لغة الجسد: مدخل تدريبي إلى الأداء والاتصال/ فاضل الجاف

لغة الجسد: اسرار لغة الجسد وتعابير الوجه
يقول أحد علماء الجسد: “إذا كنت لا تريد أن تفهم حقيقة نفسك وحقيقة الآخرين فلا تحاول أن تتعلم اسرار لغة الجسد وتعابير الوجه، بل عليك أن تكتفي بالكلمات فقط”.
إننا في مهنتنا وأثناء عملنا اليومي نحتاج إلى أن نفهم المعنى الحقيقي المخفي والدوافع الكامنة في علاقات الناس وفي اتصالاتهم ببعضهم البعض، إن ذلك يتطلب دراية باسرار لغة الجسد وتعابير الوجه والسياقات الكامنة في العلاقات الجسدية.
أن تفهم الناس في سياق العلاقات الجسدية كأنك تفهم الغابة بأسرها، وليست الأشجار فقط. وبغية تحقيق ذلك لا بد لنا من الحصول على قدرٍ كافٍ من القدرة والمهارة كي نفهم أجسادنا وأجساد الآخرين، وندرك السر وراء سلوك الآخرين ودوافع تصرفاتهم بطريقة أو بأخرى. وباختصار فإن فهم لغة الجسد تساعدك في فهم الآخرين”.

مفهوم التواصل
يمكن تلخيص مفهوم التواصل حسب الخبير السويدي في فن التواصل “آرني هالسترويم” في خمس خطوات:
1/ أن يكون بإمكان المتلقي:
2/ أن يسمع أو يقرأ رسالتنا.
3/ أن يفهم ما نقوله.
4/ أن يتذكر ما نقوله.
5/ أن يتوصل المتلقي إلى اتخاذ قرار على أساس ما توصل إليه خلال تواصله معنا.
سئل أحد أكبر خطباء الإغريق (ديموسثينيس) ذات مرة، ما هو أهم جزء في البلاغة وفن الكلام، فقال من دون تردد: “أسلوب العرض، وقال ردا على سؤال: وبالدرجة الثانية والثالثة؟ فقال: أسلوب العرض ثم أسلوب العرض”.
وعليه فإن التواصل لا يحقق هدفه إلا بعرض فعَال ناجح.
وتشير الحقائق إلى أن اسرار لغة الجسد والصوت عاملان حاسمان في توصيل ما نريد للمتلقي، وفي تحديد أسلوبنا في العرض في أي مجال كان، وهما بالإضافة إلى كونهما وسيلتين أساسيتين في عملية التواصل، يعبَران أيما تعبير عن شخصية الإنسان.
وعن أهمية لغة الجسد وتعابير الوجه في التواصل يؤكد الخبير الأميركي في لغة الجسد “الآن بيز” بأن المزيد من التواصلات البشرية تحدث باستخدام الحركات، وأوضاع الجسد، والمسافات بينها، أكثر من أي شيء آخر.
وبإمكان أي إنسان أن يكتسب مهارات عملية في تطوير قدراته الجسدية والصوتية، لكي يصبح بعد ذلك مؤديا ماهرا أمام الآخرين، وبارعا في إقامة أواصر التواصل بسهولة.
إن ما ينبغي على المرء أن يتعلمه من أجل بلوغ مثل هذا الهدف، هو العمل الجاد المبرمج من أجل تطوير قدراته الشخصية في اكتساب مهارات التواصل.
ولا يعنى هذا أبدا بان عليك أن تقلَد أحد المتخصصين البارعين في لغة الجسد في التواصل، أو أحد الخطباء الماهرين. فمنابع فن التواصل وموارده الجسدية كامنة في جسدك، وما عليك إلا اكتشافه وصقله بشيءٍ من المران المتواصل وإتباع قاعدة عملية، ألا وهي كما قال مييرهولد: التدريب …التدريب… التدريب.
لكن طريقة مراننا وتدريبنا يجب أن تنهض على معرفة أدائنا الجسدي معرفة تامة، مما يحتّم علينا إن نعرف بالتحديد ما نحتاجه في هذا المجال، وعلى أساس ذلك بإمكاننا اقتناء جملة من التدريبات الفردية، أو بالمشاركة في الدورات التدريبية الخاصة بالأداء الجسدي في ميدان التواصل الفعَال.
والتدريب يمكن أن يخص المجالات التالية: الحركة، الجلوس، القوام، الإشارات، الاتجاه، الحواجز، الحيوية والطاقة، الصوت والإلقاء والتنفس.

خصائصك الفردية
إن خصائصك الشخصية، هو ما يميّز أسلوبك، ولا ينبغي عليك أن تحاول تغييره واكتساب مهارات مستعارة من الآخرين. فتصرفاتك وسلوكك هي الأصح والأكثر ملائمة لجسدك ولن تكون الحركات المكتسبة من الآخرين غير حركات وتصرفات مصطنعة ومفتعلة لا تجلب لك إلا الانطباعات السلبية كالشعور بالزيف وفقدان الأصالة.
فالجسد ذو البنيان الراسخ والحركات الواضحة والإشارات المعبَرة يترك انطباعا واضحا ودقيقا وإيجابيا، في معظم الأحوال.
فالجسد المتفتح الذي يعرض نفسه أمام الآخرين ولا يختفي خلف الحواجز والعوائق يعبّر عن شخصية تتمتع بالثقة والقوة، ويرسل رسائل وإيعازات واضحة. وهذا ينطبق على الصوت أيضا، فالصوت الخفيض ذو النبرات المتذبذبة، يعبّر عن شخصية قلقة ومترددة. ومن المعلوم أن لكل إنسان صوتا خاصا ورنة خاصة به، يميزه عن أصوات الآخرين، إلا أن القدرات الصوتية تنمو وتتطور تبعا لمعرفة الإنسان لجسده (خاصة الحنجرة وجهاز التنفس).
الجسد المتفتح/ الجسد المنغلق:
إن النقطة الواقعة في أسفل القفص الصدري، هي بمثابة مركز الجسم، وهي أكثر أماكن الجسد إيحاء بالثقة من حيث إرسال الإيعازات والمؤشرات الصادرة منا. وهو في نفس الوقت تمثل النقطة التي تمنح جسد الإنسان وضوحا وانفتاحا واستعدادا للاستقبال والتقبل بغض النظر عن السياق الذي يتواجد فيه الجسم.
إننا من خلال تعاملنا الصحيح مع المركز نكشف للآخرين ليس مدى استعدادنا في الانفتاح واستقبال الآخرين فحسب، بل مدى ثقتنا وقناعتنا بأنفسنا.
لكي يتخذ الجسد وضعا منفتحا على الآخرين عليك قبل كل شيء أن تجعل نقطة المركز في حالة انفتاح تام.
إن الجسد المتفتح هو الجسد الذي ينفتح على العالم، على الآخرين بصورة طبيعة دون المبالغة الاستعراضية والتبجح والإدعاء.
أما الجسد المنغلق، فتكون نقطة المركز فيه ضامرة، غير ظاهرة، والظهر متكور.
إن الجسد المتفتح هو جسد إيجابي يستعرض نفسه للآخرين ويشجعهم على التواصل والتواصل معه وإقامة علاقة، بعكس الجسد المنغلق على نفسه، فهو جسد سلبي، يترك انطباعا غير مشجعا للاتصال والتواصل أو لإقامة أية علاقة.
القول نفسه ينطبق على الصوت والأداء الشفوي، فالجسم هو وعاء الصوت، والجسد الإيجابي يحمل في ثناياه صوتا إيجابيا. وبالعكس فان الجسد المنغلق على نفسه، لا يخلق للصوت إمكانيات جيده في القوة والوضوح والتنويع.
يقول نيكولاس بوثمان في كتابه كيف تتواصل في العمل عن الانفتاح:
“الجسد الإيجابي يحرر طاقة إيجابية باتجاه الآخرين، وبالتالي يستلم طاقة ايجابية من الآخرين، أما الجسد السلبي، المنغلق على نفسه، المنكمش والمتوتر، فلا يمكن أن يتم استقباله بحفاوة”.
فلو كنت متوترا تشعر بالسأم والملل فلا يحق لك أن تطالب الآخرين بالانفتاح أو الاهتمام بك.

فمثلما يحرر الجسد الإيجابي شحنات من الطاقة الإيجابية وعلامات الانفتاح بوجه التواصل مع الآخرين، يعبَر الجسد المنغلق على نفسه عن الإحساس بالقلق والتردد والخوف والعدوانية، وغيرها من الأحاسيس السلبية المعبرة عن الانغلاق.
ومن مزايا الطاقة الإيجابية التي يحررها الجسد المنفتح إنها تحمل في ثناياها انطباعات وتعابير إنسانية مشفوعة بالحبور والتفاؤل والانشراح، مما يشيع في الجو فرحا ويكون حافزا في خلق إمكانيات جديدة تأتي من مساهمات الآخرين مساهمة حرة وطليقة.
لذلك فإن المربية والخبيرة السويدية في لغة الجسد “لوته جوهلين” ارتأت إلى تسميتها بـ “النقطة السعيدة”. حقا فإنها نقطه توعز للآخرين بأنك سعيد بلقائهم وإنك حميمي ومستعد لتلقي كل استفساراتهم وأسئلتهم.
نعني بالجسد الإيجابي، أن يتمتع الجسد بالطلاقة والمرونة والانسيابية في التعبير والحركة. ويكون الجسد في هذه الحالة، إيجابيا في تصدير الطاقة واستقبالها في نفس الوقت، وكذلك في إرسال الإيعازات وتلقيها من الآخرين. وبالعكس فإن الجسد المتوتر والمتصلب والمتشنج هو جسد سلبي، يتعذر عليه أن يتحول إلى مصدر للطاقة إلى الآخرين.
فالشعور بالانفتاح أمر ضروري لخلق جسور التواصل بينك وبين مستمعيك، ذلك لأن الأحاسيس الإيجابية تؤدي بالنتيجة إلى الانفتاح والشفافية والتكوين الجسماني النشيط والفعَال ذي الحركات المرنة الانسيابية.
فالانفتاح والشفافية صفتان تذللان العوائق أمام الجسد وتسهلان إصدار الطاقة وشعاع الخير إلى الآخرين، أما الكآبة والمزاج العكر فتؤديان إلى التشنج والوتر والانكماش في الجسد وإعاقة السبيل أمام الطاقة.
كلما كنت حاضرا في جسدك كلما كانت حركاتك أكثر ثباتا وتوازنا، في مثل هذا الحضور الجسدي فقط تبدأ العضلات بالعمل بديناميكية ملحوظة حتى في حالات الاسترخاء والسكون وبذلك تترك لدى الآخرين انطباعا إيجابيا، حيث تؤكد لهم بأنك على دراية بمتطلباتك الشخصية ولغة جسدك الإيجابية.
إن الأداء الفعَال يتطلب جسدا معبرا نشطا وفاعلا، ولكن هذا لا يعني بالضرورة، أن يكون الأداء مبالغا فيه وغير طبيعي، ولكن عليك معرفة قواعد واسرار لغة الجسد وتعابير الوجه.



