“جاكراندا”… سقوط الأقنعة في تردد هاملت/ د. عواطف نعيم

المخرج الروسي ألكسي بوبوف في كتابه المهم (التكامل الفني في العرض المسرحي) يقول : “محطة القطار حين يكون القطار ثابتا هي صورة ثابتة وحين يتحرك القطار فهي صورة ثانية متحركة ومختلفة”.
المسرح عوالم تتحرك وتتغير داخل فضاء يتحكم فيه بعد أن يشتغل على النص مخرج يمنح ذلك النص الادبي المجرد حياته ويستنطق شخصياته ويقود حراكهم بعناية ورصد دقيقين مستعينا بعناصر المسرح المتنوعة في انجاز تلك الحياة واطلاقها حركة وصوتا ومشاعرا ومواجهة تصل حد الصدام أو حد التنافر أو الاقتتال، ولعل أهم عنصر في فضاء المسرح حين البدء في التجسيد هو الممثل العلامة الاولى والمحرك لأحداث العرض والباث لدلالاته ومعانيه، سر المسرح وجوهر وجوده هو أنه حيوي، متجدد، متغير وقابل للتكيف لذا قاوم وصمد أمام كل المتغيرات وهو أيضا باعث للدهشة والتي هي أولى الخطوات نحو الفلسفة، وفي عرضنا المسرحي (جاكراندا) نتوقف أمام شجرة يحمل العرض أسمها ميزتها أنها قابلة للصمود أمام متغيرات الجو الصعبة في حر الصيف اللاهب وفي برد الشتاء القارص هي ثابتة تتلقى وتتفرج وتصغي لتقلبات الحال دون أن تغادر أو تقترح أو تواجه، وفي فضاء المسرح لعرض جاكراندا نشاهده أي الفضاء وقد توسطه مركز للاتصالات ثابت يتغير فيه الضوء مع حركة الشخصيات وتجولهم من حوله وداخله حيث تدور أحداث المسرحية لكاتبها و دراما تورج العرض فيها الاستاذ عبد الحليم المسعودي ومخرجها ومصمم السينوغرافيا نزار السعيدي ومن إنتاج المسرح الوطني التونسي ..
الشخصيات:
في هذا العرض تتداخل الشخصيات وتلتقي مع بعضها ضمن دائرة من العلاقات المعروفة بينهم كما تظهر لنا والخفية بينهم أيضا فهناك العشيقات وهناك الصديقات العارفات مع بعضهن بطبيعة العلاقة التي تجمع هارون وهو الوريث لسي عبد النصراوي وألفت العاملة في مركز الاتصالات وهنده وعلاقتها بالمتوفي سي عبد النصراوي وعفاف والعلاقة التي تجمعها مع الكلاعي وهو العم وزوج الام أرملة سي النصراوي جويدة ومعهما وبصحبتهما صفوان الحارس الشخصي لهارون الوريث والزواق الصديق الذي يدور بين الجميع معلقا على بعض الاحداث وكاشفا لبعض المعلومات، والشخصيات تسرد لنا ما تريد وكيف تفكر دافعها لذلك أحداث مرت بها ومرت بالبلد وغيرّت دورة الحياة فيه وكشفت عن حقائق كانت مستترة لدى البعض وهواجس تحولت الى طريقة عيش حياة وتبني سلوك وكل ذلك كان تحت ضغط المتغير السياسي الذي جاء بعد الثورة في تونس خلال أحداث الربيع العربي، هنا يتوسط ذلك السرد والكشف الذي يدور أمامنا سؤال، أي الشخصيات يصمد أمام موجة التغيير والتبدل في المفاهيم والقيم ومن يجري مع التيار مسلّما ومنقادا بدوافع وذرائع مختلقة أحيانا وتعبير عن المضمر في النفس الانسانية في أحيان أخرى؟ ونحن نشاهد العرض تتداعى الى ذاكرتنا أحداث مسرحية هاملت للكاتب الانكليزي شكسبير فهناك ما يهيمن وما يشير الى تلك الشخصية التي تقترب من الوريث هارون والام التي ترتبط بعلاقة مع العم وما زال جثمان الاب المتوفي سي النصراوي ساخنا تلون العم وتزلفه ما بين السيطرة على ما هو ممكن من الثروات والعلاقات التي خلفّها المتوفي وما بين محاولته في تجنب غضب وثورة هارون الوريث الذي يقف حائرا أمام ما يحدث، الكثير من الاشارات التي تطغي على الجو العام للشخصيات وتحركاتها تحمل صورا وعلامات تشير الى مسرحية هاملت بقراءة معاصرة تتناسب مع البيئة الجديدة التي هيئت لها، اللعبة تدور بين تلك الشخصيات التي يعرف بعضها البعض والتي يتجنب بعضها الاصطدام والمواجهة خوفا أو حذرا أو بحثا عن الفرصة للانتفاع أو التفرج، ولعل أكثر الشخصيات لعبا وتحولا هو شخصية العم في طريقة تعامله مع الارملة جويدة والتي تصبح فيما بعد زوجة والعشيقة عفاف التي تنهي حياتها بالانتحار شنقا وهي حامل ومع الشخصيات التي تحيط به، هو لعب مبنّي على المكرو الدهاء مازجا ما بين الكوميدي والجاد ولعل هذه الشخصية المحركة للاحداث والحيوية كانت من أكثر الشخصيات حضورا في العرض …
المعالجة الاخراجية ……
في العرض المسرحي جراكاندا كانت المعالجة الاخراجية تنفيدية أكثر من كونها قراءة ثانية للنص المسرحي فقد التزم المخرج بما جاء في النص من توصيفات وتوصيات، هناك مركز الاتصال الذي توسط الفضاء المسرحي والذي جرت الاحداث من حوله وبه عبر التركيب المشهدي للاحداث وتحركت الشخصيات على وفق ما تم رسمه لها داخل دائرة العلا قات التي أوجدها النص، كانت التجاذبات والمواجهات بين الشخصيات قائمة على لحظات الكشف والاعتراف وهي مواجهات لم تأخذ مساحتها النفسية والديناميكية كما ينبغي على وفق ما جاء من تقاطعات واختلافات. اذ تبدو منقطعة وغير مكتملة الا في تعامل العم الكلاعي مع من حوله من الشخصيات ولاسينا مع الارملة جويدة ومع الوريث هارون، دار مسارات الحركة في فضاء الخشبة بشكل دائري كما لو أن الجميع يدور في دائرة مفرغة من اللاجدوى وحتى الشخصيات المتمردة والتي تظهر في بعض سلوكها شيئا من العنف والرفض كانت تبدو في لحظات أخرى مستسلمة وساكنة، أفتقر العرض الى لحظات الذروة عند الاختلاف، ولعل التوقع والتكرار أوقع العرض في مساراته المتتالية في الرتابة والترهل وخلق فجوة في التواصل ما بين المتلقين في القاعة والممثلين في فضاء المسرح، ورغم الجهد الذي قدمه بعض الممثلين الا أن العمل بقي أسير السكون والتوقع ولعل وجود هيمنة الكاتب وحرصه على أن يبقى النص المقدم محافظا على خصوصيته وعلى وفق قراءاته هو وعدم تحرر المخرج من تلك الهيمنة والذي أنعكس بدوره على أداء الممثلين على الخشبة أدى الى خلق تلك الفجوة والمحايدة ما بين المتلقي وفضاء العرض المسرحي ، علما أن ماكان يتم مناقشته في العرض المسرحي من قضايا ومفاهيم هي مناهج حياة تسعى لأجل التغيير والتحرر من سلبيات الواقع وتكلسات المفاهيم والتقاليد القديمة والمرفوضة، الاخراج هو قراءة ثانية ورؤية باحثة و متوقدة تسعى الى فك طلاسم النص وهدم أسراره عبر لغة جمالية وصور تعبيرية تحمل الدلالات والمعاني وتبث الرموز والشفرات والتي تكون احيانا متقاطعة مع الملفوظ ومغايرة للواقع، التعاون ما بين الكاتب والمخرج هو تعاون منفتح قادر على وضع النص المسرحي في منطقة التأويل والاسقاط والخروج الى ابتكار واستحداث عوالم محايثة ومساندت لما جاء في النص المسرحي من خطاب فكري وتنويري وحتى عند الاستعانة بالسخرية وسيلة للنقد والتعريض فلابد من أن تأخذ تلك السخرية مساحتها الكافية والواثقة داخل نسيج العرض وأن لا تكون سريعة وخافتة كما لو كنا نخشى من أن تكون الكوميديا وسيلة للكشف والمتعة! لم تكن الاضاءة وهي عنصر مهم من عناصر العرض المسرحي مواكبة للمتغيرات والتحولات النفسية والحركية بل كانت مهمتها تنحصر في أضاءة المشهد ومن ثم تعتيم الخشبة أما المتغيرات والمفاجئات والتحولات فقد جاءت متشابهة ومكررة وقد غلب اللون الرمادي والعتمة على أغلب المشاهد، في الحديث عن العرض المسرحي أرى أن ليس مهمة المخرج تجميع الممثلين واختيارهم ليقود من خلالهم عرضا مسرحيا محددا فقط بل هي مهمة في القيادة على وفق مفاهيم ورؤى تقوم على التجديد وتفجير الطاقات وتنويع الاداء وكسر النمط وقراءة ما بين السطور وتعرية المضمر فيها وصولا الى الدهشة والابهار بروح المغامرة والتجديد ولكن في العرض المسرحي جاكراندا كان الكاتب الدراماتورج مهيمنا على فضاء العرض لذا سمعنا نصا مسرحيا محتدما ومحتجا توارى خلفه المخرج …
* د. عواطف نعيم/ كاتبة ومخرجة مسرحية
ملحوظة: القراءة النقدية قدمت يوم 14 يناير 2026 ضمن فعاليات الدورة 16 لمهرجان المسرح العربي(10 – 16 يناير 2026 بالقاهرة)



