نقد

ورقة نقدية لعرض (ويندوز أف Windos F)/ حسن خيون

تأليف ودراماتورجيا: أحمد أمين ساهل – المغرب

 

في عالمٍ تتسارع فيه الطبيعة الرقمية لحياتِنا، صارت الشاشة نافذتنا الكبرى على الواقع. جاء عرضُ “ويندوز أُف” ليضعَ المتلقي أمام سؤالٍ لم يَعُد افتراضياً، بل وجودياً مُلحاً في الوقت ذاته:

من يتحكمُ بالتكنولوجيا، نحن أم أنّها هي التي تُعيدُ تشكيل حياتِنا، بل وتُوجهُ مصائرنا؟

هذا السؤال يفتح أفقاً تأملياً حولَ شكل جديد من أشكالِ السلطةِ غير المرئية؛ سلطةٍ بلا وجهٍ ولا جسد، لكنها، رغم ذلك، قادرة على ضبطِ الحركة، وتقييدِ الجسد، وإعادةِ تشكيلِ السلوكِ الإنساني. يحدث ذلك كله بضغطةِ زرٍّ واحدة.

وعلى هذا الأساس، لا تُقدمُ التكنولوجيا بوصفِها أداةً محايدة، بل كقوةٍ خفيةٍ تتسللُ إلى عمقِ التجربةِ الإنسانية، وتُعيدُ صياغةَ علاقتِنا بذواتِنا وبالآخرين، متجاوزةً حدودَ الشاشة إلى فضاءاتِ الحياةِ اليومية. ومن هذه العتبةِ الفكرية، يُدخلُنا أحمد أمين ساهل إلى عالم مسرحي يشبهُ غرفةَ تحكمٍ شاسعة؛ عالم يبدو، في ظاهره، امتداداً لحياتِنا المُعلقة بينَ الأوامرِ الإلكترونية وسيلِ الإشعارات، لكنه يتحولُ تدريجياً إلى سجنٍ رقمي تُعادُ فيه إنتاجُ أشكالِ العنفِ التقليدية عبرَ وسائطَ أكثرَ نعومةً في الشكل، وأشد قسوةً في الأثر.

هنا، ومن خلال هذا التصور، لاتظهرُ التكنولوجيا كوسيطٍ محايد، بل كمرآةٍ تعكسُ اختلالاتِ المجتمع، وتكشفُ كيف يمكنُ للآلةِ أن تتقمص وجوهاً بشرية مألوفة، وأن تمارسَ سلطةً لا تختلفُ في جوهرِها عن تلك التي تطاردُ النساء داخلَ البيوتِ والفضاءاتِ الخاصة.

بهذه الرؤية، يُمهدُ العرضُ لبناءٍ درامي تتقاطعُ فيه السخريةُ السوداءُ مع التراجيديا النسوية، ليغدو الحضورُ الأنثوي بؤرةَ الصراع بينَ الحريةِ والإخضاع، بينَ الصوتِ الإنساني الهشّ والصوتِ الآلي الصارم الذي لا يعترفُ إلّا بالأوامرِ والملفاتِ الرقمية.

ومنذُ المشهدِ الافتتاحي، نجدُ أنفسَنا داخلَ فضاءٍ مسرحي أقربَ إلى منصةٍ إلكترونيةٍ متحركة: ثلاثُ قطعٍ خشبيةٍ بيضاء، وثلاثُ سجيناتٍ يرتدينَ ملابسَ بيضاءَ موحَّدة. هذا التشابهُ اللوني طمسَ هوياتِهن تحتَ أغطيةٍ موحَّدة، في غيابٍ تام للشخصيةِ المستقلة التي تُعبر عن نفسها كذاتٍ فاعلةٍ غيرِ تابعةٍ لتصورٍ أو فكرةٍ أو إيديولوجيا.

يظهرُ هذا التكوينُ في البداية كما لو أنّه تعبيرٌ عن الحيوية والليونة عبرَ حركاتٍ تتسمُ بالانسياب، غيرَ أن هذا الإحساسَ يتلاشى سريعاً مع صفارةِ الإنذار، ثم ظهورِ صوتِ “السجّان الآلي” المتمركزِ بدقة داخلَ الفضاء.

عندَ هذه اللحظة، يتبددُ أيُّ أثر للحرية، ويتحول المكان إلى منظومةِ ضبط صارمة تُدارُ بمنطقِ العد، والصعق، وإعادةِ البرمجة.

أما الحارسُ الآلي هنا، هو تمثيلٌ لسلطةٍ بلا ملامح؛ باردة، لا تعترفُ بالعاطفة، ولا تتعاملُ إلّا مع الملفات والبيانات. وهو لا يمثل في جوهرِه سلطةً جديدة، بل عمليةُ إعادةِ إنتاج رقميةٌ لسلطات اجتماعية راسخة: سلطةِ الأب، والزوج، والأخ، والقانون، والعُرف. هكذا يغدو السجنُ الافتراضي امتداداً مباشراً للسجنِ الاجتماعي الذي خرجت منه الشخصيات، ويغدو العنفُ الرقمي مجردَ واجهة حديثة لعنف قديم متجذر.

تُقدم المسرحيةُ تصوراً لهذا العالم من خلال ثلاثِ حكاياتٍ نسويةٍ تختلفُ في مساراتِها السردية، لكنها تلتقي في الجوهر.

سعيدة: امرأةٌ مسحوقةٌ داخلَ بيتِها قبلَ دخولِ السجن، محاصَرةٌ بين سلطةِ الأسرة وسلطةِ الزوج، لتصلَ إلى لحظةِ انفجارٍ قصوى حينَ تسكبُ الزيتَ الساخنَ على رأسِ زوجها دفاعاً عن آخرِ ما تبقى من كرامتِها الإنسانية.

هاجر: بطلةُ ملاكمة، تعيشُ انكسارَ حلمِها الرياضي تحتَ ضغطِ منظومةٍ فاسدة، وتُدفعُ نحو الهجرة لتجد نفسَها، من دون قصد، متورطةً في فضاء إجرامي لا يمتُّ إلى أحلامِها بصلة.

وسناء: الزوجة المحرومةُ من الإنجاب، والتي تعيشُ اغتيالاً بطيئاً لهويتِها، إذ تختزلُها المنظومة الطبية والاجتماعية إلى (جسدٍ ناقص)، فتفقدُ تدريجياً حضورَها داخلَ علاقةٍ زوجية لا ترى فيها سوى وظيفة بيولوجية معطلة.

ورغمَ اختلافِ هذه المصائر، يوحدُ العرضُ بينها بخيطٍ درامي دقيق، مفادُه:

أن العنفَ واحدٌ وإن تغيرت أدواتُه، وأن السلطةَ نفسَها تُعادُ برمجتُها داخلَ آلةٍ حديثة لا تنفصلُ عن الواقعِ اليومي.

وعلى مستوى الأداء، تُجسدُ الممثلاتُ شخصياتِهن بملامحَ حياتية واقعية يومية، خالية من المبالغة. لكن هذا الأداء يبدو مبتوراً في جوهرِه، فالجسدُ نفسه لا يعملُ بوصفِه ذاتاً إنسانية مكتملة، بل بوصفِه كياناً مقطوعاً عن الديمومة، محكوماً بسلطة تُعطلُ الانفعال، وتُقصي الفعل، وتُهمشُ العاطفة، فيغدو الجسدُ مبرمجاً ومحكوماً بإيقاع صارم.

تظهرُ أحياناً لحظاتُ ارتباك في العرض، خياراً جمالياً مقصوداً ربّما، أو نتيجة لحدودِ السيطرةِ الأدائية، وهي تشيرُ إلى هشاشةِ الجسد أمامَ منظومةِ الضبطِ التقني. وعلى الرغم من أن هذا الخيار قد يحجبُ جزءاً من الطيفِ الانفعالي في أداء الشخصيات، إلّا أنّه يخدمُ _ من جانب آخر_ الرؤيةَ الجماليةَ للعرض، إذ يُبرزُ الجسدَ بوصفِه كياناً خاضعاً لمنطقِ السلطةِ التقنية، أكثرَ منه ذاتاً حرةً فاعلة.

التكثيف الرمزي

داخلَ هذا النسيجِ الدرامي، تبرزُ رمزيةُ (الملح)، ولا سيّما في خطابِ شخصيةِ سعيدة، حيثُ يتحوّلُ إلى علامةٍ على الطهارة، والجرح، والتوازن في آنٍ واحد، وإلى أداة رمزية لمقاومةِ أذى العالم. إذ يفتحُ هذا الرمزُ أفقاً شعائرياً خفياً، يُلمحُ إلى محاولةِ استعادةِ الذات عبرَ الجسدِ والذاكرة. وكان بالإمكان تعميقُ حضورِه نصياً ودلالياً، بدلَ الاكتفاء بترجمتِه بصرياً عبرَ المادةِ البصرية (الفيديو) بشكل مباشر.

يبلغُ العرضُ ذروتَه عندما تتجرأُ السجيناتُ على كسرِ شاشةِ الحارس بالقنينةِ الزجاجية، في فعل يبدو كأنّه أولُ محاولةٍ حقيقيةٍ لكسرِ السلطة الرقمية ورفض الخضوع لها.

لكن النظامَ يُعيدُ تشغيلَ ذاته بسرعة، ويعودُ الحارسُ إلى الحياة كما لو أن شيئاً لم يحدث، لتجدَ السجيناتُ أنفسَهن في نقطةِ البداية ذاتِها.

إنّها دائرةٌ مغلقة تكشفُ أن تحطيمَ الواجهة لا يعني تحطيمَ النظام، وأن السلطةَ الرقمية مبرمجةٌ لتجاوزِ أيّ خللٍ أو مقاومة. وهكذا تُعادُ الحكاية، ويُعادُ معها إنتاجُ الضحايا من جديد.

السينوغرافيا والتأثيث المشهدي

على المستوى السينوغرافي، ينجحُ التأثيثُ المشهدي، ولا سيّما توظيفُ القطعِ الخشبيةِ البيضاءِ الثلاث، في إحداثِ تحولات بصرية واضحة تخدمُ تطوّرَ الفعلِ الدرامي، وتُكثّفُ الإحساسَ بالعزلةِ والرقابة. لكن (ويندوز أُف) يظهر في النهاية أكثرَ من مجردِ عرضٍ مسرحي؛ إنّه مرآةٌ رقميةٌ تُعري عمقَ العنفِ الذي يخترقُ البيوتَ قبلَ أن يخترقَ الشاشات، وتكشفُ كيف يُعادُ إنتاجُ القهر عبرَ وسائطَ جديدةٍ يتغيرُ شكلُها ولا يتبدلُ جوهرُها.

ولعلَّ أبرزَ ما يقوله العرضُ هو أن السجّان لا يسكنُ شاشةَ الحاسوب فحسب، بل يسكنُ البيتَ والمجتمعَ والذاكرة. وأن من يتجرّأُ على مواجهتِه، مهما اختلفت أسماؤه، قد يجدُ نفسَه داخلَ نظامٍ يُعيدُ إنتاجَ العقاب بلا توقف. إذ يغدو السجنُ الرقمي انعكاساً لصورة اجتماعية أوسع؛ عالمٌ تدورُ فيه حلقةُ القمع مراراً، بينما يظلُّ التمردُ فعلاً مكلفاً، لكنه ضروريٌّ لكشفِ الحقيقة.

“ويندوز أف” عرض مسرحي معاصر، يحملُ خطاباً كلاسيكياً في جوهرِه، لكنه يوظفُ أدوات حديثة لنقلِ فكرتِه بهدوء ومن دون إفراط، رغمَ بعضِ المبالغةِ الموسيقية التي كان من الممكن موازنتُها بلحظاتِ صمتٍ أعمقَ وأطول، تُتيحُ للتجلياتِ الفكريةِ والفلسفية أن تأخذ مداها الكامل.

في النهاية، يظلُّ العرضُ تجربة مسرحية لافتة، تنقلُ حكاية إنسانية مؤلمة عبر نكهة مغربية محكية، وتستحقُّ التقديرَ لما تحمله من رؤيةٍ دراماتورجية معاصرة وجهد جماعي واضح.

 

حسن خيون/ مخرج مسرحي معاصر العراق / بلجيكا

 

ملاحظة: قدمت هذه الورقة بتاريخ 14 يناير 2026 ضمن فعاليات الدورة 16 لمهرجان المسرح العربي بالقاهرة

(10 ـ 16 يناير 2026

Related Articles

Back to top button