الحراز” فُرجة متأصلة في التراث المغربي جَدَّدَها أمين ناسور/د. علي علاوي
” أريحوا النفوس فإنها تصدأ كما يصدأ الحديد “
ابن حزم – طوق الحمامة
إن فعل التجديد لا يعني بأي حال من الأحوال فعلَ إلغاء السابق، وإنما هو – فعل التجديد- فعل مجاوزة بالضرورة؛ وتعني المجاوزة هنا من بين ما تعنيه؛ أنها انخراط، وفهم بغاية الاستيعاب، ثم تطوير على شكل تجاوز، وهذا ما تعلمناه من درس هايدجر في الفلسفة؛ حينما رأى بأن تاريخ الفلسفة الغربية هو تاريخ نسيان السؤال عن الوجود، والتركيز في مقابل ذلك على سؤال الموجود…
يتغيا فعل التجديد إذن، في الفرجة المسرحية المغربية، التجاوز بما هو “براديغم” فني، خاصة في الفرجات التراثية، لأن التراث في المسرح المغربي والعربي عامة، هو آلية إنتاج، بينما في الفكر العربي نجده -التراث – يلعب دور العائق الإبستيمولوجي؛ لأن “التراث ليس ما نتركه في الماضي، بل ما يقبل علينا من جهة المستقبل” كما يخبرنا هايدجر.
بهذا المعنى يحق لنا أن نأخذ مفهوم المجاوزة في المسرح بدلالة التجديد، وليس من زاوية إعادة قراءة التراث بُغية تبديد إشكاليته، أو تقويض منطلقاته ونتائجه. بيد أننا لا نرى أي مانع في القادم من الدراسات في التعامل مع المظان الفرجوي corpus spectaculaires التراثي بالغايتين؛ أي إما مجاوزة، وهذا يحتاج إلى عُدة مفاهيمية وفكرية، أو نتعامل معه معاملة التجديد، وهذه تحتاج إلى تقنيات فنية جمالية، وهو حاصل الحال في العرض المسرحي “الحراز” بعدّه منجزا فنيا قدمته فرقة الكواليس للفن والثقافة بالرباط، من تشخيص: زكريا البوعناني، هاجر المسناوي، نهال سلامة، ندى عبلة، حمزة عارف، ريم مرمري، خولة الشليح، سعد اللبازي، آية التازي، عدنان قونين، عثمان الحياويين، محمد غايطي، نهيلة سريبت، حمزة زاهد، أسماء لامين، بومهدي علي. الديكور: أميمة بلامين. ملابس: ابتسام المختازي. الصوت: هبة حاتيمي. الإضاءة: غسان الباز. المسؤول عنها: عبد الرزاق أيت باها. الإعداد والإخراج: أمين ناسور. إشراف عام: لطيفة أحرار.
لعل من شاهد عرض “الحراز” سيشهد بأنه رغبة جامحة في تجسير الهوة بين الجيل الحالي وتراثه، بل قد يتجاوز كل هذا إلى تَظْهير Emergence الجمال، عبر فرجة التراث وأي فرجة! إنها الملحون.
جاء على لسان إحدى شخصيات العرض: “غادي نقدم لكم فن الملحون، ولكن بالطريقة ديالنا”. وفي هذا القول دلالة بأن ما سيُقَدَّم هو مُجاوَزةٌ لما تم تقديمه، ليس نسخًا له، ولا تكرارًا منسوخًا ليغدو ممسوخًا وذلك على حد تعبير أفلاطون “simulacre ” أي صورة مشوهة، ولكنه غير ذلك تماما إنه دعوى للاحتفاء بالتراث والاحتفال به.
لن أستعرض هنا تعريفات الملحون ولا أهم ما قيل عنه في الدراسات والبحوث، وذلك تزكية لإحدى الحوارات في العرض: “ليبغى يقرا، يمشي لكتوبا ولا جوجل”. وإنما لا بأس في ما نخال أن نتطرق لأهم مواضيع الملحون لكي نُشرعن لموضوع عرض “الحراز”.
إن مواضيع فن الملحون متنوعة ومتعددة، مثلاً يقول الباحث المغربي محمد الفاسي في “موضوعات فن الملحون”: إن شعراء الملحون نظموا الشعر في الخمريات والحكم والمدح والهجاء والرِّثاء. ومن المواضيع التي يتفرد بها الملحون أن شعراءه نظموا في مواضيع لم توجد في الشعر العربي القديم، أو أن الإنتاج كان فيها ضئيلًا وضعيفًا، كما يضيف الباحث. ومن هذا النوع نجد الألعاب التي كانت تجري بفاس ومراكش أيام عيد الأضحى، والتي تسمى الفرّاجة، حيث تعرض روايات هزلية يقوم بتمثيلها أشخاص معروفون بإتقان أدوار خاصة، وهذا النوع الأدبي يسمى عندهم الترجمة. والمواضيع التي يطرقونها متنوعة، لكن أكثرها هو ما يسمى الحراز، حيث يصورون شخصًا يحب امرأة ويحاول الاتصال بها، فيأتي في صور مختلفة.
لقد جاء في العرض العاشق محمود هو وأصحابه على شكل شيخات أو فقهاء.. ليحصل على ثقة زوجها الذي يمنعها ويُحرزها في الحِرْز؛ أي المكان الحصين، لذلك يُسمى الحراز الذي يصدّه ولا يترك له مجالًا حتى يوفق إلى المجيء في صورة ينخدع فيها، فيتوصل العاشق إلى مرغوبه.
وإذا كان العرض المسرحي “الحراز” قد متح نصه من قصيدة الحراز، فما هي الدلالة الفنية والجمالية التي أضافها المخرج وفريق العمل؟
إن قصيدة “الحراز” كتبها الشاعر المكي بن القرشي الأزموري (1844 _1916) والذي عاش في القرن19، كان يمتهن مهنة الخياطة وأصيب بالعمى في الهزيع الأخير من حياته. وهذه القصيدة عبارة عن قصة حب بين العاشق وعويشة، والمانع بينهما هو الحراز؛ بهذا المعنى نجد موضوع القصيدة يتلاءم مع جميع الأجيال، لأن موضوعها هو الحب و “للحب وحده أن يتولى القضاء فالحب يبدع ويجحد نفسه فيما يبدع” على حد تعبير نيتشه، بهذا المعنى إن موضوع القصيدة لن يستهلك.
لا يغيب عن علم الكائن البشري، أن قصص الحب الخالدة، هي التي لم تكتمل أو اعتور طريق سيرها العادي تحطمٌ على صخرة المنع أو الرفض من قوى خارجية؛ إما بسبب سلطة دينية، أو تِعلة سياسية، أو قهر اجتماعي… وذلك على نحو ما نحن واجدوه في قصص من قبيل: “أبيلار وهيلويز”، “روميو وجوليت ” “قيس وليلى”، “إيسلي وتسليت”…
وبالأوبة إلى عرض “الحراز” فلا مانع لدى أي ناقد أو قارئ لعرض ما، أن يبدأ من العنوان بعدّه عتبة الفهم، ودليلا ظاهرا لإغواء المتفرج والتغرير به، لمشاهدة العرض، ومعلوم كذلك أن العنوان هو تكثيف لسيرورة الاحتمالات الجمالية، التي يتم تظهيرها عبر الدلالات المسموعة والمرئية في العرض.
يدل “الحراز” في اللسان العربي على معاني متعددة ومتقاربة، مدارها على الحفظ والصيانة والمنع؛ وهو مصدر من الفعل حَرَز، وهذا ما منح القصيدة بعدًا دراميًا، والسبب نفسه حمل عبد السلام الشرايبي والطيب الصديقي قبلا العمل عليها، وبعديا جاء الأستاذ أمين ناسور بتصور مائز عما سبق. وذلك من خلال أن المخرج ناسور حاول الاستعانة بتقنيات جديدة، سواء أتعلق الأمر بلعب الممثل، لقد وجدنا بأن الحراز يُشخَّص بطريقة “أرلوكانية” – والتي بالمناسبة أجد أن المخرج كذلك أعطى مساحة طويلة عريضة لكل الطاقات بغاية تفجيرها – أم بالانفتاح على الفولكلور من حيث تنويع وتداخل الرقص الإيقاعي والحركي.
وإلى جانب هذا كله، نجد العرض انفتح على “الريبيرتوار” الغنائي الشعبي من “عيوط” و”غيوان” و”ملحون”. نقطة أخرى تُحسب لرؤية المخرج وهي التوليف بين الإضاءة والملابس وقطع الديكور، بحيث إن لا شيء مجانٍ. يُفهم بأن العرض جاء متكاملا ومتناغما في الدلالتين؛ أي الدلالة المسموعة والدلالة المرئية، كما أن تصور اللعب المسرحي تبلور انطلاقا من “لفراجة” الملحون التي تجمع بين التهكم والسخرية، لذلك تبدو كل تلك الحوارات القصيرة، والفسح المضحكة، مبررة ولها مسوغ جمالي يتجلى في أن ما يشخص هو “فراجة” مستوحاة من الفرجات الشعبية المغربية والتي تظل الحلقة نموذجها الأعلى الذي يحتذى به في هذا الباب.

لقد نهض اللعب المسرحي على قدرات مدهشة للمثليين، هذا مع العلم أن العرض من تشخيص خريجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، ولكنه عبور جميل -لهؤلاء الفنانين المستقبليين- من البوابة الكبيرة، لأنك تشعر بأن هناك مخرجًا pédagogue وراء تشكيل هذه اللوحة الفنية الجميلة، الزاخرة بمعطيات تراثية غايتها إمتاع المشاهد ومؤانسته، وأيضًا خلق نوع من الألفة بين ما أبدعه الرواد وما سمع به هذا الجيل الحالي.
ولتدليل هذا المعنى لابد من الإشارة إلى أن للمسرح دورا أيضا في نوع من الترفيه والتسلية، ومرد ذلك إلى النظر الميتافيزيقي الذي يحصر الفعل الجمالي ويختزله في اللذة الحسية للسمع والبصر، وهو طرح جمالي كذلك، وليس لأحد المقدرة على إنكار هذا النظر، اللّهم أولئك الذين يجدون المتعة المولّدة من الفن وهي متعة غير مختزلة في الذائقة الحسية، بل تتجاوز كل هذا إلى الذائقة الفكرية التأملية، لذلك يحسبون على المسرح وفرجته غاية الفكر والسؤال والإستشكال. بيد أن عرض “الحراز” كان وفيا لغايته ولتظهير أبعاده، وفق وازع ومقدار رؤيته المتجلية في “لفراجة”، الجالبة للمتعة، والمحتفية بشكل فرجوي تراثي مغربي صرف، وكفى، إذن غاية عرض الحراز هي تقديم “لفراجة”.
إن الممثلين صراحة كانوا برعاء، وتنوع أجسادهم وخامات أصواتهم أعطى للعرض دفئًا، وترجموا واقعيا صورة المخرج، التي ليست هي نظرة خارجة عن التراث ولا عن فكرة “الحراز”، وإنما هي نظرة مكتنزة بمعرفة دقيقة للتراث المغربي الفرجوي، كما أن تجربة المخرج في التعامل مع الفرجة في الأماكن المفتوحة أسعفته في التعامل مع هذا الكم الهائل من الممثلين، وتأطير انسياب طاقتهم الهائلة من عزف ورقص وغناء ولعب حر، لكنه موعى بحدوده. لا نقول إن التشخيص هو قطب الرحى في هذا العرض، وإنما هناك لمسات جمالية أخرى تجلت في الملابس التي جاءت دالة ومعبرة عن روح الحراز وفرجته، الإضاءة الدقيقة في التعامل مع اللوحات أيضا كان لها حضور قوي.
لقد تكاملت كل هذه العلامات الفنية الجمالية السابقة ذكرها، لتعطينا في النهاية سينوغرافيا وظيفية لها بعدها في استكمال الصورة البصرية للعرض، بما هو عمل إبداعي قائم على الدهشة الفعالة التي بدت طيلة مدة العرض ممتعة بصيغة الوضوح، والنأي عن الرموز، اللهم الاستقرار على متعة تشكيل اللوحات الراقصة، والتوزيع الصوتي وتناغمه في الأغاني، وتجديد بعضها، ومن خلال كذلك دمج الأنواع اللحنية، نِكاية في كل تفصيل أو فصل مادامت الموسيقى بكليتها تتغيا المتعة الحسية، رأينا هذا من خلال دمج موسيقى الملحون، بإيقاع وحركات الراب…

هذا، إذا اعتبرنا أن عرض “الحراز” هو بمثابة لوحة بصرية جمالية، فإنه يصدق عليها القول بأن اللوحة متعة بصرية، والعين نافذة الروح، على حد تعبير ميولوبونتي. ومعنى هذا فإن المخرج أمين ناسور لم ينقل فرجة التراث حرفيًا، لأن نقلها سيُعد في باب المكرور، وإنما فَعل فيها لتغدو لوحة بأبعاد فاتنة من خلال تنوع أجساد الممثلين وتناغم الحركات مع الإيقاع الصوتي والحركي، مجيبا بطريقة ذكية على أن العرض يستهدف المتعة الحسية في شكل متناغم وبدون رتابة في الإيقاع، ولا إفراط في الأشكال.
ختاما يحق لنا نعت هذا العرض بأنه سفر فني جمالي ماتع وذلك لما نطق به وتم تظهيره، وليس محاباة في صناعه وإنما هو رغبة من النقد نفسه أن يكون متنوعا بتنوع العروض فالنقد المنكفئ على شكل واحد متطابق مع ذات الناقد هو نقد ميت منذ الولادة، لأن هذا النقد “الهووي” لا يساهم في تقدم المسار التطوري للمسرح المغربي، ولا حتى النقد الذي يغرف من المدح يضيف لهذا المسار، بل إن النقد التأملي الذي يؤشر ليترك الأثر عند صانع العمل ومتلقيه هو ما يبدو لي إلى حدود اللحظة نافعا. ولتحقيق هذه الغاية على النقاد أولا تجريب آليات أخرى متنوعة منفتحة على مناهج نقدية والتعامل مع كل العروض بما هي غاية في ذاتها، وليس التوسل بانطباعات غالبا ما تكون معززة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي.
بالرجوع إلى قدرة المخرج ناسور على تجديد هذه الفرجة المغربية المتأصلة في التراث، أعرض شهادة المفكر والصديق خالد أمين: ” ترشدنا مرجعيات الجيل الجديد إلى ذلك الارتباط الوجداني بالأصول ولو عن طريق الانفصال المؤقت. أمثل لهذا القول بتجربة أمين ناسور الذي ما فتئ يؤكد أن العرض المسرحي هو نسيج لمكونين أساسيين، فكرة النص (وليس النص برمته) وأغنية أو موسيقى ملهمة متأثرا بالجماليات المسرحية الصديقية، في بداية مشواره الفني منذ تجربة الحراز في صيغتها الثانية”.
وأخيرا سؤال شخصي للصديق أمين ناسور: هل كنت ستعيد الحراز بطريقتك التي رأينا لو لم تكن مشاركا في عرضها مع الطيب الصديقي؟ وإذا كان الجواب بنعم فماذا عن رائعة سيدي قدور العلمي؟
بعض المراجع والمصادر:
- علي علاوي: “فلسفة المسرح نحو تفكيك آليات الفكر المسرحي العربي”
- خالد أمين:” بعض ملامح التأصيل والتحديث في المسرح المغربي”
- كارول تالون هيغون:” الجماليات”مصنف جماعي، تنسيق عبد العلي معزوز: “هايدجر اليوم”
- عبد الله كنون: “النبوغ المغربي في الأدب العربي”
- كمال عيد: “جماليات الفنون”
- محمد الفاسي: “موضوعات فن الملحون”
* الدكتور علي علاوي/ أستاذ المسرح وفلسفة الفن بالمعهد الوطني العالي للموسيقى والفن الكوريغرافي. بالرباط




