اخبار الفنونالأخبار

بمصر: اكتمال تجهيزات “ولادة من الموت” في القاهرة… / د. علي محمد سعيد 

عرض سوداني–مصري ينتظر لحظة الميلاد على الخشبة.

 

في القاهرة، المدينة التي عرفت المسرح منذ قرون وتحولت إلى فضاء يجمع الثقافات، يستعد الجمهور لموعد مختلف مع عرض “ولادة من الموت”. وتَعِد المسرحية بتقديم تجربة فكرية وفلسفية تسعى إلى إعادة طرح أسئلة الإنسان الكبرى على خشبة المسرح، بمشاركة مشتركة هي الأولى من نوعها بين فنانين سودانيين ومصريين في عمل واحد.

يضم فريق العمل أسماء لامعة تعكس ثقل التجربة، من بينهم الفنانة القديرة أميرة إدريس، والفنان الدكتور جمال سليمان، والفنانة المصرية بسمة، فيما تحضر النجمة انتصار محجوب (برين) كضيفة شرف. وقد صاغ النص الفنان التشكيلي العالمي خالد مرغيني، الذي انتقل بريشته من اللوحة إلى الخشبة ليكتب نصاً يمزج بين البصري والفكري. بينما أشرف على الجانب المعرفي والفلسفي الدكتور علي سعيد، وأضاف الفنان المصري العالمي أبوبكر شريف لمساته عبر الإضاءة التي تمنح العرض أبعاده البصرية، وشارك الفنان هشام كمال بالغناء والموسيقى. أما الجانب الإخراجي فيحمل توقيع الفنان زهير عبدالكريم، بمساعدة كل من ناصر كيخا والطيب السر، فيما يتولى التغطية الإعلامية كل من ياسر عركي وماجدة حسن.

المسرحية تدور حول رجل مولع بحب أمه إلى درجة قصوى تجعله غير قادر على رؤية أي امرأة أخرى في العالم، بل ورافضاً لفكرة العلاقة الجسدية في إطارها المبتذل. عبر الكتابة واستدعاء العرافة يدخل البطل في حوار داخلي يستحضر شخصيات أخرى، لتتحول الأحداث إلى رحلة ذهنية تبحث في العلاقة بين الروح والجسد، بين الذاكرة والواقع، وبين الحب كقيمة مطلقة والجسد كحد مؤقت.

المخرج زهير عبدالكريم يصف جوهر العمل قائلاً: “لسنا كائنات جسدية نمر بتجربة روحية، وإنما نحن كائنات روحية تمر بتجربة جسدية”. هذا التصور يلقي الضوء على الطابع الفلسفي للنص ويضع المتلقي أمام أسئلة وجودية أكثر من كونه أمام حكاية درامية تقليدية.

من داخل التجربة، يرى الدكتور جمال سليمان أن النص يفتح الباب للتأمل في هوية الإنسان قائلاً: “المسرحية تعيدنا إلى السؤال الجوهري: من نحن؟ أجساد عابرة أم أرواح تبحث عن الخلود؟”. أما الفنانة المصرية بسمة فاعتبرت مشاركتها مساحة استثنائية للغوص في الذات: “النص يمنحنا مساحة لنكون نحن، لا مجرد ممثلين… أشعر أنني أتنفس شخصيتي على الخشبة”.

هذا العمل لا يمكن النظر إليه بمعزل عن تاريخ التعاون الثقافي بين السودان ومصر. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، تشكلت جسور متبادلة بين التجربتين: فقد درس كثير من المسرحيين السودانيين في المعاهد المصرية وعادوا ليؤسسوا حركات مسرحية محلية متأثرة بالمدرسة المصرية، وفي المقابل حملت القاهرة كثيراً من أثر التجارب السودانية التي عُرضت على مسارحها وفتحت عيون المخرجين والكتاب المصريين على بيئات سردية وشخصيات جديدة . كانت هذه التبادلات بمثابة مختبر ثنائي الاتجاه، إذ كوّنت جيلاً من المبدعين السودانيين والمصريين على السواء، كل منهم أغنى الآخر وأعاد تشكيل أدواته وفقاً للتجربة المشتركة.

اليوم، يأتي “ولادة من الموت” ليعيد إحياء هذا الجسر الثقافي المتبادل، مؤكداً أن المسرح لا يزال قادراً على جمع المختلفين حول أسئلة واحدة، وأن الفن لا يقف عند حدود السياسة أو الجغرافيا. المسرحية، بعنوانها ومضمونها، تمثل ولادة جديدة لوعي مسرحي يطمح لأن يتجاوز الفكرة التقليدية للعرض الفني ليصبح مساحة للتأمل الفلسفي والحوار الإنساني.

ومع اكتمال التجهيزات النهائية، يظل الجمهور في القاهرة وخارجها في حالة ترقب وانتظار للحظة رفع الستار، حيث يأمل فريق العمل أن يقدم العرض إضافة نوعية إلى المشهد المسرحي العربي، وأن يفتح حواراً إنسانياً واسعاً حول كيفية مواجهة قسوة الواقع عبر الفن.

Related Articles

Back to top button