مسرحية “الكيرة” بين سلطة النظام البطريركي و تجليات حداثة الوعي الواقعي/ إنجاز: د. الغزيوي بوعلي

وحدة اللغة والفكر
إذا كانت المسرحية الكيرة كنزا يؤرخ لذاكرة بشكل حداثي، فإن المخرج الخمار المريني تناول هذه الذاكرة بطرق مختلفة وبتحليلات سردية تتشرك مع التاريخ لأن الدعوة إلى الاسترجاع هو جدل تاريخي، يعني كينونة الوجود الانساني ويستبدل المحاكاة بالواقع الممكن، فالذاكرة ليست مجرد تداول كتابي أو شفوي، ولكنها تحتاج إلى تجربة تاريخانية التي ترغب في الحضر، والنبش في المسكوت عنه، لأنه رغبة في السعادة وقوة في بناء رؤية تنويرية التي تعمل على تحرير الانسان من التصوف والخرافات، كما تهدف الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالإنسان، والوجود، والمعرفة، ولكن فكرة التاريخ ستظل هي الجوهر والنذرة للحداثة التجريبية، فالمخرج يبحث في المعرفة التي تفترض لغة مشتركة بين الماضي والحاضر، أي بين الهامش والمركز لتكون بوابة المساءلة، والمحاكمة، فهذه النزعة الاعترافية، هي أساس التمسرح الذاتي، وإرادة متأصلة بقوة مع محاولة التنوير لتحرير الانسان من الماضي، ووفقا لرؤية المخرج فإن العرض هدفه هو نقد التمركز المنطقي الذي يبشر بالاستقرار، وتفكيك العلاقة الطبيعية مع الواقع، لهذا تصدى لهذه المبادئ الأولية لكي يبرهن عن هذا الغريب بأسلوب حداثي مؤثت بأجساد لا تنطوي على التقليد، بل عن الاستهزاء والتغريب، والسخرية، دون أن يتم اخضاع المرء لقوة خارجية، ففي العلاقة بين الزوجين يتشكل السؤال حول طبيعة الذات المحبة للآخر، بعدا تساميا ومقولة جمالية سيبني عليها المخرج صورة لما بعد، لأن الما بعد تقدم نفسها كرسائل تزعزع الهويات التي تسكن صلب الماضي، ومن خلالها يقول الممثل عزيز مشكور “أنا موجود ولماذا هذه التقاليد، وكيف لي أن أكون أنا وليس أنت”، فهذا النفي للحب، هو إمكانية توليدية لجواب نهائي لسؤال ما الحب؟ ومن أنا إزاء الآخر، وكيف أعيش حاضري دون الماضي، فهذه الأسئلة هي هوية الذات المتعالية التي فقدت قوتها التأسيسية كما تقول الممثلة “زينب النهري” فالتمثيل لهذه الأنا/أحب غير منفصلة عن الآخر، بالرغم من وظائف المجتمع المغلق، فأنا الروح وليس الجسد كما يقول الممثل “حميد شيبوب” وأنا الجوهر الخالد، وهذا المعنى الإخراجي أن الذات أصبحت موضوعا، فهي التي تتطور ضد قيود الواقع لتشكل الشغل الشاغل للإنسان، فهذه السيرورة الانفصالية ترشدنا عبر السرد الذي يقدمه الممثل “عبد القادر سمينة وسفيان أنغور” الذي يكون قادرا على فهم التجارب الماضية والحاضرة، ويقدم حصة الصراع بين طقس الماء، والحب بوصفهما طقس العقل البشري. تغدو عمليات التذكر كعنصر أساسي في بنية المتخيل المغربي، ويبدو أن المخرج “الخمار المريني” يناقش هذه الصدمة التي تسكن الإنسان ولا تسهم في تطور وعيه ولا تعيد فهمه للتاريخ الدرامي بوصفه جانبا من جوانب التملك والتسلط. مما يؤدي هذا الإجراء من التذكر وربط الصراع بالأحداث إلى الدوران حول البئر الذي يشكل الذات، والحياة والصوت السردي، وآلة دفاعية التي تحقق الوجود الإنساني وتسمح للشعور بالاستمرارية والثبات فوق الأرض.
ومن خلال هذا الطقس “الماء” الذي هو عبارة عن سيرورة تغدو الذات بنية مفتوحة قادرة على أن تستوعب الحاكم لتحاكم الماضي بسرد تاريخي يلغي المستقبل، وليجعل الماضي هو الحاضر والحاضر هو الماضي، دون أن يسمح لواحد من الممثلين أن يعبر عن ذاتيته. فالارتباط بين الذاكرة الممتدة، وحضور الحداثة كطقس تجريبي، كما قلت، جعل العرض المسرحي يتدفق بالتغيير والتحول السوسيوثقافي، ويشكل نقطة ابستيمية غير مستقرة على الأساس، بل يتم تقديم الذات الماضية من طرف “عزيز مشكور” كنقطة راسخة في دوامة الماضي وأيضا في دوامة الصراع والقلق، فالذات الممسرحة تضع نفسها كإشارة تعيينية غير منظمة كأساس للمعرفة اللانهائية واللاواعية، ونوعا للصفات الغامضة التي تبدو لنا غريبة عنا، فهذه الغرابة المسكونة في دواخلنا تؤثر في أفكارنا، فهي مستودع الذي يبعث منه القلق الوجودي والتأمل الواعي، ولهذا السبب عملت الممثلة “زينب النهري وابتسام النهري” باسترجاع اللاواعي كآلية دفاعية دون مراقبة، ولا وازع أخلاقي، فهذا التفجير العقلاني جعل “عبد القادر سمينة” يتفاعل مع الأخرين بصورة متساوية الرغبات المهيمنة على الوعي. لذا عمل إلى تشييئ التاريخ وتحطيم الهوية لإظهار التعارضات التي تشكل الثقافة الهامشية وتقول بالترتيب الهرمي الخاضع للتقاليد، وفي هذا النوع من الثقافة الذكورية التي يراها المخرج بأنها ثقافة المجتمعات العربية، تلتصق بهوية قبلية وبتبعية تقليدية، الأمر الذي يحول دون تأكيد استقلال المرأة، وينظر إلى الذكر على أنه فحل وحازم وراعي، أما الأنثى فلا خيار لها سوى الطاعة والخضوع للأوامر والنواهي ودون إظهار نزعتها الداخلية كما نرى عند “زينب النهري” و”ابتسام”، فالدعوة بالاعتراف بالتعددية والاختلاف هو إلغاء للاختزال ولمنطق الإقصاء، لأن “عزيز مشكور” و”حميد شيبوب”، و”عبد القادر سمينة”، و”زينب النهري”، حاولوا التفكير من خلال الثنائيات الجدالية التي تضع التذكير والمفاهيم في سكة المراجعة، والنقد، ولأن حضور الديكور (البئر – والنخل – …) بدوره هو اخبار بالتاريخ وبالخصوصية المغربية، التي تفتح للمؤرخ أن يرتبط بالأحداث وأن يستنبط النتائج، وذلك وفق منطق سردي يوازن بين الرغبة في …. وبين القمع الداخلي، دون فهم العالم الجديد ليكون حرا، ويعد هذا الاسترجاع أرضية تاريخية تتكون من تتابع الأرواح، والتوافق بين المتناقضات التي أثارتها المسرحية، وبعبارة أوضح تقدم الشخصيات رؤية مختلفة للعالم، لأنها تحدد معتقداتها، ومبادئها التي يزرعها هذا المجتمع، كما يعتقد المخرج “الخمار المريني” بأن التمسرح ليس تفسير النص، بل تمثيل لقيم المجتمع الذي يكون أقل عقلانية، وتطور للإنسان أكثر عقلانية، هكذا عمل على مسرحة العلاقات الاجتماعية الثابتة والمتحولة لإبراز التناقض الحاصل في ذهنية المجتمعات العربية، وهذا التناقض الذهني لا يمكن عقلنته إلا من خلال التفكيك للفحولة، وتبني رؤية عقلانية متواصلة مع احتياجات الإنسان البيولوجي، والرغباتيوالحاجاتي، إن الهدف من هذا الطرح الجدلي المادي هو تشتيت العملية الذهنية وتفسيرها كبعد انتربولوجي، وبنيوي لتوفيق بين الصراعات التي يسميها هيجل بالدياليكتيك التأملي، فهذا الصراع بين البنية التحتية، والفوقية هو مفهوم مصاغ برؤية جدلية تهدف إلى إلغاء البعد الماضوي لولادة تاريخانية جديدة التي تقول بالإلغاء للمتعارضات والحقائق، وبناء على ذلك فليس هذا المحو مجرد إكسير الأخلاق والسياسة، بل بناء ما هو حقيقي عقلاني يكون قادرا على الارتباط بالحداثة، والكونية، وكذلك جوهري في طروحاته المنطقية، لأن المنطق هو الذي يحكم العالم كما يرى هيجل في كتاب “فلسفة التاريخ” ص21، إن المخرج يبرر هذا الطرح المنهجي بالصور والحركات والإيماءات وباللغة، والموسيقى والإنارة وبالملابس، لكشف عمق السؤال: ما الإنسان؟ وما التاريخ؟ وكيف نستقرئ ذواتنا من خلالهما؟ وكيف يتعايش الماضي والحاضر؟ وهل يملك الإنسان العربي تصورا عن المستقبل؟ أسئلة مقارباتية جديدة في التحرك نحو اللامطلق الذي يحتوي في دواخله على كل ما له صلة بالمرجع، ويندرج التاريخ والذاكرة الممتدة، تحت رحمة السردلوجي الذي يدمر مكر الثبات، وكل ما يفرض من الأعلى، فهذه التعرية ليست دواءا فحسب، بل هي انبثاق واتصال بين مكر الصورة، والبراعة التمسرحية، لأن المسرحية هي صراع وتطور، وضرورة وحتمية التي تؤسس مقولات باسم التغيير، فالتكون الواقعي هو الذي يشكل فهم الانسان وتحولات المناخ المعرفي، لكي تتفاعل مع شخصيات تاريخية فعلية في هذه الحقبة، وبالرغم من هذا التأكيد الجدلي كما قلت فإن الشعور أصبح شكلا فنيا يلغي الانقسامات، ويصور التقدم الحداثي كحركة طبيعية وحتمية دون نهاية التاريخ، لأن الصراع اللانهائي هي رؤية الفنان، والشاعر ورحلة تجريبية توضح المنطق الواقع، وتبشر بالتحولات أثناء البوح والمناجات، “فنزهة الونان” و”شيماء الوكيلي” تحاولان أن تضعا السؤال كإشكالية التي تسمح لهما بالبوح لمحو الاختلافات بين الثقافات، ويسعيان إلى نشر الحرية –لتكون أرض الميعاد- إن الفجوة بين الثابت والمتحول هو انقسام سطحي، وليس جواني، ولم يعد اسقاط للنماذج في الواقعية إذ لا ندرك هذا الانقسام إلا على المستوى النصي، أما على المستوى العقلاني فإن الاختلاف سمة فكرية، ومعرفية تجعلنا نلغي المسافة لإيجاد نماذج جديدة لتجاربنا، ولوعينا فالتصارع لا يعني الهروب إلى الماضي، أو إلى الحداثة، بل هو درجة الانخراط في اللحظة التي نسميها التاريخ، حيث تذكرنا بالتحدي والتسلح بالمعارف من أجل تقويض الانغلاق، وخلق التوافق بين العقلانية النقدية في شكل الديموقراطية الفردية، وبين الحرية الجماعية، وهذا يعني أن له وظيفة مدلولية وتأثيرية أثناء تلقي العرض، والتلذذي والتفاعل معه، إن الوظيفة البصرية، والتأثيرية والسميائية تجعل هذه القراءة الركحية في الحقيقة كمرآة لهذا النسيج الدرامي، ومن ثم يحاول المخرج أن يجسد هذه الرؤى حول العالم بأسطورة، وحكاية موسومة بالواقعية على هذا النحو، وفي هذا الصدد يتحول المعطى القبلي إلى كونه لعبة جمالية وحوارية بين الماضي، والحاضر، وبين الماضي المغلق، والحاضر المتنوع والغير المنمذج فالمسرحية تعبر عن عنوانها لتطرح الخيال وتمنحه سيرورة علاماتية، تتقاطع فيها الازمنة، والامكنة، وتتبدل فيها الشخصيات لتغدو كيانا فنيا ورمزيا يجمع بينهم صورة واحدة هي التفاعل فالمخرج بدوره يمد هذه الرؤىالركحية بعلاقة بلاغية غير مجاورة بأسلوب جمالي وذوقي فني، وذلك ضمن السياق الكلي للمسرحية إن الصور، والايحاءات، والرموز والشخصيات، والملابس، والموسيقى… هي عبارة عن عناوين ايقونية مركزية في تئبير معطياتها وتجنيس خصوصية الإنسان ليصبح بنية دلالية غير تعيينية تدامس الاسئلة التي لازالت معلقة في الذاكرة العربية، لكن الشخصيات تريد الرحيل إلى ما وراء الحجب لتشكل ثورة على سلطة الفصل، وتحرير المرأة من الحجر والوصاية المعطوية، إنها قراءة اركيولوجية تاريخية التي تحاكم النظام البطريركي بطريقة تمسرحية وأن التحولات التي عرفتها الأسر المغربية والعربية لازالت تفرض نفسها خاصة على مستوى الزواج، كون الأنثى غير حرة في الاختيار، والتعبير التلقائي عن عواطفها نظرا للهندسة الاجتماعية التي تعادي كل الرغبات في إطار الزوجية كما تقول “فاطمة المرنيسي”، لكن الشخصيات أرادت أن تعرض هذه الاشكالية في شكل درامي، لتظهر للمتفرج هذه المضامين لكي يعكسها بكل جلاء في واقعه، باعتبارها نصا موازيا وحبكة فنية مؤطرة ضمن توليفات مفتوحة من الناحية الاجتماعية والنفسية، فالمسرحية إذن هي خطاب فوق خطاب ومواجهة لهذا العائق الاجتماعي، الذي ظل يفرض نفسه علينا مع مجموعة من العوائق الأخرى، فالشخصيات كما قلت أرادت أن تظهر هذا المشتاق في اختراق الآفاق، للتواصل مع المجتمع، والفرد، وكذا الفضاء بكل عوامله الأصلية والموبوءة، لأن الحب الطوباوي هو ثقافة إبداعية وذهنية يستطيع الفرد أن يمنح لنفسه قوانين إنتاجية تعبيرية، وهذا الفهم الحداثي هو روح ما ينبغي أن يكون – لا ما كائن، إننا نعيش حداثة بلا حداثة عقلانية، ونهتم بالقشور لا بالجوهر، ونركن إلى التقليد وعدم الرفض دون البحث في كياننا من نحن؟ وكيف صرنا؟ وخلاصة القول فالعرض المسرحي يطرح إشكالية اجتماعية ونفسية وهي من الاشكاليات المرتبطة باللاشعور الفكري العربي والمغربي، ويتعلق الأمر أيضا بظاهرة سوسيوفنية التي لا زالت لم تجد ذاتيتها بجانب المخيلة الشعبية وهذا ما أراد المخرج أن يقدمه إلى الجمهور، ولا يفوتني أن أشكر كل الذين ساهموا في اخراج هذا العمل من ممكن الوجود اللاواجب الوجود أي من الامكان إلى الفعل، وخاصة : عزيز مشكور – نزهة الونان وشيماء الوكيلي وحميد شيبوب، وأحمد أبو حليم، سفيان أنغور وعبد القادر سمينة، وابتسام النهري، وزينب النهري، وكذا التقنيات أمين المريني وعصام الدومي والمحافظة الأستاذة سعاد روان، وسينوغرافيا وإخراج الأستاذ الخمار المريني والتأليف: سعد الله عبد المجيد.



