نصوص

مسرحية ( مونودراما ) ” اطفائي ثيوس” / تأليف: علي عبد النبي الزيدي

المكان (غرفة في مبنى / مركز إطفاء الحرائق / فيها .. سرير نوم، هاتف أرضي،خوذ معلقة على الحائط خاصة برجال الإطفاء ، سجل كبير الحجم ، جرس إنذار يدوي معلق بحبل في وسط الغرفة ).

– الإطفائي (نائم على السرير بالملابس الخاصة برجال الإطفاء، سرعان ما ينهض على رنين الهاتف الأرضي،  يرفع السماعة .

الإطفائي: نعم .. تفضلوا ، نحن مركز إطفاء الحرائق ( يصغي ) نعم نعم، أين الانفجار في أي مكان ( يعيد سماعة الهاتف، يكتب العنوان في سجل كبير، يطلق الجرس بعد أن يجر الحبل الخاص به، يضع خوذته على رأسه بسرعة، يركض، نسمع حركة وأصوات سيارات الاطفاء … )

(( قطع )..  نفس المكان الأول…الإطفائي نائم على السرير، نسمع رنين الهاتف الأرضي ، ينهض فزعا، يرفع سماعة الهاتف).

الإطفائي: نعم نعم، تفضلوا .. معكم مركز إطفاء الحريق، أين الانفجار؟ في أي شارع؟ انفجاران في نفس المكان؟ يا ربي سترك ( يكتب العنوان في سجل كبير، يعيد سماعة الهاتف، يطلق الجرس بعد أن يجر الحبل الخاص به، يضع خوذته على رأسه بسرعة، يركض ،نسمع حركة وأصوات سيارات الإطفاء … )

(( قطع) نفس المكان الأول… الإطفائي يعود إلى سريره متعبا، يتمدد عليه بكامل ملابسه، نسمع رنين الهاتف الأرضي، ينهض فزعا) .

الإطفائي:( يرفع سماعة الهاتف ) نعم، أعلم .. أعلم جيدا ( يصرخ ) أين عنوان الانفجارات؟ تكلم بسرعة ( يصيح بتعب ) يا ربي عفوك ( يعيد سماعة الهاتف، يكتب العنوان في سجل كبير، يطلق الجرس بعدما يجر الحبل الخاص به، يضع خوذته على رأسه بسرعة، يركض، نسمع حركة وأصوات سيارات الإطفاء …)

(( قطع) نفس المكان الأول … الإطفائي يعود إلى الغرفة منهكا جدا وهو يجر نفسه بصعوبة، يتمدد بجسمه على السرير، نسمع صوت رنين الهاتف الأرضي، لا يكترث لصوته، يظل الهاتف يرن باستمرار، يدير الإطفائي وجهه وينام …( قطع )).

المكان ( فضاء المكان .. سطح بيت ينتشر عليه الكثير من الخشب مختلف الأحجام والأنواع، نرى بوضوح نهاية ( سلم ) من خشب يقف بشكل عمودي، خوذة، منشار يدوي، خرطوم ماء طويل جد ، وبعض الأدوات الخاصة بعمل الإطفائي.. )

(الإطفائي .. منهمك بعمل / سلم / طويل من الخشب، يمسك بيده مطرقة، يدق العديد من المسامير، يضع قطعة خشب ويثبتها بمسمار على نهاية السلم… نسمع أصوات متداخلة لحشود كثيرة من الناس لا نراها وهي معتصمة بالقرب من بيت ( الإطفائي )، ويبرز من بين الحشود صوت ( مكبرة صوت ) محمولة باليد ( انزل من السطح، أو نجعلك تنزل بالقوة، البيت محاصر، فاسق، منافق، كافر، زنديق … ) 

( الإطفائي  ينظر من أعلى سطح البيت إلى حشود الناس التي لا نراها، يشعر بالخوف، ولكنه يستمر بعمله، يدق أكثر من مسمار بقوة على خشبة، يتوقف، ينظر من أعلى السطح للحشود التي تحاصر بيته)

الإطفائي:) مع نفسه ) زنديق ؟! ( يضحك ) كيف أكون زنديقا وأنا أصلي في أوقات فراغي صلاة الحب، والركعة الواحدة منها كما يقول أبي تعادل ألف ركعة مما يعدّون (لحشود الناس) ما بكم؟ إنكم لا تعرفون ماذا فعلت كلمة حريق في شوارعكم وبيوتكم ومدارسكم وذكرياتكم وأحلامكم .. هي جهنم وقودها أنتم وأولادكم (يدق مسمارا آخر ) كل شيء هنا جهنم! كنت أعتقد بأنني يمكن أن أطفئ النار ولكنني اكتشفت متأخرا بأن جذرها ثابت في السماء! ( يصرخ بهم ) لقد تعبت من إطفاء حرائقكم ( يمسك خرطوم الماء ) فكلما يرن جرس الحرائق أذهب مسرعا لذاك الشارع حتى أطفئ ما تبقى منه، وما أن أنتهي حتى يرن جرس الحرائق مرة أخرى، فأذهب مسرعا مسرعا لشارع آخرحتى أطفئ شبح الموت الذي يتجول هناك، وما أن تتوقف النار فيه .. حتى يرن جرس الحرائق مرة أخرى، فأركضُ أركضُ باتجاه شارعٍ آخر .. لكي أطفئُ آخر النيران فيه، وأظل أطفئُ وأطفئُ ما تبقى من حرائق الوطن حتى مطلع الفجر ( يهدأ، يترك الخرطوم ) ولكن ( يبتسم ) ماذا تعني كلمة زنديق؟ ( يصيح في فضاء السطح ) يا رب … كلُ يومٍ هنا حرائق.. وكلُ ساعةٍ هنا حساب.. وكلُ لحظةٍ .. يوم قيامة!

( نسمع صوت عن طريق / مكبرة صوت / محمولة باليد ” اسكت زنديق، انزل من السطح، جبان، انزل أو نصعد إلى سطح البيت وندوسك بأقدامنا، فاسق، هذه آخر فرصه لك، سنعطيك مهلة لثلاثين دقيقة، وإذا لم تنزل سنستخدم معك القوة وقد أعذر من أنذر …”  

الإطفائي:)  لحشود الناس ) لن أنزل من سطح بيتي، هل فهمتم؟ لن أنزل حتى أكمل السلم !( مع نفسه ) ثلاثون دقيقة؟  ربما لن تكون كافية ( ينظر للحشود باستغراب ) أع ع ع… كل هؤلاء على واحد، نعم .. فأبي لا يقدر إلا على أمي.

( يقطع إحدى قطع الخشب بمنشار يدوي) مشكلتي الأساسية .. أعيش في زمن ليس بزمني، جلست صباحا ذات يوم فوجدتني مرتديا ملابس رجل إطفاء وبيدي خرطوم الماء وأطفئ حرائق لا أعرف مصدرها، أطفئ وأطفئ وأعود لبيتي كتلة من الدخان والسخام، حتى أن زوجتي كثيرا ما كانت تشتكي من كثر السخام الذي يغطي ملابسي ووجهي، وأسمعها تردد مع نفسها ” سخام يسخمني” ( يبتسم ) وبالمناسبة .. لو لم أكن رجل إطفاء لكنت الآن فيلسوفا ! ( يضحك ) أعرف بأن لا أحد يصدق هذا الموضوع ، لا يهم، سترون هذا الاطفائي الزنديق كما تقولون ماذا سيفعل !( ينظر من أعلى السطح، يشعر بالخوف، يشير إلى جهة أصوات الناس ) بيتي محاصر من كل الاتجاهات منذ سبعة أيام، قال لا إله إلا الله فقتلوه، هذا قدر الفلاسفة، لقد قلبوا الدنيا بصراخهم، وهم يرددون” يا اطفائي يا جبان .. يا عميل الأمريكان” ولا أعرف ما علاقة أمريكا بالموضوع، ولكن جاري يؤكد لي دائما “حتى عراك أطفال شارعنا المستمر مع بعضهم البعض سببه أمريكا” (يضحك بقوة ) جماعة يتهمونني بالزندقة والبعض الآخر يؤكد بأنني رجل فاسق، وبعضهم يقول بأنني كافر، والغريب أن جماعة دخلت في هذا الصراع لتقول بأنني أشرف مواطن في هذا الوطن. عجيب.. هل أنا فاسق وملحد أم رجل شريف ومؤمن ومواطن صالح؟ الموضوع يجب أن يحدد. لقد سمعت أحدهم يصرخ بقوة ويقول ” إنه علماني .. هل تعرفون ماذا يعني علماني”. فازداد الصراخ والصياح، فريق مزق ملابسه وفريق آخر أخذ يضرب رأسه بيديه، وفريق ثالث راح ينحب ويلطم .. وأنا أتفرج من بعيد وأحاول أن أتذكر ماذا تعني كلمة علماني! ( يضع قطعة خشب صغيرة على السلم، يدق مسمارا آخر عليها)  لم أفعل شيئا سوى أنني أردت أن أصعد على هذا السلم الطويل إلى السماء لكي أطفئ نار جهنم مصدر النار الحقيقية من أجلهم!! ( نسمع ضجة بين الحشود .. زنديق)  زنديق بعينكم؟ لو اشتغلت فيلسوفا لكان ذلك أفضل لي بكثير، ولكنني لا أعرف أين يمكن أن يعمل الفلاسفة؟ ربما هم عاطلون عن العمل ( يدق مسمارا آخر، ينظر لساعته اليدوية) أمامي أقل من نصف ساعة، عليّ أن أعمل بسرعة، سيصعدون السطح ويرمونني من فوق السلم، من يدافع عني؟ لا أحد ( يدق مسمارا على خشبة السلم ) لقد تهدّم الحب في بيتي، فزوجتي تركت البيت دون رجعة، يقال أن الأغلب من الفلاسفة تركتهم زوجاتهم. لا أحد يفهم ما سأقوم به لفائدة الوطن، كم أكره بروميثيوس الذي سرق النار من الآلهة وأعطاها للبشر، أكرهه بقوة ! وهو سبب رئيسي لهذه المشكلة ( يضحك) أحد السكارى جاءني قبل يومين في ساعة متأخرة من الليل، وقف في منتصف الشارع مترنحا وصرخ بي ( يقوم بتقليد شخصية السكير، يمسك بيده قنينة ماء) قالوا لي ستجد النبي نوح الجديد فوق سطح هذا البيت يشتغل على سلم طويل! هل أنت هو فعلا؟ ( يضحك ) هزلت والله .. هذا ما كان ينقصنا .. أنبياء في داخل الوطن! ولكن، أهذا وجه نبي؟ هل رأيت وجهك في المرآة أيها الرجل؟ انه يطرد الخير والبركة والسكر معا. ماذا يجري هنا؟ كل يوم يأتي أحدهم ليتحول الى نبي أو بطل عربي وقومي ومنقذ وسياسي شفاف، أما تخجل من نفسك؟ تريد أن تتحول من مواطن بائس الى نبي .. هل هذا زمن أنبياء؟ اسكت . نوح النبي قام ببناء سفينته من أجل أن تبقى هذه الدنيا التي لا شيء فيها سوى سخام الوجه، وانت تريد أيضا أن تقوم ببناء سلم طويل من الخشب لكي تصعد به الى السماء لتنقذ الوطن من سخام الوجه. ماذا سيتغير ونحن في عصر صدام الأفكار الدموي؟ ( يشرب من قنينة الماء ) مغشوش، كل شيء مغشوش في هذا الوطن.. حتى خمره، تحتسي خمس قناني من الخمر والعياذ بلله كأنك شربت قنينة واحدة( يتوقف على تقليد الرجل السكير) ماذا يمكن أن تقول لهذه الشريحة الدائخة من المجتمع؟ كيف تلتقي فلسفتي في انقاذ البشرية من الحرائق مع سكارى وما هم بسكارى؟ ( صارخا بالسكير ) نعم .. أريد أيها السكير أن أطفئ نار جهنم هناك في السماء، سأصعد على هذا السلم الطويل ومعي خرطوم الماء، أطفئ مصدر النار فينتهي عصر الخوف والحرائق والعبوات التي تريد أن تنسف ذكرياتنا، كل ذلك من أجل ان لا تحترق قلوب العاشقين في الوطن، فقلوبهم أترفُ ما يكون. لقد تغيرت أسماء الشوارع عندنا، ونسي الناس أسماءها الجميلة .. فتحولت من شارع الزيتون وشارع الورود وشارع الحب والعشاق .. الى شارع الجمعة الدامي، أو زقاق الأحد الأسود، أو منطقة حريق الأربعاء، أو بالقرب من بقايا سيارة انفجرت ( يرفع رأسه ) يا رب .. لماذا جعلت مني فيلسوفا وأنا لا أفهم حرفا واحدا من الفلسفة ودوختي بهذه الافكار، يا رب .. قلوبنا تحترق .. أوقف جهنمك في شوارعنا وبيوتنا وغرف نومنا الصغيرات، أوقفها من أجل أن ينام الصغار للحظة واحدة دون خوف، يارب .. أوقف نار جهنم في السماء لكي تتوقف النار في الأرض ، نريد الجنة فقط وأنت أرحم الراحمين. ( ضجة كبيرة من الحشود نسمعها كرد فعل مع نهاية جملته: أوووووو … ) ( يصرخ بهم ) اسكتوا. انقضى عمري في إطفاء حرائقكم، أنىّ تذهب تجد النار بانتظارك، ثلاثون ساعة في اليوم ليس سوى انفجار يسلم الراية لانفجار آخر، وعبوة ناسفة تأخذ تحية لعبوة ثانية، وأنا أطفئ وأطفئ … حتى عندما أنام لا أحلم إلا بالحرائق، وأطفئ نار أحلامي وأنا أشخر…( يصيح بالناس ) انكم لا تفهمون ماذا يعني أن تحترق ذكريات الناس، ويصبحون بلا ذاكرة ! سوى ذاكرة الحرائق، هل يمكن أن نكون قد خلقنا من نار وليس من طين؟! ( يهدأ ) مرة وجدت دفترا على رصيف شارع .. وقد احترقت أطرافه ( يأتي بالدفتر ) هو كل ما بقي من شاعر مجهول الإسم كما يبدو .. فقد التهمته نار سيارة مفخخة وهو يفكر بقصيدة جديدة …( يقلد طريقة إلقاء الشاعر لقصيدته وكأنه يقف وراء منبر .. يقرأ في الدفتر المحترق )

– أريدُ أن أنامَ لساعةٍ واحدةٍ دون رائحةِ بارود

أريد أن أحكي لأولادي وأحفادي قصة في آخر الليل .. ليس فيها بندقية

أريد أن اضحك بحجم الصواريخ التي أطلقوها على بيوتها .

أريد ببساطة .. أن أكون سعيدا بطول ساعات ليالي الحرب التي كنا نطلق الرصاص فيها من أول ليلة القدر حتى مطلع القتل ..

دون أن نعرف عدونا فيها ! ودون أن ندري بأنها سلام حتى مطلع الفجر ..

فقد مسحوا من قلوبنا السنابل والبلابل والهلاهل ،

وكتبوا على جدران مدارسنا :

)) وطن تشيده الجماجم والدم .. تتهدم الدنيا ولا يتهدم )) (1)

أريد أن أشطب من رأسي ذاكرة الحرب

حربٌ لا ناقة لنا فيها ولا نصف دجاجة .

حربُ وطنٍ لا يتذكرنا إلا  في حروبه

حربٌ أخذت كل الذكريات الحلوة مع أولادنا

أخذت لعبهم ، كراتهم ، ضحكاتهم ، طلباتهم وهمساتهم في تفاصيل بيوتنا .

أخذت “كاروك” (2) أحلامهم الصغيرة .. “كاروكهم” الـ .. كنا نملأه بالخرخاشات(3) والبالونات والحرز(4) .. خوفا عليهم من شر ما حسد

حربٌ أٌخذت أكتافنا التي طالما حملتهم صغارا

وكنا نحلم عندما يكبرون ونكبر سيحملوننا على أكتافهم .

وكنا نقيسهم عندما ينامون كم شبرا وصلوا

ونفرح لزغب شواربهم ، لطولهم ، لدورة عيونهم ،

لأسئلتهم عن كل شيء .. وما أحلاها .

أريد أن أحلم بعدد حروف الرسائل الغارقةِ بالعشق والأخطاء الاملائية التي كتبها الجنود لحبيباتهم .

أريد .. أن أشم دخان التبغ الملفوف بطيبة أبي

والمسك الفوّاح من ” شيلة “(5) أمي

من يعيدني لليلة واحدة كنت أتعشى فيها مع أخوتي الثمانية وسط الحوش .. قبل ان تطشّرنا الحروب الى قبورٍ وعشاءاتٍ متناثرة … ؟

أريد أن أخرج من بيتي وأعود إليه كما خرجت بكامل أطرافي …

يتوقف عن تقليد شخصية الشاعر) مات ( يهز يده ) يريد ان يعود الى بيته بكامل أطرافه ! وهو لم يبق منه سوى هذا الدفتر الذي وضعته فوق هذا السجل الكبير (يخرج سجلا كبيرا مبالغ بحجمه، مكتوب على غلافه” سجل الحرائق” يقلب صفحاته) وشتان بين هذا وذاك ( للناس ) بماذا يذكركم سجل الحرائق هذا، إنه يشبه سجل الموتى يوم القيامة، مكتوب فيه كل عناوين الحرائق .. شارع شارع وبيت بيت ومنطقة منطقة وزقاق زقاق وصوت صوت ونفس نفس ونبض نبض ووجع وجع، ومدون فيه كم من الأجساد احترقت وأنطفأت ووصلتُ إليها في الوقت الضائع .. وماتت … هذا السجل ( يرفع السجل ) شاهد عيان على رجل اسمه سالم، وهو اسم على غير مسمى كعادة الأسماء عندنا. سالم هذا كان يمسك ابنه الصغير محمد من يده وهو يمشي معه بحفظ الله، يمسكه بقوة خوفا أن يفلت من يده، وعندما حدث انفجار سيارة مفخخة بالقرب منهما .. ضاع محمد في زحام الدخان والصراخ والموت، أبو محمد وجد نفسه على الرصيف الآخر دون يد ابنه التي كان يمسكها بقوة .. ولكنه أخذ يضحك، يضحك بجنون، الناس كلها استغربت من ضحكه الذي ملأ الشارع …  ( يقلد شخصية أبو محمد بجنون) ( يضحك بجنون ) محمد، أين أنت؟ من منكم رأه أو شاهد ظله، قولوا له أن أباه يبحث عنه ولا يمكن أن يعود للبيت دونه، لأنني لن أجد أية كلمة يمكن أن أقولها لإمه التي تخاف عليه من الهواء، لقد تأخرنا عن البيت يا محمد ( يضحك ) هل يعقل أن تترك يد أبيك فارغة وتفلت منها، أم أنك وجدت الانفجار فرصة لكي تلعب بعيدا عن عينيّ ( يضحك ) عندما كنت صغيرا وأخرج مع أمي للسوق.. كنت أمسك بعباءتها ولا أفلت منها حتى أعود للبيت سالما ( يضحك بجنون ) لا يهم، سأنتظرك هنا للصبح يا محمد حتى تعود، وأنا على استعداد كامل أن أبقى لشهر أو سنة أو العمر كله بانتظار أن ترجع ليدي التي لن تسمح ليدك أن تفلت منها مرة أخرى ( يصيح ) وأنا على استعداد أيضا أن انتظرك هنا الى يوم القيامة …( يتوقف عن تقليد شخصية سالم أبو محمد) للعلم فقط  .. إن أبا محمد ظل يضحك ويضحك ويضحك إلى أن وجدوه ميتا من الضحك على رصيف الشارع ! ( يحكي  للحشود وهو يدق أكثر من مسمار) كان جدنا الأول يلتهم اللحم طازجا دون شواء، حياة ذلك الجد كانت هادئة جدا، ولكن جاء أحدهم وقلب حياته الى جحيم، ضرب حصى بحصى واكتشف النار، وهو لا يعلم ان نار هذه الحصى تحولت بعد ذلك الى مليار عبوة ناسفة نسفت أعمارنا وأحلامنا معا! ( يصيح بحشود الناس مشيرا الى السجل الكبير) هل أستمر بقراءة ما مكتوب في هذا السجل الكبير، سجلـّكم … ؟ أو تذهبون وتدعونني أكمل عملي، فالسلم طويل جدا ويحتاج الى عمل مستمر ( ينظر لساعته اليدوية ) لم يبق لي من المهلة ما يكفي، نصف الساعة  بدأت تنتهي (يغلق السجل، يضع بعض قطع الأخشاب على السلم، يدق أكثر من مسمار، تتبين معالم السلم أكثر) ( يصرخ ) لماذا لم يأخذوا موافقتي أن أكون انسانا أم لا؟ ربما كنت أفضّلُ أن أكون حمامة أو عصفورا أو حتى نملة، ما الذي يمنعني من أن أكون نملة؟ أو أو أو .. لـِــمَ لم يخيرونني في أي وطن تريد أن تولد على أقل تقدير؟ ( يتفحص حشود الناس ) أع ع ع ع ع.. الجماهير غاضبة، وعندما تغضب الجماهير سيقومون بنهب بيتي، بالرغم من أن بيتي لا شيء فيه يستحق النهب فزوجتي نهبت كل شيء. ( نسمع صوت من مكبرة الصوت اليدوية : زنديق … ) ( بهدوء ) زنديق بعينك وعين أبيك ( نسمع صوت من مكبرة الصوت: علماني … ) ( بهدوء ) علماني بعينك وبعين جدك … ( يخرج ورقة من جيبه، يضحك بقوة ) والله مشكلة، هو أنا أصلا لا أعرف ماذا تعني كلمة زنديق أو علماني، والكارثة طلقوا زوجتي من أجل هاتين الكلمتين، حتى أن أحدهم كان يصرخ بوجهي ويقول : أنت زندلماني، حلو والله، مزج الزنديق بالعلماني معا فصرت” زندلماني”( يرفع ورقة الطلاق ) هذه ورقة طلاقها، قالوا : شرعا طلقنا زوجتك لأن صارت محرمة عليك ( يضحك ) فأنا فاسق وصاحب ضلالة وزندلماني كما يقولون ( يتوقف عن الضحك ) طبعا لم أترك القضية وراء ظهري، حاولت أن أتحدث مع زوجتي برومانسية : ( يطرق باب غرفة زوجته الذي يتخيله، يتحدث معها من وراء الباب) افتحي الباب لكي نتحدث، ما بك؟ هذه ورقة طلاقك رموها بوجهي يا عمري، لا تصمتي، قولي شيئا، ارفضيها، قولي لهم إن هذا زوجي وحبيبي وسيظل هكذا وهو يصلي صلاة الحب وليس بزندلماني  ( يخرج من جيبة عقد الزواج ) هذا عقد زواجنا الشرعي، ما بكِ؟  تحدّثي لهم عن حبنا، ولا يمكن لكل أوراق طلاق الدنيا أن توقف هذا الحب، طلاقنا هو الموت يا روحي، لست بمحرّم عليك كما يقولون، أنا زوجك ووجودك معي في البيت ليس بزنا كما قالوا لك  لقد قبلت الزواج منك وقبلت الزواج بي، وانكحتني نفسك على سنة الله ورسوله، كيف يكون بقاءك معي زنا؟ هل يمكن أن ننسى تلك الليالي الجميلة وأنا أحكي لك فيها برومانسية عالية عن الحرائق التي أطفأتها، وعن الناس الذين احترقوا في الانفجارات، وعن السيارات الجميلة المفخخة. (يصرخ ، يضرب الباب بقوة ) افتحي الباب …  ( يتوقف ) ولكنها في آخر الأمر خرجت من البيت وانضمت للحشود التي تحاصر بيتي ( يضرب رأسه بيده ) قالوا أنت زنديق وطلقنا زوجتك على هذا الاساس ( يدق مسمارا في خشبة السلم بقوة )

مليون مهنه في الدنيا .. لماذا اخترت أن أكون رجل إطفاء؟ ما السبب القدري الذي جعلني أكون هكذا؟ وكان يمكن أن أكون فيلسوف هذا العصر ! أع ع ع ع ع .. كم كتابا قرأت، آلاف الكتب، أكوام من المجلدات، كتب لإفلوطين، وسقراط، وافلاطون  وابن خلدون وابن رشد  ووووو … أسماء كثيرة جدا. أكوام كتب .. ولكن بصراحة لم أفهم منها حرفا واحدا، تتداخل الأفكار في رأسي، وكلما أمسك بفكرة ما .. تطير الثانية . كل ما فهمته من هذه الكتب جملة أعجبتني تقول : الحياة إضحوكة .. طالما أبكتنا ! ( يتفحص السلم ، يدق مسمارا على خشبة )( يصرخ بالحشود ) من أنتم حتى تحرموا زوجتي عن قلبي الذي أحبها كثيرا؟ ( يهدأ، يدق أكثر من مسمار على خشبة أخرى)  أبي ربما كان فيلسوفا ولا يدري بنفسه وقد تأثرت بفلسفته الفطرية، قال لي مرة عن معادلة رياضية صعبة وهي: واحد زائد واحدة لا يساوي باثنين على الاطلاق، استغربت .. خمسون سنة راحت من عمري وكنت أعتقد أن واحدا زائد واحدة يساوي اثنين ولكن توضحت الفكرة الآن .. فالناتج يساوي واحد، واحد فقط، فالزوج واحد عندما يقتل في الحرب أو يحترق في انفجارات شوارعنا وتبقى الواحدة وهي الزوجة لوحدها مع شريط ذكرياتهما معا … ( مع الناس موضحا ) والله العظيم انا لست بفيلسوف ولاهم يحزنون، لماذا تريدون أن تصنعوا مني فيلسوفا وأنا لا أفهم سوى ان الماء تطفئ النار، صح .. ليس كل الناس تعرف هذه النتيجة الصعبة، ولكن الإنسان يتعلم، لذلك توصلت الى قرار وطني أن اطفئ نار جهنم في السماء وينتهي الأمر. ( يخرج مجموعة من الصحف واشرطة الفيديو ) أنا إطفائي عالمي، لقد شاركت بإطفاء حرائق 11 سبتمبر، وتحديدا في بناية البنتاغون، وهذه الأدلة ( يشير للصحف والأشرطة ) هم أرسلوا بطلبي وخجلت أن لا ألبي هذه الدعوة الإنسانية، وعندي الكثير من الصور في جيبي .. فالناس هنا لا يصدقون بمشاركتي الكونية ( يخرج الصور وهي لمجموعة من الاطفائيين الذين ساهموا بإطفاء حرائق 11 سبتمبر الشهيرة ) هذه الصورة، ولكن هناك أزمة تصديق، يقولون لي : كيف وصلت الى أمريكا بلمح البصر؟ وهل هذه مشكلة أمام إطفائيّ مسجل اسمه في سجل حرائق الإمم المتحدة ومنظمة العفو الدولي وصندوق النقد الدولي؟

ولهذا السبب كما أرى تردد الناس في اعتصامها أمام بيتي .. يا إطفائي يا جبان يا عميل الأمريكان ( صارخا بالحشود ) أنتم على قدر عقولكم الصغيرة، ولو لم تكونوا كذلك لحدثتكم عن مشاركتي الفاعلة والمؤثرة بإطفاء حرائق الدنيا كلها وبالصور والأدلة الدامغة التي لا تقبل الشك .. لقد شاركت بإطفاء حريق مدينة روما بعد ان أحرقها نيرون وظلت النيران مشتعلة لمدة اسبوع كامل .. وحصدت الأرواح والممتلكات وقضت على ثلثي روما، وبينما النيران تتصاعد والأجساد تحترق وسط صراخ الضحايا كان نيرون جالساً في برج مرتفع يتسلى بمنظر الحريق، لقد رأيته بهاتين العينين اللتين سيأكلهما الدود .. وسمعته أيضا وهو يغنى أشعار هوميروس التى يصف فيها حريق طروادة. اتركوا روما .. ناقلة النفط المكسيكية .. من أطفأها؟ من؟ قولوا أنتم .. لقد نزلتُ من طائرة أقلتني في وسط البحر الأبيض المتوسط او البحر الاحمر او ربما البحر الميت، لا أدري .. كنت على عجلة من أمري فلم أنتبه لشكل البحر، نزلت على متن السفينة وبيدي خرطوم الماء الطويل، والبحارة يستنجدون بي ويصرخون فرحين:  جاء إطفائي ثيوس العظيم جاء اطفائي ثيوس، ضربت النار بخرطوم الماء بضربة مائية قاضية وانتهى أمر النار نهائيا بعد أن كاد الحريق الكبير أن يقضي على السفينة المكسيكية المحملة بملايين الاطنان من النفط الخام، ولكن من يصدقك؟ ( يخرج صورة أخرى من جيبه، للحشود ) انظروا الى هذه الصورة لناقلة النفط العملاقة، وهذا أنا في وسط النار ( يشير الى نفسه في الصورة ) مثلا مثلا ..  الحرائق التي كادت أن تقضي على غابات استراليا بأكملها، من ساهم بإطفائها؟ سلوا حيوانات الغابة ماذا كانت تصيح عندما شاهدتني؟ ( يصيح ) اطفائي ثيوس قادم، يا صديق الحيوانات … وكانت تقصدني . مثلا  مثلا .. الحريق الذي التهم بناية مجلس الشعب المصري في القاهرة .. كنت أحد المساهمين بشكل فعلي بإطفائها … ( نسمع صوت من الحشود : أووووووووه … ) أوووووه … ؟ أنا أعلم جيدا إن اطفائي الحي لا يُطرب، ولكن للأمانة عندي بعض الأنصار، أخذوا يناصرونني بقضيتي العادلة وبعملي التأريخي الخاص باطفاء نار جهنم للأبد، طبعا هؤلاء من الطرف الآخر ( يبتسم بمكر ) يعني، طرف ليلي والعياذ بلله .. سكارى، قتلة، لصوص، مدمنون بشتى أنواع الحشيشيات، راقصات وووو … هم كلهم من أصحاب الكبائر ويريدون أن يدخلوا الجنة (يضحك ) إحدى النساء لا أعرفها .. جاءتني في وسط الليل، ويبدو من شكل ملابسها أنها تشتغل ما بعد منتصف الليل على باب الشيطان( يقلد الإطفائي طريقة كلام وحركات المرأة المومس) ( تصيح ) حبيبي، حبيبي الإطفائي .. ما أجملك؟ هل يعقل أن تدخل الجنة امرأة مثلي؟ قلبها وسخ وجسدها تحول الى قمامة، ولكن روحها مازالت تحلم بالطاهرة، الله يخليك، قل شيئا من أجل تُبرّد هذا القلب الذي شبع من نار منتصف الليل. أأنت حقا ستطفئ نار جهنم كما قالوا لي؟ المدينة كلها تتحدث عنك، لا أصدق، قل الحقيقة أرجوك، أرح قلبي فهو غارق بالوسواس الخناس، ماذا أفعل؟ زوجي قتل في الحرب، وتركني دون معيل مع أولادي، لا تسل في أي حرب قتل .. فأنا لا أتذكر شيئا من ذلك الوجع  .. الحرب الأولى أم الثانية أم الثالثة أم الرابعة .. العاشرة. لا أدري فعلا، فقد اختلطت علينا أسماء الحروب والهزائم التي لا تعد. ولكنك لم تقل لي .. هل أنت متأكد بأنك ستطفئ نار جهنم ؟ ( ترقص ) ما أروع ذلك، وأدخل الجنة دون حساب ولا كتاب ( تصرخ به ) قل لي ستدخلين الجنة أو لا تدخلين، حتى أستمر أو لا أستمر ( تبكي بقوة ) الله يخليك ..  دعني أساعدك، أحمل لك قطع الخشب، أدق المسامير على خشب السلم، لا تقل بأنك كاذب أيها الاطفائي الطيب، اذا كنت تكذب على الناس أعود لعملي ليلا وأعيل أطفالي الذين يعتقدون بأن أباهم مات شهيدا وهو يدافع عن شرفه المصون. ولا يدري بأن شرفه صار يشتغل في منتصف الليل .. حالي حال الكثير من النساء التي عاشت الهزائم في هذا الوطن (تصيح ) الجوع زوج سافل بن سافل …( يتوقف عن تقليد شخصية المومس )( يبتسم ) هذه واحدة من أنصاري الذين يعملون ويتعبون ويجاهدون ليلا من أجل لقمة شريفة يطعمون بها أفواه أولادهم، فالجوع كما تقول زوج سافل بن سافل … ( يدق مسمارا بمطرقته على خشبة أخرى ) لقد تعبت كثيرا، لسنة كاملة وأنا أشتغل على هذا السلم الطويل الذي يرتفع بشموخ الى السماء. ( يقوم بقطع بعض الاخشاب بمنشار يدوي ) كنت أسأل نفسي سؤالا محيرا .. ما الذي يدعوني المساهمة بإطفاء حرائق الشعب؟ ولا أملك الإجابة، أجدني أقف أمام تلك الحرائق قاطعا عشرات الكيلومترات ، ماسكا بقوة خرطوم الماء وأطفئ ولكنني أكتشفت متأخرا بأنني كلما أطفئ حريقا يشتعل آخر غيره! ( يشير للناس ) وهؤلاء يعتصمون بباب بيتي . ( ضجة كبيرة نسمعها من الحشود، كلمات، أصوات، صياح )  ( يدق مسمارا بخوف على قطعة خشب، يضرب اصبعه بالخطأ ) آخ خ خ .. من يتركك تشتغل بهدوء، كلهم يعملون ضدك، وينسون خدماتك الجليلة التي قدمتها لهم في اطفاء حرائقهم ( يصيح بالحشود ) ماذا تريدون؟ تحاصرون بيتي منذ سبعة أيام، هذا ليس بقصر رئاسي، بدلا من أن تقدموا لي الشكر لأنني سأخلـّصكم من نار الانفجارات الى الأبد تريدون قتلي بحجة أنني رجل زنديق ويا اطفائي يا جبان يا عميل الأمريكان. استحوا قليلا ( يتوقف، بألم ) لا شيء يدعوكم للاعتصام، تركتم اللصوص يسرقون خيراتكم وجئتم لهذا العبد الفقير المسكين، ووصل بكم الأمر أن تطلقوا زوجتي مني وبالقوة ( يهدأ ) استلمت هذه الورقة ( يخرج الورقة من جيبه ) من رجل نصف وجهه عبارة عن لحية طويلة جدا .. رماها بوجهي، مكتوب فيها : طلقنا زوجتك منك …( يقلد طريقة كلام الرجل صاحب ورقة الطلاق ) هذه ورقة طلاقك من زوجك، فانت محرّم عليها في الدنيا والآخرة، وعندما تموت لن تدفن في مقابر المسلمين، أنت خارج عن الدين وخارج عن القيم والاخلاق الحميدة والعفيفة والرشيدة. ما أقبح فعلتك يا رجل، جهنم التي تريد أن تطفئ نارها أعدت للكافرين والمعاندين والمشركين والسخفاء والمنحرفين، وأنت ببساطة تريد أن تُدخل من هب ودب الى الجنة، ألا لعنة الله على الجاهلين والمارقين.  لقد حرّمنا عليك زوجك، وأخذنا منك أولادك وبناتك فأنت كافر لا تؤمن بيوم القيامة والحساب (يصيح) أيها الناس إن هذا الرجل الإطفائي يريد أن يطفئ نار جهنم، وإذا فعلها .. كيف تقوم الساعة؟ وبماذا يعذب الله كل المنافقين والظالمين والملحدين والفاسقين إذا لم تكن هناك من جهنم؟ اللعنة عليك أيها الزنديق، اللعنة على نزواتك الدنيوية

( يتوقف عن تقليد شخصية الرجل صاحب ورقة الطلاق ) ( يردد كلماته ) نزواتك الدنيوية .. وهل أبقيتم لنا نزوات في الدنيا؟ كل شيء محرم علينا ومحلل عليكم، ولو كان بيدكم الهواء لمنعتموه عنا بحجة لا يجوز أن يتنفس المؤمن من نفس الهواء الذي يتنفسه عوام الناس ( يهز يده ) هل يعقل ان يطلق زوجتي لأنه يعتقد بأنني خارج عن الدين؟ ليس هذا فقط .. لقد هدروا دمي ! وقدمت عائلتي وعشيرتي ورقة براءة مني ولا أحد يرد السلام عليّ… ( ينظر للحشود التي تحاصر البيت ) أ ع ع ع ع ع … الحشود المعتصمة أمام باب بيتي بدأت تزداد أكثر، صارت ملحمة، إنهم ينصبون الخيام والمنابر. فالجماهير تطالب بحقوقها المغتصبة مني، سأضيعُ بين أقدامهم، وسيحرقون هذا السلم بعد سنة كاملة من العمل عليه ليل نهار .( يصرخ بهستيريا، يحمل بيده خرطوم الماء، يركض مسرعا )كل شيء يحترق … لا أرى أحدا من شدة الدخان سوى عزرائيل يبحث عن آخر الأنفاس في المكان، لا يهمه لمن تلك الأنفاس الأخيرة، قد تكون لطفل مازال يحتضن حقيبته المدرسية رغم الموت الذي يوزع الأكفان بلا  نقود .. يحتضن حقيبته لأنه يخاف أن يعود الى أهله دونها، فيسألونه : أين حقيبتك، لابد أنك نسيتها في المدرسة، هل يمكن لتلميذ جميل ان ينسى كتبه وأقلامه ودفاتره المدرسية هكذا ببساطة؟ ألم تفكر كيف ستذهب غدا دونها؟ وكيف ستنشد ( ينشد ):خرجت يوم العيد ….. بملبسي الجديد ( يتوقف ) ( يتحسر ) كنت أطفي البيوت قبل سنوات  ولكنني الآن أطفئ البيوت والشوارع والناس معا … ( الضجة تعلو اكثر في الخارج .. الإطفائي ينظر بخوف وارتباك ) أنا مواطن صالح حاولت بفضل قراءاتي للفلسفة التي لم أفهم حرفا منها .. أن أجد حلا ، ولا يمكن للحل أن يخرج عن سر مهنتي، هو نفس السلم ونفس خرطوم الماء، ولكنهما سيعملان على إطفاء النار الأصلية التي ترسل لنا حمم الانفجارات من السماء. ( يصرخ  بالناس ) ماذا سأضع في جيبي من صعودي السلم الى السماء سوى أن أجعلكم تعيشون بسلام، وتخلع النساء ثيابها السود وترتدي ثياب الفرح … ؟ ( حشود الناس التي لا نراها تقوم برميه بالحجارة والطماطم والبيض الفاسد، يحاول ان يتفادى ما يرمى عليه، ولكنه يصاب بالعديد منها ) اخ اخ اخ .. توقفوا أرجوكم، ما بكم؟ لست زنديقا، الزنديق الحقيقي هو بروميثيوس الذي جلب النار للأرض وجعلنا نكتوي بحريقها بحسب الأساطير الأغريقية التافهة، نحن نعيش الآن عصر الأساطير أيضا ( يستمرون بضربه .. يصرخ ) آخ آخ آخ … دعونا نتحاور قليلا، آخ آخ آخ … ( يقع أرضا، يتحسس الضربات بوجهه وجسمه، ينهض بصعوبة ) قبلتُ بالحجارة ( يشتم ) ولكننا لم نتفق على البيض الفاسد ( ينظف نفسه من بقايا البيض والطماطم ) يجب أن أسرع  الهجوم بدأ يشتد ( يتفحص السلم بحزم ) لم يبق سوى القليل وأصعد عليك أيها السلم باتجاه السماء لكي أطفئ نار جهنم، ستكون هناك جنة فقط، ستهدأ الشوارع وتغفو البيوت وسيحكي كل عاشق وعاشقة حكايا بحجم أحلامهم ( يصرخ بالناس) سترتدون الحرير والسندس والاستبرق وتدخلون الجنة التي يجري من تحتها الحب، ماذا تريدون أكثر؟ لا نار جهنم بعد اليوم ( تدب حركة وضجة عند حشود الناس، الإطفائي ينظر بخوف لحركة الناس، ينظر لساعته اليدوية ) انتهت مهلة نصف الساعة (بخوف ) الناس بدأت تتحرك باتجاهي، يجب أن أصعد …( يصيح ) كلُ يومٍ هنا حريق، وكلُ ساعةٍ هنا حساب، وكلُ لحظةٍ .. يوم قيامة !

( يظل الإطفائي يردد جملته الأخيرة، يرقص منتشيا، يقوم بارتداء خوذته وملابسه الخاصة بعمله، يمسك خرطوم الماء ويبدأ بالصعود على السلم بسرعة، يصعد ويصعد ويصعد، ومع صعوده تشتد حركة الناس وضجيجهم بقوة، الإطفائي يستمر بالصعود حتى يختفي تماما … ولكن المكان يمتلئ بالصراخ وأصوات مكبرات الصوت وسواها … )

 

( انتهت )

هوامش

1/ ” وطن تشيده الجمام والدم … ”  بيت من قصيدة للشاعر العراقي شفيق الكمالي كتبها في السبعينيات .

2/ “الكاروك ”   مفردة عامية تتداول في العراق ، وهو مهد الطفل الصغير .

3/ “الخرخاشة ”  مفردة عامية عراقية . وهي اداة تصدر أصواتا تثير انتباه الطفل الصغير .

4/ الحرز”  هي تعويذة تضعها بعض النساء تحت فراش الطفل الصغير، لإعتقادهن بأنها تحفظ أطفالهن من الحسد.

5/ “شيلة ” هي فوطة سوداء ترتديها الأمهات كبيرات السن .

 

علي عبد النبي الزيدي

كتبت صيف عام  2013

العراق – الناصرية ali_zaidi65@yahoo.com

 

Related Articles

أضف تعليقاً

Back to top button