نص مسرحي “الجنة” / تأليف: فلاح شاكر
الأسير: أنتم تخونونني .. أنت لست زوجتي ( يدخل من الباب ) ما أضاعني الأسر .. بل أضاعني أنك أتلفت ذكرياتي ( يرمي حقيبة بيده ) أهكذا أعود .. اهكذا تكون مملكتي بيتي تسكن حديقته الأشواك (( والكرفس والسلك والرشاد والفجل والبصل )) أين الورود التي رشفت دمي لكي تصبح حمراء .. وأنت لم تعودي زوجتي .. أهكذا أُستقبل بعد كل هذه السنوات من الأسر, هكذا نلتقي ؟! كنت أحلم بألف صورة وصورة للقائنا .. ( الزوجة جالسة على سرير تشيح بوجهها عنه ) الباب تتآكل أصباغه ويترك كما الجريح, الحديقة أصبحت سوق تبضع للخضار, أين أنا من كل هذا, لقد قتلت أحلامي .. وبيتي .. هذا البيت لم يعد بيتي .. أواه يا بيتي ماتركته هكذا, ولا أريد أن أعود إليه وهو خرب .. ياله من خذلان وخيبة .. أنت لم تعودي زوجتي .
المرأة ببرود : بل أنت لست زوجي .
الأسير : إلى هذا الحد غيرني الأسر ( مع نفسه ) .
المرأة : تسألني إلى هذا الحد غيرني الأسر؟, أنّى لي أن أعرف وأنا لم أشاهدك من قبل؟
الأسير : ( يصفق لها ) يالها من قدرة أول ما ترينني بعد الأسر تمزحين معي وتحاولين أن …
المرأة : ( بإستنكار) أمزح !! أ أ زور زوجي من أجل المزاح؟
(يبدو على الزوج عدم الفهم والارتباك )
الأسير : هذا أسوء مما عشت .. أجننت فإنتحلت سواي .. أفي الأوهام تزوجت وصار لي بيت ؟؟ بإنكارك لي ستقتلينني .
المرأة : ياهذا , لا أريد أن أقتلك أو المزاح معك فأنا أرملته حتى يعود .
الأسير بحب ورجاء : وها أنا ذا عدت ..
المرأة : أنا لا أعرفك, فلست أنت من أجّل موتي, ولست أنت من تشهّى صبري, لم أفطم من أجلك ياهذا. لست لا أعرفك فقط بل أنا لا أحب حتى شكلك .
الأسير : يالله أقتليني فأنت تعرفين من انا !! .
المرأة : من أنت ؟ .
الأسير : أنا .. أنا .. يالَذل السؤال .. أنا زوجك .
المرأة : زوجي!! لماذا تستغل أرملة إنتظار؟ .. أنا شهيدة من أجله فلن تخدعني .
الأسير : أنا أخدعك ياحبيبة !! .
المرأة : لا تقل حبيبة , إنتظاري من أجل ان اسمعها منه ..
الأسير : حبيبة .. حبيبة .
المرأة : تشبه صوته لكن لن تخدعني .
الأسير : أنا الذي أنتظر كلمة حبيبي ..
المرأة : لن أقولها لسواه .
الأسير : لست سواه .
المرأة : أنا أعرف زوجي ( تصرخ ) أنت لست زوجي .
الأسير : من أكون إذاً ؟ ! .
المرأة : عقلي ذهب به هذا السؤال الذي سألته ..
الأسير : لم يحدث شيء توهمتك قبل أسري .. هل هذا ممكن – ان سمحت – أن أأخذ بعض أشيائي التي حلمت أنها ما زالت بإنتظاري .
المرأة : خذ ما تشاء .
الأسير : هذا التمثال إشتريناه لأننا ضحكنا على سذاجة صنعه, فأحببنا أن نحنط ضحكاتنا فاشتريناه .. رغم أنه قبيح وبشع لكننا أحببنا ذكرياتنا فيه .. وهذه المزهرية .
المرأة : كرهناها .
الأسير : إشتريناها مضطرين لأن البائع كان يفسد خلوتنا بإعادة عرضها علينا .. وهذه .. ذهبت لأشتري حذاءٍ لك .. فعدتِ بها .. ( أقلام ترمى ) صَرختِ جئت لكَ بها ( يكتب على الأرض ) حتى لا تنسيك الحرب أنك في يوم ما كنت تكتب نبضك حتى ولو بشكل خواطر مراهقة .. خذ هذه الأقلام وأكتب لي كل ليلة ..كل ليله . ولم اكفّ عن الكتابة اليك
( يرمي مجموعة من الأوراق يخرجها من حقيبة الاسر . تملئ المسرح )
الأسير : ( يقرأ بورقة ) .. اليوم 8 / 12 احتفلت بعيد زواجنا .. فقررت أن أعيش أعواماً أخرى ( ويقرأ بورقة ثانية ) إني ذاهب عنك فكوني المكان الذي أُهاجر إليه . ( ييقرأ بورقة ) ليس بإستطاعتي أن أصل إليك .. لكنني أعدك أنني لن أموت قبل أن أفعلها .
المرأة : ( تقرأ ) أسلاك شائكة هو دمي .. فكيف يفر قلبي للقياك .
الأسير : ( يقرأ ورقة ) الشمس خائنة فكيف تغيب عنك في الليل .
المرأة تقرأ: طالت أظافري لتحفر قبري .. فلما فعلت تذكرتك فوجدت أصابعي تومئ بالنصر .
الأسير يقرأ : سألني ملك الموت كيف تموت .. قلت واقفاً .. قال ” ذلك يخالف سنة الطبيعة” .. قلت اسألها .. فقالت الطبيعة ” وحده العاشق يموت كيف يشاء” .
المرأة بوجع : ليت لي يقين الأسرى وعذاباتهم لكي أوقن بما نسيت .
الأسير : وهل فارقت الرصاصة جسد الميت لكي ينساها . فكيف بي وأنا أتعشق موتي لكي لا تكون رصاصة حبك خائبة.
المرأة : لكنك لا تشبهه, أو أنك لست .. تغيرت ..
الأسير : تغيرت لم لا أتغير ُ وعزرائيل يتنزهُ بأنفاسي؟؟, يُرعبُك الزفير لأنك تخاف أن يتبعه آخر شهيق ! لم لا أتغير وعزرائيل الرصاص يُسكت رفاقك في الملجأ الواحد بعد الآخر ؟؟. ليلة أسري كافية أن تغير أشكال كل الناس , لم لا أتغير وأنا الحي الوحيد وسط آلاف الجثث ؟؟ ولا صوت .. ولا صوت ولا حتى آهة جريح, خلت أن الحرب إنتهت أو هذه نهاية معركة أخيرة .. أين أمضي ؟ .. في كل إتجاه أتعثر بالجثث لم لا أتغير ؟ ! ليلة قيامة, أريد صوتاً حتى لو كان صوت رصاصة تخترق قلبي .. أريد ضوءاً ولو كانت شظايا تخترق عيني .. أتلمس الجثث , أحاول أن أجد طريقاً , وما عدت أدري أجثة عدوي هذه أم جثة صاحبي, وليلة القيامة هذه جعلتني أركض حتى الفجر والجثث تتكاثر تحت أقدامي , وهناك تذكرتك وسألتك في أي إتجاه أسيرُ لأصلكِ يا حبيبة .. تعالي وخذيني .. فكل طرقي جثث, لم لا أتغير ؟؟.. لم أتغير فأنا مازلت أصعق حين أتذكرك .. لم أتغير وأن داعب الأسر شكلي وأهداني وجهاً جديداً , شكلي دمرته الحرب, أيعقل يا حبيبة ألا تعرفي نبض قلبي ؟؟ !! .
المرأة : أحس حبك .. لكنك لست أنت .
الأسير : لست أنا ؟! وما ذنبي إن كانت الحرب تهدي الأطفال شوارب بيضاء .. كلنا عميان بلهاث القلب نهتدي إلى بعضنا.
المرأة : روحي .. توجعني, تعرفك وأنا ..
الأسير : أنت قلبك .
المرأة : لا .. عقلي يقول إنه ليس أنت .
الأسير : وهل تركت الحرب لنا عقولاً نهتدي إلى حكمها .
المرأة : لست خرفة , ومازلت أحبه .
الأسير: تحبيني !! .
المرأة : ومن أنت حتى ..
الأسير : (يصرخ) أنا زوجك .
المرأة : لكنك .
الأسير : ما كنت تقولين لكنك .. كنت تهمسين (فدوة أروحلك) كنت تقفين هنا .. كل مساء وتهمسين (فدوة أروحلك) فتسقط الجريدة من يدي فأقول لك ” لتذهب قراءة الجريدة إلى الجحيم, فهي تشغلني عن رؤيتك لحظات, ستنتهي الإجازة وأعود للجبهة وما زال طعم القبلة الأولى فوق شفتي”. فتقولين ” أيام وأنت ..” فأقاطعك وأقول ” أُريد أن تكون قبلتنا أبد الدهر “.
المرأة : يا رجلي الوحيد .. سيقتلني إنتظار عودتك .
الأسير : لن أغيب سأترك روحي هنا .
المرأة : تتركها .. لقد سرقها قلبي يوم إلتقيتك .
الاسير بمحبة واستعادة ذكرى : سرقها قلبك ؟؟ انت حرامية اذن ؟؟
المرأة مبتسمة : لم اسرقها فروحي هي روحك
الأسير باحتجاج محبب : ما كنت تقولي هذا ؟؟ بل تقولي فدوة روحي لروحك
المرأة بتردد : فدوة لروحك
( الاسير يتكلم بسرعة وهو يتحرك مستعيدا الذكريات . يتمدد على السرير )
الاسير : كنت في الاجازة من الجبهة اتمدد على السرير اقرأ الجريدة فتأتين اليّ وتقولي..
المرأة بحب : فدوة اروحلك
الاسير بحماس: فتسقط الجريدة من يدي وأنهض واقول لك اعطني قبله فتقولي…
المرأة بدلال : الا تملّ
الاسير مقاطعا : ايّ ملل ستخلص الاجازة ونحن لم …لم … فقط نتناقش بالقبله
المرأة ضاحكة : سأتوقف عن النقاش شرط ان تكفّ الحديث عن القبله.
الأسير : سأكف بشرط .
المرأة : ماذا ..؟
الأسير : أن تعطيني قبلة .
( يضحكان )
المرأة : ( تنتبه لنفسها ) أنا مربكة .. لا أنت لست زوجي .. لن تخدعني .
الأسير : أنا لم أخدعك .
المرأة : وكيف يكون الخداع إذاً ؟ هل يمكن للحرب أن تغير لون العينيين .. تشيب أو يتغظن وجهك نعم ممكن , لكن .. لون العينيين لا يمكن .
الأسير: نسيت لون عينيّ .. لون عينيّ ..
المرأة : انا إمرأة هل تعرف ماذا يعني هذا؟ المرأة لا تكف عن التحديق في عيون حبيبها, لتعرف كم يحبها, ثانية واحدة لأعرف ألق ولون عينيك, فكيف بسنوات قضيتها وأنا منحنية على عينيك تحديقاً حتى وأنت نائم .
الأسير : إنه رعب الحرب, ودموع الأسر هما اللذان يسرقان الألق .. ولون العينيين ..
المرأة : والأسر أيضاً يجعل الرجل أقصر مما كان ..
الأسير : قزمني غيابك, ولا عناق معك لكي أبقى منتصباً, فقدانك وحده كاف لأن يلبسني القبر رداءاً وتريديني أن اعود كما كنت !! .
المرأة : يا إلهي نبضه يقنعني لكن عينيّ لا تصدقان .. هل من الممكن أن تغير الحرب أشكالنا , وتجعل حبيبنا عدواً ( بإصرار) لا .. لن أُخدع .. ثمة ندبة فوق حاجبك ..
الأسير بفرح : ها !! .
المرأة بأرتباك : فوق حاجبه .
الأسير : كان شكلها مثل برتقالة صغيرة .. وكانت شفتاك كل مساء تقطفها لترحل من جبهتي إلى فمك .
المرأة : أين هي الآن ؟ ..
الأسير : بقدرة الحب, وبإستذكار شفتيك حولها النبض إلى قلبي( يكشف صدره لها . نرى الندبه موجوده على صدره ) .
المرأة : مستحيل .. مستحيل أن يحدث هذا .
الأسير : ذاكرتك متعبة بالأحبة الذين أفقدتنا إياهم الحرب ..
المرأة : الجبهة في عقلي الخرف .. الحرب في قلبي الواهن .. مثلي مثل الحرب أقتل ذكرى أحبتي ولا أعرف لماذا ؟ .
الأسير : وها أنا ذا عائد إليك ..
المرأة : لتقتنصني .. لتزرع لغم وهمك في بيتي .؟؟
الأسير : إنه بيتي أيضاً .. لا لن يحدث هذا .. أتذكرين؟؟.. تزوجي إذا ما أُستشهدت لحظة حب أو خوف أقولها .. تزوجي إذا ما استشهدت, في جزع تصرخين .
المرأة : من ذا يستطيع ان يزيح أحلامنا عن ذكرياتنا سواك .
الأسير : بذلّ الخوف تهمسين ..هذه الأريكة .
المرأة : إشتريناها بعشرين دينار .
الأسير : وغرفة الطعام .؟؟
المرأة : بعناها لكي نشتري الكتب التي تحب. والتلفزيون .؟
الأسير : كسبناه في اليانصيب في لحظة خوف وذل, أقول لك تزوجي إذا ما استشهدت فتصرخين لا .. لن يحدث هذا .
المرأة : كيف تعرف كل هذا كلك لست أنت وكلك أنت, فأية خيانة حين لا أجد دموع فرحتي بلقياك, أرجوك غادرني .
الأسير : أين .. وليس لي في العالم سواك ..
المرأة : لا أدري إذهب إلى أي مكان .
الأسير : إلى موتي مثلاً ..
المرأة : أروحلك فدوة لا .. أقصد أعطني دليلاً يهدي العقل إلى ما تقول .
الأسير : أوَ تحتاجين غير نبض القلب دليلاً ؟ ! .
المرأة : فاجعتي أنك صادق في كل ما تقول ( بخجل ولكن بإصرار) كيف كنّا في السرير .
الأسير : كنا دائماً نسرق الصباح إلى مضجعنا, نبتدأ بالشفتين وهي تتجول فوق أجسادنا, ثم لا نحتمل .. يتسلل الضوء إلى أحشائنا فتتيه القبلة عن مكانها تصرخين .
المرأة : يا رجلي الوحيد .
الأسير : الجبهة تناديك .. فأترك لي أطفالاً كثيرين في رحمي .
( إظلام تدريجي ) .
المرأة : كفى .. أنت تعرف أكثر مما يعرفه زوجي .
** اللوحة الثانية **
( تتصاعد الموسيقى ونجد الأسير ممددا على السرير كالجثة , المرأة تجلس أسفل السرير )
المرأة : سأقول لك لماذا أنت لست زوجي, لست زوجي, لأنك تشبهه في كل شيء, كان يجب أن يتغير فيك شيء ما, أعني يتغير فيه, أعددت نفسي على أن أجد فيه شيئاً مغايراً . عدت كما كنت , أعترف شكلك تغير, لكن أين الأسر في طباعك, لازلت حنوناً, محباً, لغتك الرقيقة عذابتك وأنت ترويها .. لا أنا متأكدة أنك لست زوجي لأنك تشبهه تماماً, وكأنه لم يكن هناك أسر قط . كان يجب أن تقدر تضحيتي وأنا أتخيلك قادماً عاجزاً, بارداً , لا تتذكر مشاعرك إلا بمعجزة, كنت أبكي .. أبكي وأنا أهيئ نفسي لكي تستعيد الحياة من خلالي, أبكي ساعات وأنا أحاول أن أُذكرك بذكرى تعيد الدم إلى قلبك. آه كم أرقني وأبكاني أكثر من فراقك لي هو كيف اعود بك إلى ماكنت, كيف أُزيل الأسر عن جسدك .. عن ذكرياتك .. عن .. وها أنت تعود كما كنت, لا أسير يلائم خيالاتي وعذاباتي, فكيف تريد مني ان اصدق انك زوجي .. أأ ستجديك بعض الأوهام ؟؟؟.. كن عوقاً ياروحي لكي لا تخيب روحي بإنتشالك من عوقك .. أأ ستجديك يازوجي؟؟.. أُريدك ليس كما أنت, بل كما الأسرى منهوكاً ممزقاً .. أنفاسه لا تكاد تجمعه, حتى أمنح روحي فخر الإنتظار .. فخر أن أعود بك إلى الحياة كما كنت .. إنك تؤذيني لأنك عدت كما كنت ..أنت عدت كما كنت .
الأسير : وماذا تريدين مني؟ ان كنت في الأسر رغيفاً أجوع عامداً متعمداً لكي آكله؟؟أهو ذنبي لأني أحببتك حباً جعل قيد الأسر خاتم زواج؟ أشكرك ياحبيبة لأنك أنقذتيني من الأسر. فما كان ممكناً أن أبقى حياً لولاك. شعوري أنك تنتظرينني جعل الأسر فاكهة, فاكهة تفتح شهيتي لك أستسقي أحلام بستانك يانخلتي .. فأعود لكي أزرعك وأنا بكامل عافيتي .. (بعصبية) تريديني عليلاً, موزعاً, ضائعاً, مربكاً, متردياً, قريباً من الموت !! لك ما شئت ياحبيبة فأنا الآن .. الآن وداعاً لعافيتي التي وهبتيها لي, سأعود أسيراً دون أحلامك .. فكم إنكسار سيتفجر فيّ .. أنا الآن دون رحمتك .. فأية سماء ستتحمل خيبتي, أسير خارج الوطن, ولا أحد في إنتظاري.. أنا عوق, عاهة, أنا لا أشرف الوطن حين أعود إليه منكسراً, لا أحد لي لكي أكون لأحد . لم عدت ؟؟؟ وأنا اعرف لا أحد ينتظرني؟ .. (يبدو عليه الشرود وعدم التركيز )
المرأة : أنا .. أنا ..
الأسير : أنت من أنت ؟ .
المرأة : أنا .. أنا ..
الأسير : لست متسولاً .
المرأة : أنا حبيبتك ..
الأسير : ما إسمك الثلاثي أو الرباعي واللقب … فأنا ..
المرأة : أنا زوجتك .
الأسير : زوجتي !! أنا لا أذكر لي أولاداً ..
المرأة : لأنك أسرت قبل أن ..
الأسير : أن ماذا ؟ .
المرأة : ليس لنا أولاداً لأن الحرب أكلت نصف السرير .
الأسير : كان من الممكن أن ننام على نصفه الآخر .
المرأة : لكنك أُسرت قبل أن نتناصف السرير ..
الأسير : الغاز .. الغاز وأنا أريد النوم .
المرأة : أي لقاء هذا بعد كل هذه السنوات؟ كلمتان وتريد النوم, انك حتى لم تقبلني ..
الأسير : فيما بعد سأتعرف عليك ..
المرأة : آه يا حبيبي كم غيرك الأسر؟ .
الأسير: كم غيرني الأسر؟ ليس الأسر سوى إجازة من الجبهة وها انا أعود إلى الحرب .
المرأة : لكن الحرب إنتهت ..
الأسير : ليس بالنسبة لي فأنا مقاتل أبداً ..
المرأة : وبيتك .
الأسير : سأزيد ساتره ونكون في مأمن .
المرأة : نكون !! ..
الأسير: نعم .. نكون .. فأنت زوجتي حين يكون لنا أطفال .
المرأة : ولكن لم يصبح لنا أطفال بعد ..
الأسير : سيكون .. سيكون لنا أطفال .. والا كيف ستستمر الحرب ..
(( موسيقى تختفي المرأة ))
** اللوحة الثالثة **
( فجأة والاسير يمشي مع اختفاء الزوجة يظهر شبح يوسف المدرس في الباب ) … ( الأسير ينتبه بذهول )
الأسير : أنت .. أنت أستاذ .. يوسف ؟! .
يوسف المدرس : المدرس .
الأسير : ( بتردد) معلمي .. انت .. أنت كنت .
يوسف المدرس : أكثرهم علماً .
الأسير : لا .. لا .. أكثرهم .. أكثرهم .
يوسف المدرس : كبرياء .
الأسير : لا .. لا ..
يوسف المدرس : أكثرهم عزة نفس .
الأسير : أنت .. كنت .
يوسف المدرس : أنا كنت .. سأقول لك فلسفة جيدة تفيدك بعد بضعة أنفاس أو ساعات .
الأسير : آ آ آ . .
يوسف المدرس : لا تقاطعني ياولد فأنا أستاذك يوسف أتحدث معك ( بألم ) لقد تعبت .. تعبت من عزيز قوم ..
الأسير : ذل .
يوسف المدرس : مل .. فالذل ليس الحاجة .
الأسير : آ آ آ ..
يوسف المدرس : ( مقاطعاً ) أبداً الذل ليس الحاجة, الذل أن تقتل وقتك مفكراً ماذا ستأكل؛ والذل أصناف يابني مثل الطعام, هناك ذل من الدرجة الأولى, مثلاً تبيع أخاك وتأكل وجبة, وآخرا من الدرجة الممتازة أن تجعل إبنك وجبة شهر , وهناك الذل الراقي كأن امك في مجمدة تكفيك سنة . .
(الأسير يضحك ببلادة )
يوسف المدرس : لا تقاطعني ياولد .. أحسنت ولازلت تعرف الأصول .. وهناك هناك ياولدي الذل المميت .. أن تبيع نفسك لكي تمارس كل انواع الذل الأخرى بدء من الأولى .. فأنت عزيز قوم لا يبدأ بأقل منها منتهياً بآخرها, ذليل قوم فأعزوه ..
الأسير : ( ببلاهة يهم الأسير بعناق أستاذ يوسف ) .
يوسف المدرس :لا .. لا عناق, إصبعي الصغير يخاف أن اطبق كفي لئلا يأكله الإصبع الذي يجاوره .
الأسير : ( يذهب قرب السبورة ) عزيز قوم ( يطرق رأسه ) .
يوسف المدرس : أراك مطرق الرأس ..
الأسير : عزيز قوم مل !! .
يوسف المدرس : هم, أنا أبالغ وأكون أحياناً في كل هذا عليك ان تعذرني .. تعذرني. كانت تقتلني شهيتي المضربة عن الطعام وأنا .. أنا نفسي لم أتغير, فلم .. ألآن أتشمم رائحة الطبخ عند كل البواب وأصرخ في برد روحي. اخرس فأنت عزيز قوم مل .. مل من كثرة الطعام فما عاد يحب شيئاً غير الفطام .
الأسير : أنا .. آ ..
يوسف المدرس :لا تقاطعني ياولد فأنا عزيز قوم فطم, وما من شيء يعوض الحليب فلا اثداء.
الأسير(بحزن) : استاذ يوسف .
يوسف المدرس : لا تقاطعني فأنا عزيز قوم من الممكن أن يفطم ولكن لن يذل, أنا ابالغ واكذب أحياناً في كل هذا عليك أن تعذرني فأنا عزيز قوم مل, فطم .
(يبدو على الاسير العتب ممزوجا بالغضب من استاذه ويتكلم معه دون ان ينتبه لغياب الاستاذ يوسف من المسرح )
الأسير : اسكت يا أستاذ يوسف .. فأنت رايتي وعلمي وعلمي, فإذا صدقت ما سمعته منك .. فهذا يشعرني بأن قطع اليد بقيد الأسر خير من أن أمسك بالقلم. كنت وبرد الصباح تملآن قلوبنا حرارة فتصرخ .. نحن الشباب لنا الغد ..(يردد نشيد نحن الشباب للحظه لا يلبث ان يقطعه بعتب) فلماذا يا أستاذي يكون الأمس غداً .. لماذا .. لماذا .. أستاذ يوسف .
المرأة : أستاذ يوسف !!! .
(فجاة نجد المرأة واقفة . بحيره شديده يبحث الاسير عن استاذ يوسف )
الأسير : الأستاذ يوسف كان هنا .
المرأة : الأستاذ يوسف إختفى منذ زمن طويل .
الأسير : لكنه كان هنا معي .
المرأة : مستحيل .. إنك تخرف .
الأسير : أخرف أنا اخرّف ..؟؟ سأطلقك .
المرأة : انك تبيع ما لا تملك .
الأسير : أنت زوجتي .. سأقولها وأذهب .
المرأة : لا .. لن تطلقني لأني ..
الأسير : لأني أحب إنتظارك مثلما أحبك .. هكذا كتبت لي بعد سنوات من الأسر كنت قد إقترحت أن أطقلك لتبدئي حياتك من جديد .
المرأة : وأي جديد فيه لذة وأنت لست فيه ..
الأسير بحب : أنا .؟
المرأة : أعني هو هناك ..
الأسير : هو الآن أسير .
المرأة : تقول إنه بيتك وأنا زوجتك, حر في أن تذهب إلى أي مكان تشاء وتدعي أنك … !!
الأسير : أسير .. أنا أسير وكل شيء مؤجل عن الحياة حتى ألتقيك ..
المرأة : أنا أمامك .. قلها بيقين أنك لم ترني .
الأسير : حقاً لم أراك لأنك تريدين مني أن أعزل نفسي عن أحب صفة لي , أن أكون زوجك .
المرأة : ( بعدائية ) لكنك لست زوجي, زوجي ماكان يترك جواربه مرمية في الحمام دونما غسل, ما كان يسمع الراديو .. وكأنه يمتلك محلاً للتسجيلات, ونحن نريد أن ننام ما كان يمشي طوال الليل في الهول بنعال خطواته كأنها مطارق توقظ حتى الموتى, والكثير, الكثير غير هذا الآن .. ما أراه شيئاً مقرفاً .. ما كان في زوجي .
( صمت طويل )
الأسير : ( بهدوء ويأس ) تضع الحرب أزبالها في العينين فتجعلك حين ترى وردة تخاف لمسها لئلا تكون مفخخه ..وعليك لا ان تعتاد فقدان ما تحب بل ان تحب الاشياء التي لا تحب حتى تتعايش معها الخبز العفن والبطاطا النية, أن تغسل أسنانك بالتراب أن تسبح تيمماً وترشف قطرات الماء, كما تضع قلادة الذهب في العنق .. الأسر أسوأ من الحرب .. لقد سرق مني أجمل أيامي .. تلك الأيام التي قضيتها في الجبهة حالماً بالإجازة لأعود إليك .. لأعود لأشياء نسيتها منذ موتي .. أعني أسري .. صيري أمي وعلميني من جديد ..
الأسير : (بحيرة) وفيك أشياء أفضل منه ( الاسير ينظر اليها بحب ) , أو منك سابقاً. تأكل بالشوكة والسكين برشاقة وهو كان يأكل بيديه .. تعيد كل شيء إلى ما كان عليه وهو كان يتركها مثلما تبعثرت عنده .. كان ..
الأسير : لا تقولي كان .. بل قولي كنت ( بجد وغضب ) .
المرأة : كان .. أعني كنت ( بإصرار) أو كان .. فأنت لا تخيفني .. ما كان يصرخ مثلما تصرخ بي الآن .
الأسير : من يذهب في نزهة كيف يعود .
المرأة : أقل توتراً و ..
الأسير : وهل كنت في نزهة؟ الحرب ثم .. الأسر تريدينني أن أعود وأنا أحمل باقات الورود بيدي, بدلا من بسطالي وجواربي العفنة؟؟, أن أتأنق ببدلة عرس عوضاً عن ملابسي العسكرية المتهرئة ؟؟ تريدين مني ..
المرأة : أنت تتهرب, أنا سألتك عن عادات أصبحت تجيدها أفضل منه ( يبدو الغضب على الاسير ) أو منك سابقاً ان كانت هذه الـــــــ (منك) تريحك فأنا اريد ان أعرف الحقيقة وأرتاح .
الأسير : الحقيقة .. ما زلت ..
المرأة : أقنعني فأنا لا أجيد المحبة ناقصة .
الأسير : إنها صحبة الأسر التي تجعل كلا منا يغير عاداته نحو الأفضل .
المرأة : (تصرخ) الأسر ! . أفي الأسر والخبز المتعفن يأكلون بشوكة وسكين فتعلمت هذا منهم . قلت لي أن الأسر أسوأ من الحرب وأنه سرق أجمل أيامك .. تريد خداعي فتقول أنها صحبة الأسر .. فراغ الأسر .
الأسير : نفس الوجوه .. نفس الأحاديث .. ذات الجدران لا جديد, نبتكر من جوعنا طعاماً وألعاباً, مثل مترف يتعلم الرقص, ذهننا يخترع من الحجر طعاماً, هذا (كباب), وتلك (دولمة) ونبدأ بالأكل, فينهرنا المترفون الذين كانوا ذات مرة مترفين, يعلموننا كيف نصنع الشوكة والسكين من الورق, وكيف نأكل …نأكل .. قوّضني .. لمّني الأسر حتى أن عيني تقوست فما عدت أرى من أسفل الباب إلا حارساً وبندقيته .. بعثريني ياحبيبة, لكي أرى وجهك جيداً, وأدير رأسي إلى كل الجهات مطمئناً, بعثريني حرري قلبي لكي أستطيع أن أجعل القمر وجهاً يشابهك
( يبكي بصمت محرج )
المرأة بتعاطف شديد : أعذرني أنا لا أعرف مع من أكون .. أو كيف أكون .. هل لك أن تعطيني الحق وتصدق شكي ؟, لقد تدمرت حواسي, وصورتك وأنا في ذهول الحرب والإنتظار …. كل آبار الحرمان إنبثقت محاولة أن تسقيك وتسقى منك, مثلما أحلامي .. كنت عصفوراً بيدي, وما أن وضعت الحب حباً لتأكل منه طرت إلى الأسر .
الأسير : قفص يديك كان جنتي .
المرأة : لماذا أهديتني الجحيم إذاً ؟ .
الأسير : لم أفعل .
المرأة : بل فعلت .. فجّرت ذئب أنوثتي وكالحمل ساقوك إلى الأسر ..
الأسير : نفذ عتادي وكنت ..
المرأة : كان عليك أن تطير وتحط فوق يدي .. أليس للحب معجزات ؟ .
الأسير : لو كان للحب معجزات لأصبحت قلوب أمهاتنا دروعاً تحمي أجسادنا في الجبهة .. لو كان للحب معجزات ما مات أحد قط , فحتى أعتى المجرمين هناك من يحبه فلا يموت .
المرأة : لكنك قلت لي .
الأسير : لو مت ومر طيفك , أنهض مستعيداً حياتي .
المرأة : لمَ لمْ تفعل ؟ .
الأسير : لأني لم أمت .. أنا أُسرت فحسب .
المرأة : لمَ لمْ تمت وتعود إلي َّ شهيداً فأرتاح من إنتظاري ..
الأسير : ظننت أن عودتي ستُفرحُكِ .
المرأة : معجزة أن تعود .. ولا معجزات في عصرنا .. فكيف تريد مني ألآن أن أصدق أنك هنا بيننا …الحقيقة أنت لست زوجي .
الأسير : لست زوجتي .. لست هو .. لست أنا .. من أكون إذاً .. من ؟؟ .
(( ينزوي في الظلام , يظهر فجأة حارس المدرسة ( يوسف أيضاً يتفاجأ ) بدخوله غير المبرر المفاجئ ))
يوسف الحارس : من .. من ..؟؟
الأسير : أنا .. أنا ..
يوسف الحارس : من .؟
الأسير : أستاذ يو … عمي يوسف .
يوسف الحارس : حارس المدرسة .
الأسير : لكنك .
يوسف الحارس : أشبه المدرس .. الجوع جعلنا كلنا متشابهين .
الأسير : عمي يوسف , تذكرني ؟ .
يوسف الحارس : لم أنسك لحظة .
الأسير : حارس المدرسة .. آلاف الطلاب يمرون على عينيك يتزاحمون على ذاكرتك , هم يتذكرون وأنت تنساهم .
يوسف الحارس : إلا أنت .
الأسير : إلا أنا ؟؟, وأنا كنت .
يوسف الحارس : كنت صديق أحمد .
الأسير : أحمد .. ( يتذكر بلهفة ) كيف حاله الآن ؟ .
يوسف الحارس : إنه ..
الأسير : كم طفلاً عنده ..
يوسف الحارس : هو .
الأسير : أصبح طبيباً كما إشتهيت .
يوسف الحارس : لكنه .
الأسير : قال كفى حراسة, الحراسة تعيقك عن التوحد مع الله عليك الآن عليك أن تتفرع للعبادة, كان يتنفس أحلامك, كان ذكياً وقوياً لا شك أنه .. أنه ..
يوسف الحارس : أنه قاتل .
الأسير : قاتل !!! .
يوسف الحارس : قتل كل أحلامي قبل أن يفعلها وأستشهد .
الأسير : (يصرخ) رباه لمَ القبور أكثر من الأحلام .
يوسف الحارس : كنت دائماً في ذاكرتي تحدياً لإستحواذ القبر عليه .
الأسير : أنا أكثر قتلاً منه .. فأنا لا أحلام عندي .
يوسف الحارس : الآن صدقت أحمد مات .. وحامد .
الأسير : وحامدٌ .
يوسف الحارس : كلاهما استشهدا .
الأسير : ( بجزع ) حامدٌ ! إنه صغير ليس في عمر أن يذهب إلى القتال أو ..
يوسف الحارس : وهل تظن أن القتال كان في الجبهات فقط .
الأسير : إن لم يكن .. أين إذاً ؟ .
يوسف الحارس : في الشمس .
الأسير : الشمس !! .
يوسف الحارس : كانت حرارته تخجل الشمس واصرخ فوق السجادة , رباه .. خذه لبرد الجنة.
الأسير : رباه .
يوسف الحارس : وكبريائي الذليل يتوسل بالرغيف .. يارغيف كن عافية كن قمحاً لا شعيراً .
الأسير : رباه .. رباه ..
يوسف الحارس : يا رغيف كن كما كان يحبك . لا تصدم شهيته بالسمار يارغيف .وتدفعني خشونة الخبز وطرواة السجادة إلى الله .. ويبتهل جوعي يا اله الشبع اقبض أنفاسه. ( يخرّ إلى الأرض ) فجنتك رغيف أبيض , أقسم تلك هي الجنة دون حواري وأنهار خمر .
الأسير : أستغفر الله .
يوسف الحارس : و .. وأستغفر الله .. أنها فقط شبع طفل نذر موته للجنة .. هذا الحصار …. الشمس في جسده تلسع دمي فأركض للتنور .. كل شيء إلا النار . يا سجادة أعيني التنور على الإشتعال .. وعلى الخبز أن يتجمل بكل البياض . فولدي يرفض أن يدخل الجنة المتأخرة دون أن يكون خبزه الأبيض كفنه ( ينهار ) .
الأسير : ( يصرخ ) إلهي أنت تجعل حتى أطفالنا شهداء يجب أن تكون هناك جنة .. أستغر الله فأنا لا أنكرها .. ولكن يجب أن تكون هناك جنة بمقدار عذاباتنا , فكم من آلاف السنوات تحتاج الملائكة لكي تصنعها لنا .. وإن فعلت فكم من آلاف أُخرى نحتاج ُ لكي ننسى جحيمنا الأرضي .. عمي يوسف .
يوسف الحارس : يارب , وما أجملك رباً .. بت أخشى أن ألاقيك بهذا الوهن والتعب والقبح .. أريدني نظيفاً وأنا أُصلي صلاتي الأخيرة .. أريدني كما الطهر .. أُنافس الملائكة في حضوتهم عندك .
الأسير : أفعل هذا فأنا أحتاجه ُ .
يوسف الحارس : وما ذنبك ؟ ..
الأسير : ذنبي .. أنني .. ما عدت أعرف كيف اُصلي ..
يوسف الحارس : وأنا كيف أُصلي .. هل الماء وضوء ؟ . بالطهر نتقرب إلى الله . فإذا عز الماء إيبتعد الله ! .
الأسير : أستغفر الله .
يوسف الحارس : أمدّ يدي إلى الجروح أليست دماء البرئ إبتهال .. الماء الآسن يغتال الطهر, فكيف أقترب من الله .. ياالله فرضت علينا قوانين جديدة للإقتراب منك لا نجد فيها ماء ً زكياً وسجادة طرية .. ذهب كل هذا فأنا أسجد بجوعي وأتطهر بدمائي .. وأصرخ بملئ روحي .. ياالله لم تركت إبنك في الحصار .. أستغفرك .. ما أقرب الكفر من كفن جاء في غير أوانه . أحمد .. وحامد .. و و و إننا نموت يا الله .. فهل كان في حساب عزرائيل أن يموت عشرون مليون في ساعة .. رأفة به إرحمنا .. اللهم إجعل حجارة السجيل رغيفاً .. اللهم نسألك بعض جنتك في جحيمنا الأرضي .. فأي جنة إن كان الصدر يرضع جوعاً .. إلهي إرحم عقلي الواهن وإرحمه بمعرفة حكمتك ..
الأسير : يا حصار إنك تجعل من كل أطفالنا انبياء .. لأنهم كفروا بملذات الحياة قبل أن يعرفوها , طفل زاهد عن مباهج الدنيا ! كيف يكون الكفر إذاً .. وكيف يخلق الأنبياء ؟ .
( موسيقى تتصاعد )
( يتقدم الأسير .. يسحب السرير بإتجاه آخر في المسرح )
الأسير : يإله الطمأنينة .. والبيت والأطفال والضحكات والسرير الآمن والفجر المتفجر في قلوبنا . أنت أبحت لي كل هذا حلالاً .. حلالا .. فكيف يُصبُحُ الباطل في بيتي فأجده الجبهة , الحرب إنتهت فلماذا أُقاتل في بيتي , كان استشهادي أسهل .. عمي يوسف .. عمي يوسف .. أستاذ يوسف ..
المرأة : مرة أُخرى .. قلت لك أن الأستاذ يوسف إختفى منذ زمن طويل .
الأسير :لم يكن الأستاذ يوسف , كان عمي يوسف الحارس .
المرأة : مات الحارس .. يوسف قبل أن يموت ولداه .
الأسير : مستحيل في التو .. كان معي .
المرأة : تخطئ بيت وزوجة هذا ممكن .. لكن تحدث الأموات أيضاً .
الأسير 🙁 يشير إلى رأسه ) أهنا عقل أستدل به ؟ .. أم أوهام أتعرف عليها ؟ كان معي .. أحمد استشهد .. وحامد مات من سوء التغذية .
المرأة : ( بذهول ) كيف عرفت هذا ؟ .
الأسير : ألم أقل لك أنه كان هنا ؟
المرأة : هذا مستحيل .. أيكون الجوع والفقدان استبدلا عقلي وقلبي ؟ .
الأسير : أنا وهم أيضاً مثل الحارس والأستاذ .. لقد انهار ساتري .
المرأة : أنا التي انهار ساتري .. منذ خفت أن أشبع فلا أجد لغدي متسع , لقد انهار ساتري, أيها الحبيب المهزوم .
الأسير : اسكتي ..
المرأة : ترملت معدتي عمّ احب .
الأسير : اسكتي ..
المرأة : سقط ساتري فكم الف عاهرة ستخرج من جسدي لو ..
الأسير :اسكتي .. اسكتي .. أيتها الحقيرة .
المرأة : أخرس سقط ساتري ليصبح دمي ستري وساتري سيكون عهراً لو نمت شبعه , كان على جوع معدتي أن يسهرني على ذكرياتي , لقد سقط أماني .
الأسير : إنه ذنبي أنا , فأنا الذي ذهبت إلى الحرب , وأنا الذي أسرت نفسي وحجزتها وحرمتها من رؤية أحب من أُحب . لقد ذهبت أنا بكلّ كلي وتُركت , سأترك ينهار جوعاً وأماناً , لقد كنت قاسياً عليك , حين حجزت نفسي كل هذا السنوات , أنا أعتذر عن عشر سنوات أضعتها هدراً في الجوع والبكاء عليك , وعلى وحدتي .. أضعتها في الشقاء من الشوق والتوق إلى العودة . أعتذر فأنا مخلوع عن بيتي, إنقلاب أطاح بي , يا أيها الملك الجديد لا تقتلني , دعني أعود إلى أسري .
المرأة : إنك لا تكف عن الإستجداء وسخريتك هذه لن تقربك إلى قلبي قط ..
الأسير : لله يا محسنون .. زوجة ٌ .. أصبحت لها ساتر ( بألم ) عليَّ اللعنة , أنا منخور فعلى الوطن أن يكون ساتراً لي لأستعيد إستقامتي وأصبح ساتراً له , فيا حبيبة كوني وطني .
المرأة :سأكون .. عندما أعرف أنك زوجي .. أنت لست زوجي .. و
الأسير : أنت لست زوجي !! لست أنا !! من أنا إذاً ؟ من ذا الذي يحلم بشاماتك الثلاث التي أُقدس ؟ في جيدك وتحت صدرك وفوق ركبتك .
المرأة : من أين لك أن تعرف مكان الشامات في جسدي .
الأسير : تسألينني ( بعصبية ) تسألينني .. كيف أعرف مكان الشامات , أية إمرأة أنت ؟! من البدء تعرفينني , جعلت لك أسباباً لأخدع نفسي .. وأُبرر لك نكرانك لي . من أين لك هذه القدرة الخارقة على النسيان ؟ أين ذهبت تلك الليالي التي فتش فيها كل منا مسامات الآخر باحثاً عن ذكرى مركونة قبل لقائنا ليطردها بقبلاته .. حسافة .. حسافة أسكنتك بروحي يابعد روحي .. حسافة .. حسافة في الأسر كنت أقتصد بالتنفس لئلا تزعج كثرة أنفاسي صورتك في قلبي .. أحد ٌ سواي في حياتك ؟ قتلك لن يكون على يدي فأريحك , سأتركك بين سكين الضمير والجسد الخائن .
المرأة : أنا أخون .. هل تذكر هذا ( تشير إلى ملابسها ) .
الأسير : إنه ..
المرأة : إنه آخر ثوب كنت أرتديه حين ودعتك , فقلت لي . .
الأسير : أريد ..
المرأة : أريد قطعة من ثوبك أشم رائحتك فيه ( يبحث الأسير في حاجياته فيخرج قطعة مجزوءة من الثوب ) منذ أسرت حتى الآن وأنا لم أرتدي ثوباً غير هذا .
الأسير : ( بألم وحب شديد ) يا حبيبة .
المرأة :أخلعه وأغسله وأبقى متدثرة بالفراش حتى يجف وأعود إليه . أخون ؟! ليتني أستطيع فأتحرر من حبي لك , فيصبح موتي سهلاً .
الأسير :إذاً لماذا , لماذا أنكرتني ؟ .
المرأة :المفاجأة , اليأس , الحرب الزاحفة إلى العينيين , خوفي من الفراق ثانية , كل هذا دفعني إلى أن أفعل ما فعلت .
الأسير : لننسى .. لننسى .. كل ما حصل لنعُد إلى إسبوعنا الأول من زواجنا , لنبدأ من جديد , فبمَ تأمرينني ؟ .
المرأة : أ أمرك أن تفعل لي كل ما تحب روحك ..
الأسير : ( بحب ) لا تحب روحي إلا ما تحبين .
المرأة : فدتك روحي , فما تحب هو أنت .
الأسير : ياحبيبة .
المرأة : ياحبيبي .
( يقتربان للعناق يدخل الأسير الثاني مهتاجاً )
الأسير (2) :أنتم تخونونني .. أنت خائنة .. أنت لست زوجتي .. هذا البيت لم يعد بيتي , ياله من خذلان وخيبة . أهكذا أعود .. أهكذا تكون مملكتي .. بيتي .. تسكن حديقته الأشواك والكرفس والسلك والرشاد والفجل والبصل … أين الورود التي رشفت دمي لكي تصبح حمراء .
( وسط دهشة الأسير والمرأة يدخل الأسير الثالث )
الأسير (3) :لست زوجك .. من أكون إذاً؟ من ذا الذي يحلم بشاماتك الثلاث التي أقدس في جيدك وتحت صدرك وفوق ركبتك؟
( وهكذا يتوالى دخول الأسرى .. وكل واحد يقول كلمات من المسرحية إلى أن يمتلئ المسرح بالأسرى ) .
المرأة : ( تصرخ ) يا إلهي .. من منكم زوجي ؟ .
** إنتهت بعونه تعالى **



