الهويةوالانفتاح الثقافي في مهرجان بغداد الدولي للمسرح ( الدورة السادسة )/ا. د . محمد عبد الزهرة محمد

مهرجان بغداد الدولي للمسرح في دورته السادسة يمثل نقطة التقاء ثقافية وفنية دولية حيث يشارك فنانون وعروض من حوالي 14 دولة عربية وأجنبية تشمل تونس والمغرب والكويت والإمارات ولبنان وفلسطين ومصر والأردن بالإضافة إلى ألمانيا والهند وإيران وإسبانيا وإيطاليا وبولندا ويعمل المهرجان كمنصة لكسر العزلة عن المسرح العراقي وإبراز هويته المتجددة ضمن المشهد الدولي ويحقق هذا التجمع احتكاكاً ثقافياً عميقاً من خلال تقديم عروض تنتمي لمدارس وتقنيات مسرحية متباينة ما يتيح فرصة للاطلاع على أحدث التجارب المسرحية العالمية والعربية المعاصرة ويتعمق هذا الاحتكاك عبر الفعاليات الموازية كالندوات النقدية وورش العمل التدريبية التي تفتح آفاقاً للحوار الفني والتحليل النقدي ونقل الخبرات والمعارف العالمية أما عملية التلقي في المهرجان فتتسم بتنوع كبير إذ يجمع المهرجان بين جمهور عراقي واسع يتميز بحضوره المكثف وتفاعله العاطفي المباشر وبين نخبة من النقاد والأكاديميين والمسرحيين الذين يمثلون جمهوراً متخصصاً ذا مرجعيات فنية عالمية ويترتب على هذا التنوع اختلاف في أنماط التلقي بين التلقي التحليلي الأكاديمي الذي يتناول مفاهيم العروض وتقنياتها والتلقي الجماهيري التفاعلي الذي يعكس مدى ارتباط الجمهور بالقضايا المطروحة خاصة تلك العروض التي تتناول قضايا اجتماعية بجرأة مما قد يثير سجالات نقدية بين من يرى في هذه التجارب كشفاً فنياً وبين من يرى فيها هشاشة في التلقي أو انبهاراً غير مبرر ويعد هذا التباين في التلقي جزءًا أصيلاً من إثراء المشهد الثقافي وتأكيد دور المهرجان كمنبر للتنوير والتعبير في قلب بغداد التي تُعد منارة للمسرح العربي، ويتجاوز المهرجان كونه مجرد تظاهرة فنية ليصبح مشروعاً فكرياً وفلسفياً يستهدف التلقي الواعي، حيث يعقد ملتقيات وندوات أكاديمية لمناقشة إشكاليات المسرح والتحولات الفكرية والفلسفية (كاستراتيجيات التفكيك وما بعد الحداثة)، بهدف ترسيخ المسرح كمنبر للحوار الفلسفي والتنوير. ويسعى هذا المشروع إلى تفعيل دور المتلقي ليصبح شريكاً في عملية التأويل والقراءة غير المتناهية للعروض، التي غالباً ما تتضمن أسئلة وجودية وفلسفية عميقة حول الحياة والصراعات الإنسانية، ما يؤكد أن المسرح رؤية فكرية قبل أن يكون تقنية، وأن المهرجان منصة لربط الفن المسرحي بالحركة الفكرية العالمية ونشر المعرفة النقدية والأكاديمية.
يمثل مهرجان بغداد الدولي للمسرح، في دورته السادسة، نقطة توازن استراتيجية ومحورية بين تأكيد الهوية المسرحية العراقية العريقة والانفتاح الواسع على التجارب الدولية المعاصرة. هذا التوازن يتجاوز كونه مجرد تنظيم لفعاليات فنية، إنه مشروع ثقافي طموح يهدف إلى تجديد المشهد المسرحي العراقي وإعادته بقوة إلى ريادته الإقليمية والدولية. ترسيخ الإنتاج المحلي كهوية متجددة يُعد المهرجان منصة حاسمة لإبراز جودة وتنوع المسرح العراقي. يتجسد ذلك في التمثيل النوعي، حيث تم اختيار عدد محدود من العروض العراقية (أربعة عروض في الدورة السادسة، مثل طلاق مقدس ومأتم السيد الوالد ) بعناية فائقة لتمثيل العراق أمام العالم، وغالباً ما تكون ثمرة لإبداعات متجددة تعكس حيوية المشهد المحلي. وتتميز هذه الأعمال بقدرتها على معالجة القضايا الراهنة الاجتماعية والسياسية الملحة بجرأة وعمق فني، ما يثير سجالات نقدية تعكس تفاعل المسرح مع الواقع (كما حدث مع مسرحية الجدار في دورات سابقة). كما يُعزز المهرجان التوثيق المعرفي من خلال توقيع إصدارات مسرحية عراقية جديدة (20 إصدارًا في الدورة السادسة)، مما يوثق التجربة المحلية ويُغذي مكتبة المسرح العربي. ولا يغفل المهرجان عن تكريم الرواد، بإهداء الدورة السادسة للفنان ميمون الخالدي، لربط الجيل الجديد بجذور الحركة المسرحية الأصيلة.أهمية الانفتاح الدولي كرافعة معرفية يعمل الانفتاح على التجارب الدولية كرافعة فنية ومعرفية ضرورية للمسرح العراقي.
تشمل المشاركة عروضًا وفنانين من حوالي 14 دولة عربية وأجنبية ، مما يحقق كسر العزلة والاحتكاك التقني. هذا التجمع يوفر فرصة للاطلاع المباشر على أحدث التقنيات والمدارس المسرحية العالمية كاستراتيجيات التفكيك وما بعد الحداثة وتبادل الخبرات. وتساهم مشاهدة عروض من خلفيات ثقافية مختلفة في توسيع آفاق الذائقة للمسرحيين العراقيين من حيث الرؤى الإخراجية، لغة الجسد، والسينوغرافيا المغايرة. وبذلك، يعيد المهرجان تأكيد مكانة بغداد كعاصمة ثقافية ومنبر للحوار الفني، مساهماً في جعل بغداد منبرًا عالميًا يدمج المسرح العراقي مجدداً في الحركة العالمية.التحدي الجدلي ، المثاقفة الواعية، ويتمثل التحدي الأكبر الذي يواجه القائمين على المهرجان والمسرحيين العراقيين في تحويل الانفتاح من مجرد انبهار إلى مثاقفة فاعلة. الهدف الأسمى هو الاستفادة النقدية؛ أي استيعاب التقنيات الحديثة وتكييفها بوعي مع الهوية المسرحية العراقية، بدلاً من التقليد السطحي. هذا يتطلب إحداث التوازن في التلقي ورفع التفاعل المكثف إلى مستوى التلقي الواعي الذي يحلل ويناقش تقنيات العروض العالمية دون تهميش العمق الفني للأعمال المحلية.
ان مهرجان بغداد الدولي للمسرح هو جسر ثقافي حيوي يربط أصالة المسرح العراقي وحيويته بالديناميكية والتطور الفني للمسرح العالمي، مؤكدًا أن التجديد المحلي لا يمكن أن يتم بمعزل عن الحوار الدولي الخلاق.



