مسرحية (صار يكفي ..Seven days) بين السوط واللقمة/ بقلم: د. ميثم فاضل

سردية التحضر والقوة الناعمة أدوات للهيمنة داخل منظومة السيرك
في إطار درامي بوليفوني يُبنى العرض على تشابك الأصوات، رؤى فكرية وإيديولوجيات متنافرة، تتعايش ضمن حوارية جدلية تنبثق من فرضية الاستحالة لنسق الوجود الانساني، وتتشكل الحكاية على وفق هذا المعنى باستعارة ثيمة من عالم الفرجة أضاءها الممثلان (علي الشيباني) و (حسن الغبيني) بقصة (مُدرِّب السِيرْك والنمر).
تحتفي عروض السيرك بأنموذجِ إعادة إنتاج علاقات القوة والهيمنة في إطار فني مُسْتَعْرَض، وتستحيل العلاقة بين المُدرِّب والنمر استعارة مجتمعية عميقة تعكس آليات إخضاع الهوية وإعادة تشكيلها قسراً، في هذا السياق، يمثل المُدرِّب سلطة المؤسسة أو النظام السائد الذي يمتلك أدوات التحكم (المادي: السوط، والمعنوي: توفير لقمة العش)، بينما يجسد النمر الكينونة الفطرية التي تُجَرَّد من جوهرها لتتوافق مع متطلبات أداء مُقَنَّنٍ وغريبٍ عن طبيعتها، تتجلى عملية الإخضاع من خلال إجبار النمر على تقليد أصوات لا تنتمي إلى مورفولوجيته الصوتية أو هويته البيئية، مما يشير إلى عملية (مسخ) ثقافي أو وجودي، ولا ينحسر الأمر بالأداء الحركي للممثل، بل هو تفريغ الرمز من دلالته الأصلية (القوة، الحرية، البرية) واستبدالها بدلالة هزيلة مُسَخَّرة للتسلية، ممهدة الطريق لقبول الذل كشرط للبقاء، فعلاقة التبعية هنا مُغَلَّفَة بعقد اجتماعي مُفْتَرَض: الحصول على (لقمة العش) مقابل التنازل عن جوهر الهوية، ويُستعمل السوط كأداة ترهيب مادي يضمن استمرارية الامتثال، حتى في غيابه الفعلي، من خلال إدماج الخوف في وعي المقهور، ومن ثمَّ ، فهو ينذر بإسار البشرية لشراسة السوط المُسنَّن بسياسة التجويع، ويختزل وعي الانسان ويقرض عالميته الفكرية والجمالية، ليستحيل مسخاً تابعاً لأيديولوجيات لا تثمر غير سد رمق الجوع، والبقاء لأجل إدامة سلطة الآخر والذوبان فيها.
هذه الديناميكية تطرح أسئلة أخلاقية وفلسفية حول حدود الهيمنة المشروعة، وثمن البقاء في الأنظمة القمعية، وكيفية تحويل الكينونة من حالة استقلالية إلى أداة منتجة تخدم سردية المسيطر، مُضحية بكل مقوماتها الأصلية في سبيل ضمان وجود مشروط هش، ومن ثمَّ ، فإن قصة المُدرِّب والنمر تتجاوز السرد الحرفي لتصبح إطاراً تحليلياً لفهم آليات إخضاع الإرادات، وتشويه الهويات، وتطويع الكائنات، البشرية منها والحيوانية على حد سواء، ضمن أنظمة هرمية تقوم على التبادل غير المتكافئ: البقاء الجسدي مقابل الموت الرمزي للذات. أبدع الممثلان بتوظيف تقنية مسرح خيال الظل في تأثيث فضاء مؤسلب لثيمة التابع، تتسيد فيه الحبال كرمز دال لفلسفة القطيع وتصوير الانسان ككيان غريزي لا عقلاني.

مسرحية: (صار يكفي ..Seven days)
سينوغرافيا وإخراج: د. علي الشيباني
تمثيل: حسن الغبيني علي الشيباني
اضاءة: سعد سلمان
تنفيذ الموسيقى: نيران محمد
تقديم: كلية الحلة الجامعة /كلية الفنون الجميلة/ قسم المسرح
تاريخ العرض: الثلاثاء الموافق 23/ 12/ 2025



