مقالات

انتشار التافهين في الفنون: بين فقدان الرسالة والتحولات المجتمعية/ رشيد بنطالب

مقدمة:

عرفت الفنون منذ نشأتها الأولى ارتباطاً عضوياً بواقع الإنسان، حيث كانت أداة للتعبير عن الهموم الفردية والجماعية، ووسيلة للتأثير في مسار التاريخ والسياسة. غير أنّ المشهد الفني المعاصر يشهد تحولات عميقة، أبرزها صعود ما يمكن تسميته بـ”ثقافة التفاهة”، حيث أصبح المشهد العام محتلاً من قبل أشخاص يفتقرون للموهبة والعمق، لكنهم يحظون بانتشار واسع بفضل آليات الإعلام الجديد. وهنا يُطرح سؤال جوهري: هل نريد بالفن أن يكرّس هذه النزعات الاستهلاكية العابرة، أم أن نعيد له رسالته الإصلاحية ودوره في بناء المجتمع؟

الفنون كأداة للتغيير عبر التاريخ:

منذ المسرح الإغريقي الذي كان يناقش قضايا العدالة والمصير الإنساني، مروراً بالشعر العربي الذي كان سجلاً للذاكرة الجمعية وصوتاً للقبيلة، وصولاً إلى المسرح السياسي في القرن العشرين الذي تصدى للديكتاتوريات، كانت الفنون حاملة لقوة رمزية هائلة. لم يكن دورها الترفيه فحسب، بل المشاركة الفعلية في صناعة الوعي العام.

في أوروبا مثلاً، لعبت الرواية والمسرح دوراً أساسياً في نقد الطبقات الحاكمة وبناء الفكر الديمقراطي.

في العالم العربي، كانت الأغنية الوطنية والشعر الثوري وقوداً للحركات التحررية.

هذه التجارب تؤكد أنّ الفن ليس ترفاً جمالياً فقط، بل أداة تغيير سياسي واجتماعي.

التحولات الراهنة: من الرسالة إلى الاستهلاك:

مع بروز وسائل التواصل الاجتماعي، تغيّرت معايير الانتشار والتأثير. لم يعد المشهد يُبنى على الجودة أو العمق، بل على “قابلية الانتشار”. أصبح النجاح يقاس بعدد المشاهدات والمتابعين، لا بعدد الأسئلة التي يثيرها العمل الفني ولا بقيمة الرسالة التي يحملها.

هكذا صعد “التافهون” إلى واجهة التأثير الفني. أشخاص بلا تجربة فنية أو فكرية، لكن بقدرة على استقطاب الانتباه عبر إثارة الجدل أو تقديم محتوى سطحي وسريع الهضم. وبذلك، تحوّل الفن من فضاء للإبداع والنقد إلى سوق للترفيه العابر.

مخاطر تكريس التفاهة:

هذا التحول يحمل خطراً مزدوجاً:

1. تفريغ الفنون من محتواها: لم تعد الأغنية أو المسرحية أو الفيلم تسعى إلى مساءلة الواقع، بل إلى مطابقة الذوق اللحظي للجمهور.

2. خلق نماذج زائفة للأجيال الجديدة: حين يرى الشباب أن الشهرة والنجاح لا تتطلبان سوى إثارة التفاهة، يغدو الإبداع والبحث عن العمق ضرباً من ضياع الوقت.

الفنون بين التكريس والإصلاح:

السؤال المطروح اليوم: ما الغاية من الفنون؟

إذا كانت الغاية تكريس الموجود، فإن صعود التافهين يعكس نجاحاً نسبياً لمنظومة الاستهلاك السريع.

أما إذا كانت الغاية الإصلاح والمشاركة في بناء مجتمع متوازن، فإن الوضع الراهن يمثل نكسة كبرى تستدعي المقاومة.

الفنون وُجدت لكي تطرح الأسئلة المزعجة، لكي تفتح أبواب النقاش حول قضايا الهوية والحرية والعدالة، ولكي تكون فضاء للشراكة في صياغة القيم المشتركة.

خاتمة:

إن البحث عن “التافهين” ونشرهم باسم الفن ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو انعكاس لتحول أعمق في القيم والمعايير المجتمعية. ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً في استعادة الدور الحقيقي للفنون: دور الإصلاح والتغيير والمساهمة في بناء الإنسان. فالتاريخ يشهد أن الفنون، مهما تراجعت أمام موجات التفاهة، قادرة دوماً على النهوض من جديد لتستعيد رسالتها الإنسانية.

Related Articles

Back to top button