نقد

فلسفة ما بعد الانسان وملامح التشيؤ في مسرحية “وصفة للاستمتاع بالقتل” للكاتب المصري (إبراهيم الحسيني) / حيدر علي الاسدي

ما بعد الانسان او ما بعد الانسانية وفقا للفيلسوفة فرانشيسكا فيراندو يتمثل في سيطرة الذكاء الاصطناعي بوصفه شكل من اشكال مفهوم ما بعد الانسان، يتلاشى فيه تعزيز قدرة الانسان، ويختزل مفهوم ما بعد الإنسان النظرة المزدرية للوضع الإنساني، ان تصدع الانساق الايدلوجية وتفسخها اسهم بصورة كبيرة بتهيئة مفهوم ما بعد الانسان، وذلك عبر تقويض النزعة الانسانية والمباهاة بالسعادة والمتعة الزائفة والايمان بالعوالم الافتراضية ولذتها اللحظوية، انها تحول بمركزية الانسان الى الهامش، لوتشيانو فلوريدي في كتابه المشهور (الثورة الرابعة: كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني).

اشار إلى أربع إزاحات كبرى لمفهوم مركزية الإنسان في الكون والازاحة الرابعة تمثلت بالطبيعة المعلوماتية، في عصر بعض البلدان بدأت تقنن لما يسمى نظرية الشخصية الافتراضية للروبوت واصبحنا نشاهد ثمة تداخل بين الفن والذكاء الاصطناعي وأصبحت شخصيات الروبوت تحضر حتى في النصوص المسرحية وبقية الاجناس الادبية، وعلى وفق هذه المفاهيم يقدم لنا الكاتب المسرحي إبراهيم الحسيني من مصر  نصه “وصفة للاستمتاع بالقتل” الحاصل على جائزة المركز الثاني ضمن مسابقة النصوص القصيرة في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.

النص يتكون من 7 لوحات ، ولابد ان نبتدأ مع عتبة المسرحية (عنوانها) الصادم للمتلقي (القارئ) فالمتعارف عليه نمطياً ان (الوصفة/ تتصل بما يخص للعلاج) (وهنا في هذا النص يغاير الكاتب من معناها لتكون الوصفة / للقتل) (الروبوت وعوالم الافتراض والتكنولوجيا / وافتراض انها علاجات مساعدة لإنقاذ الانسان وتسهيل اعماله/ فكرة الافتراض والتطور الصناعي) (الروبوت والتسارع الافتراضي والتكنولوجي ومؤثراته الساحقة لكيان ووجود الانسان/ واقع الحال) ان الكاتب يرسم مسار الشخصية (ادم ، نوال ، كامل ، ثناء ،دارين ، شاهيستا ، شهاب) ضمن منطوقه الارشادي، ويتداخل لديه العالم (الواقعي، بالافتراضي) ليومئ لنا لامكنة معادية (دستوبية) ضمن الفضاء المكاني الذي يصنعه لشخوصه واحداثه المسرحية : ((مكان يظهر كمخزن للنفايات، ومضات اضاءة متقطعة تصدر ازيزا مزعجاً يصدر عن الاجهزة الالكترونية المحطمة، نرى رجلا يحتضن روبوت لفتاة محاولا تقبيله)) وهذه كلها ملامح المدينة الفاسدة (الدستوبية) يحاول ان يصيغها الكاتب لتكون الفضاء الذي يخيم على (كيان الانسان ووجوده) ويقول في تأثيث امكنته ومشاهده الصورية ((مجموعة من الناس تزحف متصارعة للوصول لأناء تتساقط داخله قطرات الماء في محاولة بائسة لإرواء عطشهم ، طفلان يحمل كل منهما كيبورد ويستخدمه كمضرب تنس ، ويتلاعبان براس بشري مقطوعة ككرة)) (( يهاجم المكان مجموعة روبوتات مسلحة )) حضور الروبوت مع المدينة الدستوبية يتجسد لمفهوم مابعد الانسان، واحلال الجهد الالي الالكتروني بدلاً عن الانسان، في صورة لا تتسع بالاشراقة والتقدم والنماء وانما بالمزيد من السوداوية والقبح الذي يتمظهر في بناء الكاتب لمشاهده ولوحاته الدالة على معاني الموت والحروب.

ان الكاتب يستدعي مضامين اللوحات التشكيلية العالمية القائمة على مشاهد الألم والبؤس والقلق والخوف والتي تعد مضامين دستوبية واضحة، ليؤثث من خلالها فضاءات الألم والحيرة والقلق الذي يكتنف الانسان مابعد الحداثوي : ((لوحة الصرخة للنرويجي إدفارت مونك أو إدوارد مونش، كرنوس يأكل ابناءه للإسباني جويا، مذبحة خيوس للفرنسي ايجين ديلاكروا، الحرب للبلجيكي لويس جاليت، الطفل الباكي للإيطالي جيوفاني براغولين، الجرنيكا لبيكاسو )) الصرخة تدل على (القلق) وكرنوس رمز الخوف ضمن مجموعة (اللوحات السوداء) ولوحة ديلاكروا بما فيها من مظاهر الرعب والدمار الذي خلفته الحروب فضلا عن رمزية الرعب والموت والمرض والخراب الواسع والخواء والحزن وفقدان الامل، ولوحة الطفل الباكي وما تمثله من شحنة درامية ومشاعر إنسانية واضحة عند مشاهدتها.

وأخيرا لوحة الجرنيكا التي استوحاها بيكاسو من قصف غرنيكا. يخرج الشخوص من اطار اللوحة، للتعايش مع الوجود الانسان ضمن فضاء افتراضي كسر كل القيود النمطية للحياة وجعل الانسان يعيش مع جميع الأشياء ضمن فضاء واحد صغير، ان الكاتب يصور عوالم كابوسية مع عوالم واقعية، مدادها الفضاء الافتراضي وما يمكن ان يختزله من حيوات الفرد، فادم في هذا النص رمز (الانسان الراهن) في ظل هذا الخراب والغرابة والدهشة التي خلفتها هذه التكنولوجية ومدياتها ومساراتها المتسارعة، والتي تقود المنطق البشري الى المزيد من الدهشة والغرابة ضمن تمظهراتها اليومية: ((معك نوال  من الشركة الاستثمارية للانتحار وخدمات ما بعد الموت، هل جربت وصفتنا الجديدة للانتحار)).

ويرد كذلك في النص المسرحي : ((لا شيء غير الحرب والموت، هذه الحياة لا تستحق كل هذا العناء)) هذا الفضاء السوداوي هو من يخيم على امكنة إبراهيم الحسيني في هذا النص، وهذا يحيل الى ملامح المدينة الدستوبية، ومفاهيم ما بعد الانسان، في ظل رفض النمطية التي يعيش فيها الانسان والقائمة على (العناء والالم والمعاناة). ويستمر حضور الروبوت بوصفه الفاعل الجديد لهذه الحياة : ((كامل :عم عبده المكوجي جدد محله واستبدل صبيهُ سلامة بروبوت يقوم بتوزيع الملابس .ادم : روبورت ؟! . كامل الم يكن من الافضل استيراد القمح والادوية بدلا من هذه الروبوتات التي بدأت تغزو بلادنا)) ذلك ان الروبوت غزت الأمكنة والمجتمعات وحلت محل الانسان، فسرحت المصانع والشركات عمالها وصارت الالة هي التي تختزل كل جهود العمل، انه تغير اجتماعي وفكري ضمن بنية مفهوم العلاقة مابين الانسان والتطور ما بعد الثورة الصناعية، مما يفضي الى مزيد من الازمات والمعاناة والالام فهذا قاد الى : ((سرق احد المشردين فيزا المعاش)) ( حساب طلباتك الف جنيه ، وهناك زيادة في الاسعار ثلاثة اضعاف بسبب الحرب)) انها ملامح المدينة التي يعم فيها الفساد والفوضى ويعتاش الناس على تلك الازمات والحروب ، وهي ملمح دستوبي يتجسد بالكشف عن الازمات المعاصرة التي تتماس وتتسق مع حيوات الانسان في ظل هذا الاحلال الجديد والسيرورة التقنية التي شكلت رؤى مغايرة وجديدة لتعاملات الانسان الراهن مع الأشياء والأزمات، والتي قد تصيره احياناً الى مفهوم يقترب كثيرا من مفاهيم (التشيؤ) وهيمنة الرأسمالية على مكامن السلطة والمال والمقدرات ويتم تسريح الطبقة البروليتارية بالكامل :  ((يبدو ان من سيحتفظ بعمله الايام المقبلة هم ابناء اصحابا المحال فقط))، ولان الكاتب يعتمد على فلسفة ما هو بصري بتكوين مشاهده ولوحاته ، فانه يوظف نظارة الواقع الافتراضي (نظارة vr) وهي نوع من النظارات التي تعمل كجهاز عرض وتمكن مرتديها من عرض سلسلة من الصور التي تم إنشاؤها بواسطة الكمبيوتر والتي يمكنهم التفاعل معها.

فهذا النص وبقراءة متفحصة منتجة ندرك انه يقدم لنا عرضاً صورياً تجريبياً اكثر مما هو يتكئ على الحوار الملفوظ، فلا يمكن اكتمال انتاج معنى هذا النص الا بتحويله الى عرض عياني على الخشبة، لمحاولة تنفيذ كل اللوحات التي صنعها كاتب ماهر يجيد اللعبة التأليفية للمسرح، فالكاتب وعبر ثيمة نصه هذا يحاول ان يقترب من نقد هيمنة هذه العوالم الافتراضية وازاحتها طبيعية العوالم الواقعية فيقول في هذا النص : ((هل زحف العالم الافتراضي الى الواقع وقتله وانا اخر من يعلم)) ان هذا الاحلال والزحف إزاء العالم الواقعي انما يمثل (قتل لطبيعة الواقع واحاسيسه) ولا يخلو النص من الإشارات الفلسفية الواضحة إزاء ادانة الازمات والحروب المفتعلة ((موظف3 : سنصل لثمانية مليارات نسمة قريباً جداً ، يجب ان نصنع حرباً في هذه المنطقة من العالم)) وذلك ضمن منطوق النظرية الغربية الاقصائية التي تفضي بأهمية جعل عدد سكان الأرض بموازاة الموارد المتاحة في هذه البقاع!!  ويتمثل قبح المشاهد وبشاعتها الصورية ضمن انزياحات قيمة الشخوص ودلالات حواراتها المنتمية الى فضاء المدينة الفاسدة كما في المشهد الذي تقوم به نوال بتقطيع اللحم والعجوز الذي يأكل لحم الطفل : ((نوال تقطع لحماً نيئاً وتتناوله باستمتاع على انغام العازف الاعمى تتجسد اللوحة من خلال ظهور عجوز اشيب يأكل طفلا صغيرا بوحشية ))، وفي الختام ((يظهر ادم داخل اللوحة البيضاء الفارغة وكأنه قد تحول لصورة زيتية مرسومة تجسد استغاثته الاخيرة قبل موته)) الا يعني انضواءه هذا ضمن أطار اللوحة رضوخه وسيرورته الى شخصية مشيأه ضمن ارهاصات هذا العالم المتسارع وضمن ضجيج الماكينات التي بدأت تستحوذ على كل شيء، حتى على مكانة وقيمة الانسان الراهن؟!

 

* حيدر علي الاسدي/ ناقد واكاديمي( العراق)

Related Articles

Back to top button