أنطولوجيا الخراب أو حين يغدو “الحُلم” استيقاظاً في جحيم الآخر/ طاهر العجرودي
“(ال)حُلم” للفاضل الجعايبي وجليلة بكار
بعد افتتاحها لأيام قرطاج المسرحية 2025 بتونس في عرض أول، عادت شركة «فاميليا» للإنتاج ومسرح «الريو» بتونس العاصمة لتقديم عمل المخرج التونسي الكبير الفاضل الجعايبي” «(الـ)حلم»؛ كوميديا سوداء”، لتقديم سلاسل من العروض الدورية بمسرح «الريو» بتونس العاصمة.
تماماً ككل أعمال «فاميليا»، تأتي «(الـ)حلم» لتثير الجدل وردات الفعل المتباينة؛ بالنظر لاشتغالات الثنائي الفاضل الجعايبي وجليلة بكار السابقة، والتي عادةً ما تم حصرها في خانة «المسرح السياسي» بمدلوله المباشر والآني؛ وتلك قراءة، وإن كانت مشروعة في مراحل سابقة، إلا أنها تقف عاجزة اليوم أمام الانعطافة الأنطولوجية الكبرى التي وسمت أعمالهما في العشرية الأخيرة. فمنذ أكثر من نصف قرن، وهذا المشروع المسرحي يمارس نوعاً من “الحفر الجيولوجي” في طبقات الشخصية التونسية، مفككاً رواسبها، ومعرياً تناقضاتها بين ماضٍ يرفض أن يمضي، وحاضرٍ عاجز عن التشكل. ولكن، في مسرحية “(ال)حُلم”، نحن لسنا أمام مجرد تشريح محلي لواقع مأزوم، بل نحن بصدد مرثية كونية للإنسان المعاصر، ولمفهوم “العيش المشترك” الذي تهاوى تحت ضربات الأنا المتضخمة والخوف من “الآخر”. إن هذا العمل يغادر جغرافيا تونس السياسية، ليدخل جغرافيا الإنسان الميتافيزيقية، طارحاً أسئلة الوجود الكبرى: الحرية، الحدود، الضيافة، والموت، ضمن جمالية يمكن وصفها بـ”شعرية الكابوس”.

هيتروتوبيا العزل
لا يمكن ولوج عالم “(ال)حُلم” دون الوقوف طويلاً عند العتبة الأولى لهذا الجحيم: الفضاء. فـ”البلاص” القديم المتداعي في قلب العاصمة، ليس مجرد إطار مكاني تدور فيه الأحداث، ولا هو مجرد ديكور يحيل على الواقعية القذرة؛ إنه البطل التراجيدي الأول، والشاهد الصامت على الجريمة. إنه، باستعارة مفهوم ميشيل فوكو، فضاء “هيتروتوبي” (Hétérotopie)؛ مكان يقع خارج الزمان وخارج المجتمع، رغم أنه في قلبه. هذا المبنى الذي نخرت الرطوبة عظامه، وحاصرته مياه الصرف الصحي (الغرَم) من أسفله، يتحول إلى استعارة مكثفة لـ”الوطن” أو “المؤسسة” أو حتى “الحضارة” التي كانت يوماً شامخة، وأصبحت اليوم آيلة للسقوط فوق رؤوس ساكنيها.
إن المعالجة السينوغرافية لهذا الفضاء تتجاوز الوظيفية إلى الدلالية؛ فالجدران المتصدعة ليست فواصل معمارية، بل هي حواجز نفسية عزلت الشخصيات عن العالم الخارجي، وأوهمتها بـ”حماية” كاذبة. هنا تكمن المفارقة الأولى التي يؤسس عليها الجعايبي عمله: جدلية “الداخل” و”الخارج”. الشخصيات تظن أنها احتمت بـ”البلاص” من طوفان الخارج، لكنها تكتشف بمرارة أن الطوفان ينبع من الداخل، من الأعماق، من شبكة الصرف الصحي التي تمثل -بالمعنى الفرويدي- عودة المكبوت، وطفح القذارة التي حاول المجتمع إخفاءها طويلاً تحت السجادة. إن “الماء اللي طالع” ليس مجرد خلل صحي، بل هو صعود “السفلي” و”المدنس” ليبتلع “العلوي” و”المقدس”، معلناً نهاية تراتبية القيم التقليدية.
أركيولوجيا الشخصيات
في هذا الفضاء المختنق، تتحرك الشخصيات لا كذوات حرة، بل كـ”نماذج مكثفة” (Archetypes) تحمل وزر تاريخ كامل من الهزائم. لا يقدم الجعايبي وبكار شخصيات سيكولوجية مسطحة، بل يقدمان كائنات تعيش “الوعي الشقي” بأقصى تجلياته، وتخوض صراعاً دونكيشوتياً ضد الفناء.
تتصدر “جميلة” هذا المشهد الجنائزي، فهي ليست مجرد ساكنة في البلاص، بل هي “الذاكرة” التي تأبى الاعتراف بموتها. بأدائها الذي يلامس التعبيرية الأوبرالية، تجسد جميلة طبقة النخبة -أو ربما الدولة العميقة- التي تعيش حالة “إنكار” مرضي. إنها ترفض الخروج، ترفض رؤية التصدعات، وتمارس طقوس “الأنا” المتعالية عبر استحضار أمجاد مسرحية بائدة. إن تراجيديا “جميلة” تكمن في أنها سجينة زمنها الخاص، زمن “الحلم” الذي تحول إلى وهم، جاعلة من جسدها الهرم متراساً أخيراً ضد حقيقة الانهيار.
في المقابل، تأتي شخصية “نعيمة”، الممرضة أو التابع، لتشكل مع جميلة ثنائية “السيد والعبد” الهيجلية. علاقتهما ليست مجرد خدمة، بل هي اعتماد متبادل مشوب بالكراهية الضرورية. نعيمة “تكره” مريضتها لكنها “لاهية بيها”، في تجسيد صارخ لعلاقة الأجيال الحالية بإرث الآباء؛ علاقة محكومة بالقطيعة المستحيلة. ومعهما يدور “جميل”، الحارس، الذي يمثل “سلطة الوهم”. إنه يحاول فرض نظام “بوليسي” في مكان تحكمه الفوضى المطلقة. حركته الدائبة وصراخه الأجوف يعكسان حالة المؤسسة الأمنية أو الرقابية التي فقدت موضوع سيطرتها، فأصبحت تمارس سلطتها على الفراغ وعلى الخراب، في عبثية تذكرنا بشخصيات صمويل بيكت التي تنتظر غودو الذي لن يأتي، بينما هنا ينتظرون السقوط الذي أتى بالفعل.
أما “الطاهر”، هذا “الخنادقي” الواحل في القذارة، فيحمل دلالة وجودية عميقة. إنه سيزيف التونسي المعاصر؛ يحمل عصاه (أداته البدائية) ليواجه بها طوفان “الغرَم”. محاولاته المتكررة لـ”تسريح” القنوات ليست فعلاً إصلاحياً بقدر ما هي “فعل مقاومة عبثي”. الطاهر يدرك، في قرارة نفسه، أن المعركة خاسرة، وأن “الماء الطالع” أقوى من إرادته، لكنه يستمر في المحاولة لأن التوقف يعني الموت. شخصية الطاهر تثير فينا شفقة أرسطية ممزوجة بالرعب؛ رعب الإنسان الذي يواجه قوى الطبيعة (أو فساد العمران) وحيداً وأعزلاً.
ولا يكتمل هذا الفسيفساء البشري دون التوقف عند “باديس” و”بية”. باديس، مريض التوحد، هو “الرائي” الصامت. في عالم يضج بالثرثرة والادعاء، يمثل صمته وانعزاله الإدانة الأبلغ. هو “الغريب” المقيم في الداخل، الذي يطرح بوجوده سؤال “القبول”: هل نحن قادرون على التعايش مع من لا يشبهنا؟ أما “بية”، الصحفية المختبئة، فهي تجسد “الحقيقة المحاصرة”. تحولها من باحثة عن الخبر إلى هاربة من الواقع يشير إلى هزيمة السلطة الرابعة، واضطرار “الكلمة” للاختباء في جحور الخوف بدلاً من أن تكون سيفاً مسلطاً على الفساد.

الحدث/الصدمة: الجثة واختبار الضيافة المستحيلة
إذا كان البلاص هو الجسد، والشخصيات هي الأعضاء المريضة، فإن “الجثة” التي تطفو فجأة في مياه الصرف الصحي هي “الورم” الذي يفجر الحقيقة. هنا، ينتقل النص من التشريح الاجتماعي إلى المساءلة الفلسفية الأخلاقية، مستدعياً مفهوم “الضيافة” (L’hospitalité) كما طرحه الفيلسوف جاك دريدا.
وفقاً لدريدا، الضيافة الحقة هي تلك التي تستقبل “الآخر” (L’arrivant) دون شرط، ودون سؤاله عن اسمه أو أصله، حتى وإن كان هذا الآخر يحمل خطراً محتملاً. لكن في “(ال)حُلم”، تسقط المجموعة سقوطاً مدوياً في هذا الاختبار. الجثة المجهولة، المشوهة، العائمة في القذارة، تمثل “الآخر الجذري”؛ الغريب المطلق الذي اقتحم عزلتهم دون استئذان. رد فعل الشخصيات لم يكن الشفقة أو الرغبة في التكريم (الدفن)، بل كان الذعر، القرف، والرغبة الهستيرية في التخلص من “الفضيحة”.
إن التعامل مع الجثة كـ”نفاية” يجب إخفاؤها يعري هشاشة المنظومة القيمية لهذه المجموعة. لقد تحولت “الضيافة” إلى “عداء” (Hostilité)، وكشفت أن “الحدود الوهمية” التي رسموها حول أنفسهم لم تكن لحماية طهارتهم، بل لحماية أنانيتهم. الجثة هنا هي المرآة التي يخشون النظر فيها؛ إنها صورتهم المستقبلية، ومصيرهم المحتوم الذي يرفضون قبوله. ومن خلال هذا الرفض، يطرح الجعايبي وبكار سؤالاً حارقاً حول هويتنا الإنسانية: هل ما زلنا بشراً إذا كنا عاجزين عن احترام حرمة الموت؟ وهل يمكن بناء وطن أو “بلاص” آمن ونحن نؤسسه على إقصاء “الآخر” ونفيه، حياً كان أو ميتاً؟
علاوة على ذلك، يمثل اقتحام “الطامّة والعمّة” (الجمهور الخارجي، الشرطة، الفضوليين) للمكان لحظة انتهاك الخصوصية، وسقوط ورقة التوت الأخيرة. هذا الاقتحام يؤكد أن العزلة كانت وهماً، وأن “البلاص” ليس جزيرة معزولة، بل هو جزء من كل مريض، وأن محاولة الانفصال عن الواقع هي محاولة انتحارية مآلها الفشل.
الكوميديا السوداء كبنية للعبث لا للسخرية
من الضروري هنا تصويب العدسة النقدية تجاه التصنيف الجنسي للعمل. حين يُوصف “(ال)حُلم” بأنه “كوميديا سوداء”، فإن هذا التوصيف لا يحيل -بأي حال- إلى الضحك الساخر أو التنفيس الكوميدي المعتاد. نحن هنا، وبالاستناد إلى مرجعيات مسرح العبث ومسرح القسوة لأنتونين أرتو، أمام كوميديا الكابوس.
“الكوميديا” هنا تنبع من المفارقة الصارخة بين فظاعة الموت وعادية الحياة اليومية. أن تأكل الشخصيات وتشرب وتتشاجر وتتحبب وفوقها جدران تنهار وتحتها جثة تتعفن، هذا هو جوهر “اللامعقول” (Absurd). الضحك الذي قد يتسرب من هذا المشهد ليس ضحكاً مرحاً، بل هو تشنج عصبي، ورد فعل فيزيولوجي تجاه قسوة الصورة. إنه الضحك الذي يسبق البكاء أو الجنون.
لقد اعتمد الجعايبي رؤية إخراجية ودراماتورجية ترتكز على “جمالية القبح” (L’esthétique du laid). لم يجمل الواقع، بل قدمه في أكثر صوره فجاجة: روائح، مياه آسنة، أجساد مترهلة، ونفوس مريضة. هذا الخيار الجمالي ليس عبثياً، بل هو استراتيجي؛ فالهدف هو “صدم” (Shock) المتفرج، ووضعه وجهاً لوجه أمام حقيقته العارية، دون مساحيق تجميل فنية. “الحلم” في العنوان ليس إلا التسمية الساخرة لهذا الكابوس؛ فالشخصيات لا تحلم، بل تهذي، والهذيان هو آخر مراحل الوعي قبل الغيبوبة التامة.

لا نجاة خارج الحقيقة
تجربة “(ال)حُلم” للفاضل الجعايبي وجليلة بكار هي وثيقة إدانة بصرية وفكرية، تتجاوز حدود المسرح لتستقر في وعي المتلقي كجمرة حارقة. إنها مسرحية لا تقدم حلولاً، ولا تبشر بخلاص قريب، بل تكتفي بإشهار “المرآة” في وجوهنا.
تحتفي هذه القراءة النقدية بالعمل لا لأنه “جميل” بالمعنى الكلاسيكي، بل لأنه “مريع” وموجع. إنه يحتفي بقدرة المسرح على أن يكون فعل مقاومة؛ مقاومة ضد النسيان، وضد التجميل الزائف، وضد وهم “الأنا” التي تظن أنها تنجو وحدها. تخبرنا المسرحية، عبر مصير سكان “البلاص”، أن لا نجاة في الانعزال، وأن الحرية ليست في بناء الجدران، بل في القدرة على فتح الأبواب لـ”الآخر”، وقبول حقيقة أننا جميعاً شركاء في هذا المركب، وأن “الغرَم” إذا طفح، فلن يستثني أحداً، لا من يسكن في الأعالي، ولا من يختبئ في الدهاليز. إن “(ال)حُلم” هو صرخة تحذير أخيرة: استيقظوا، فالكابوس ليس ما ترونه في منامكم، بل هو ما تعيشونه الآن وأنتم تظنون أنكم مستيقظون.
• البلاص تعريب للكلمة الفرنسية palace وخيرنا استعمالها بدل” عمارة ” لأن الذئب يسكن في العبارة .
** طاهر العجرودي (باحث في المسرح وفنون الأداء ـ المعهد العالي للفن المسرحي بتونس /جامعة تونس (14 يناير 2026)



