العاصفة تتألق في افتتاح مسابقة إثراء للمسرحيات القصيرة/ عبدالله العطية

من المعروف أن المسرح العربي هو ابن النهضة، ولم يكن له وجود لولا الحاجة الملحة إليه، ولنتذكر أن المسرح العربي كان ذات زمان تقليدًا للمسرحيات الغربية وترجمةً لأفكاره رغم أنه حاول أن يمزق ثوب التقليد، ويرتدي قبعة الابتكار، ما الجديد؟ الجديد يا صديقي هو مزج الأفكار والاستفادة من المدارس المسرحية، إذا كانت النهضة انبثقت كاسرة لقواعد ما قبلها، وولد الرمز من رحم الواقع، ويفع بالتجريب، فإن التركيب يكسبه حلة جديدة، لأن الكثافة الفنية سبب رئيسي في نجاح العمل.
عرضت مسرحية العاصفة -من تأليف عماد الشنفري- في حفل افتتاح مسابقة إثراء للمسرحيات القصيرة لعام 2025م، وهي مسرحية ثنائية (ديودراما) تعتمد على شخصيتين في العرض، يجري الحوار بينهما، ويتصاعد الصراع وفق مجريات الأحداث، وتدور أحداثها أثناء وجود شخصين يعملان في محل الخياطة، تبدأ المسرحية بمجموعة من الأغاني يسمعانها من خلال الراديو وهما منشغلان في العمل، تقوم الشخصية الأولى بخياطة الملابس عبر استخدام الآلة يدويًّا بينما تعمل الشخصية الثانية على كي الملابس باستخدام آلة غير متصلة بالكهرباء! لتتساءل الشخصية الأولى عن جدوى استخدام آلة الكي دون كهرباء، وتنتبه الشخصية الثانية إلى الملابس التي تخيطها الشخصية الأولى، وهي ملابس قبطان، فيتفقان على تمثيل قبطان السفينة ومساعده في رحلة بحرية حاملين معهم مجموعة من الركاب، موزعة على أدوار؛ وفق البعد الاجتماعي لهم، فالطبقة السفلية تسكن فيها عامة الناس، أما الطبقة العليا تسكن في الأدوار الثلاثة العليا، ويتخلل الحوار بعض العبارات الساخرة من الطبقة السفلية، وليس هذه السخرية إلا رسالة تقف دفاعًا إلى جانب المهمشين.

لم يقتصر استخدام الراديو في سماع الأغاني والطرب فحسب، بل في نقل الأخبار لتسريع مجريات الحدث، وهذه من الحيل الفنية المميزة في الحبكة.. حيث ينقل عبره خبر احتمال قدوم العاصفة مما تبدأ معه نقطة انطلاق الأحداث، والأصوات لها دور في إبراز الأحداث مثل: صوت الحريق.
يبدأ الصراع بين القبطان ومساعده بعد سماع خبر العاصفة وتعطل المحرك، ويتخلل حديث جانبي من قبل القبطان “لن تخيفيني أيتها العاصفة”، ويتصاعد عندما يتسرب الماء إلى السفينة، حيث يقترح القبطان التخلص من ذوي الطبقة السفلية من الركاب للنجاة، فلا قوارب نجاة، ولا حلول للأزمة.
الموسيقى والإضاءة جاءت مواكبة لمراحل الأحداث، وتبرز الموسيقى في مراحل البحث عن الحلول لتفادي العاصفة، والربط بين المشاهد، بينما اتحدت الإضاءة مع الديكور -وهو عبارة عن مجسمات لعرض الملابس في محل الخياطة- في رسم لوحة فنية لاسيما أن كل مجسم يحمل لونًا مختلفًا مما يضعنا أمام تغذية بصرية فائقة الجمال طوال مراحل المسرحية وتحولات الحدث.

في الأزياء ما يرمز إلى طبقية الشخصيات مثل: استخدام البشت للدلالة على الطبقة العليا، فيما يتخذ قميص القبطان وظيفة تحديد الأدوار، وتحقق الأزياء ما تصبو إليه من أهداف وغايات ورسائل.
اعتمدت المسرحية في اللغة على العامية والفصحى، فكانت اللهجة العامية في المرحلة الأولى أثناء وجودهما في محل الخياطة، ثم أصبح الحوار بالفصحى أثناء محاكاة الرحلة البحرية.
لكل حدث من أحداث المسرحية دلالات رمزية تعبر عن هموم الركاب، وما تعانيه من عقبات ومشاكل في الحياة بشكل عام سيما الواجب الوطني منها، والرسالة الإنسانية تتلخص في أن التعاون بين الطبقات في عواصف الحياة كفيل بالنجاة والوصول إلى بر الأمان، ويكمن ذلك في تعاون الركاب بمختلف طبقاتهم في معالجة الثقب الذي يتسرب منه الماء إلى السفينة، بينما النهاية كانت مفتوحة أمام المتفرج لوضع الحلول التي يراها للنجاة من عواصف الحياة.

إن مسرحية العاصفة -وإن كانت مستقاة من عاصفة شكسبير- إلا أنها تجسد النموذج الأمثل في المنافسة بين الطاقم الفني والمؤسسة الداعمة، لماذا؟ لأنه أرادت أن تقول إنها حاضرة من أجل تقديم الرسالة، وخدمة الإنسان دون أية مآرب أخرى، وهذا هدف المسرح المتمثل في إثارة التفكير وتعزيز الوعي لدى الإنسان.



