلى إطلاق قوة الجسد التعبيرية حين كانت الكلمات تعجز عن نقل حجم التصاعد الدرامي في الأحداث، مستفيدة من تميز أداء الممثلين (3) وتفوقهم في الأداء على المستويين الفردي والجماعي، فالمسرح في النهاية لا يقتصر على الكلام وإلا صار منبرا للخطابة وسقط في الملل، بل نجده يسمو إلى كونه فنا للكتابة بالجسد دون خشية مجانبة الصواب، كما يقول سعيد الناجي (4)، مثال ذلك، أسلوب التعبير عن الصدمة العاطفية والانتقال من قمة الحب إلى قمة الكراهية في لحظة اكتشاف إميليو خيانة زوجته أنخيلا، وهربها من بيت الزوجية رفقة حبيبها القديم ليوناردو، حيث سيبرز السرير كبيرا وخاليا في وسط الخشبة أمام الباب مباشرة، في تعبير عن اقتراب الانتقال إلى مرحلة حاسمة، وخلفه كان بابلو الزوج المخدوع قابضا على ثوب زفاف زوجه الأبيض، كأنه يتشبث بآخر نتف تصوره البريء عنها، باحثا فيه عن رائحتها لكي يستبقيها معه أطول مدة ممكنة أو لكي يعثر فيه عن بقية من الأثر الأول لحبهما، قبل أن يطوح به في الفراغ بيأس من لم يحصل على الإجابات التي كان يتطلع إليها، ثم يبدأ في التحرك بجسده بشكل عشوائي في فراغ الغرفة، في إشارة إلى تخبطه في الفراغ الذي خلفه رحيلها، وإلى فقدانه للاتجاه بعد رحيل المحبوبة، التي كانت بالنسبة إليه الشيء المشرق الوحيد في وجه السواد الذي ظلت أمه تفرضه عليه، قبل أن يبدأ في مواجهة الحقيقة المؤلمة، لقد اختارت حبيبها القديم وتركته، ويدخل في محاورة أمه:
“الابن: هربت؟
الأم: لم تهرب منك … بل هربت إليه.
الابن: ليوناردو؟
الأم: ذلك الوغد.
الابن: (بنبرة تتغير من الضعف الشديد إلى الحقد الشديد) لا يمكن أن تمر الأمور بهذه البساطة، وكأنها لم تكن زوجتي، وكأنني لم أضع يدي على يدها وأعاهدها.
الأم: لم تكن زوجتك، كانت ضيفة، كانت جسدا بلا قلب، قلبها ظل عناك عند ذلك الوغد”.
تهيمن الحقيقة المرة على خطاب الأم، وتتكرر في نبرتها القوة الحاقدة المدمرة نفسها، بالإضافة إلى تكرر أوصاف بعينها في كلماتها سعيا منها إلى إحداث أكبر أثر على ابنها إميليو ودفعه إلى الثأر والانتقام، هو الذي يظل إلى حد تلك اللحظة متأرجحا بين قلبه وعقله، قبل أن يقتنع بخطابها أخيرا ويقرر خنق مشاعره والانتصار لخطاب الثأر، بعد أن أُريق دم عرضه بعد دم والده وأخيه على يد غريمهم التقليدي آل فيليكس، فالثأر كما ترى أمه ليس مجرد دم يسفك، ولا مجرد دم يمحى، بل هو لعنة تعبر الأجيال.
تجلت عملية نقل النص إلى البيئة المغربية والعربية عموما في توظيف الدارجة المغربية إلى جانب العربية الفصيحة في العديد من الحوارات، مما عبر عن رغبة في تجسير المساحة الفارغة بين العمل الفني، وبين متلقين جدد من عالم مختلف، وزمان مغاير، فكان الانتقال إلى اللسان الدارج اقترابا إلى أقصى حد من المتلقي في بيئته اللغوية الأقرب، لجذبه إلى عوالم العرض وإجباره على الإنصات إلى هموم الشخصيات ومقاسمتها هواجسها.
ويجعلنا التحول البطيء الذي أحدثه خطاب الأم وهي تستميل ابنها وتنقله من الاحساس بالانهزام والحزن إلى الرغبة في الثأر، نختم بالتنويه بقوة الحوارات المكتوبة بعناية والمؤدات باحترافية لا يمكن تجاهلها، وإلى أثرها الكبير في تغيير مواقف الشخصيات، وفي سعيها إلى ترك أثر نفسي قوي لدى المتلقي، يستمد قوته من المحافظة على النفس الشعري الشفيف في النص الأصلي للوركا.

ختاما،
انتصر خطاب الحب المحرم في نهاية العرض عندما اختارت أنخيلا حبيها السابق، وجر معه الثأر والدم والموت، لكنه جر معه أيضا أسئلة من قبيل أكان بالإمكان تجنب ما كان لو أن القلب اتسع قليلا لاحتواء الآخر كما هو؟ أو لو أن نداء العقل غلب؟ أكان بالإمكان تجنب حمام الدم تحت ذلك القمر الشاحب لو تحقق التواصل منذ البداية بين أولئك المتناحرين؟ أو أليس بالإمكان الآن -على الأقل- تجنب تكرير ما حدث ..
هوامش الدراسة
(1): بوسلهام الضعيف، المسرح ورشة مفتوحة، منشورات مسرح الشامات، ومؤسسة دار آفاق للدراسات والنشر والاتصال، ط2، سنة 2023، ص 67.
(2): خالد امين، السلطة والمعرفة في المسرح العربي: مراجعات ديكولونيالية، المركز الدولي لدراسات الفرجة، مركز جزيل للبحوث الثقافية، ط1، سنة 2025، ص200.
(3): شارك في العمل كل من قدس جندول، رضا بنعيم، جميلة الهوني، منصف قبري، سينوغرافيا وملابس ياسين الزاوي، مؤثرات صوتية خلاف الإدريسي، محافظة عامة وديع حامين، إدارة التواصل عبد الله عدوي، العلاقات العامة ياسين البوقمحي، تصوير ومونتاج عصام زروق، فوتوغرافيا عدنان عابيد، التنسيق اللوجيستيكي سعيد بكار، وقد العمل بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل قطاع الثقافة.
(4): سعيد الناجي، في النقد المسرحي، منشورات دار التوحيدي، ط1، سنة 2025، ص 30.



