مقالات

بعد أن سقط الجسر: قراءة في مسرحية “بعد يوم القيامة” للكاتب العراقي عمار نعمة جابر/ محيي الدين إبراهيم

في عالمٍ يبدو وكأنه على شفا حفرةٍ من الانهيار الكلي، يقف ثلاثة رجال على جسرٍ مطلٍ على بحرٍ هادئ. هذا الهدوء السطحي لا يخدع أحدًا، بل يتحوّل إلى مرآة تعكس الاضطراب الداخلي العنيف الذي ينهش أرواحهم، ويعيد مساءلتهم حول المعنى، والسلطة، والنجاة، والمغفرة. “بعد يوم القيامة” ليست مسرحية فحسب، بل وثيقة فنية تُشبه لقطات أخيرة قبل أن يُسدل الستار عن نظامٍ بكامله، وتُولد مدينة جديدة من بين الركام.

وبعين الناقد، الذي ينشغل بتفكيك الشخصيات، وتحليل النص، وتفسير البنية الدرامية من حيث الصراع والتوتر والتقاطع الدلالي، أرى أن المسرحية تظهر لنا كحالة فريدة من البناء التراجيدي-السوداوي، محمولة على حوارٍ شاعري مكثف، تدور كل أحداثها في نقطة واحدة: الجسر. غير أن هذا الجسر، كما في رمزية جسر “تيرابيثيا” أو “سان لويس راي”، ليس مجرد بناء هندسي، بل مساحة رمزية تفصل بين ماضٍ تهدّم ومستقبل لم يولد بعد. هنا يقف رجل الدين، والسياسي، والمتسول، في حوار يبدو عابرًا في ظاهره، لكنه في جوهره هو سؤال أخير تُطرحه الإنسانية على نفسها: هل بقي هناك ما يستحق الحياة؟

الزمن في المسرحية هو “بعد يوم القيامة”، وهو اصطلاح سردي يجعل القارئ والمشاهد معًا يعيش أجواء ما بعد الانفجار الكبير. النظام قد سقط، المعابد هُدمت، القصور أُحرقت، والناس “عبروا”، ولا يبقى في الصورة سوى الفاعلين الأساسيين الذين شكلوا البنية العميقة للسلطة، وهم الآن محض أجساد متعبة تتسول المعنى في منطقة رمادية من الوجود. ولعل عبقرية النص تكمن في قدرته على تحويل مشهدٍ بسيط: ثلاثة رجال على جسر، إلى عالم كامل من الأسئلة الوجودية والسياسية والدينية. كل شخصية في النص تحمل عبء دورها التاريخي والطبقي والسلطوي. المتسول رجل بسيط يسعى فقط إلى “عشاء لأطفاله”، بينما رجل الدين (رجل ١) يعيش حالة انهيار داخلي بعد أن سقطت كل رموز “المقدس”، ورجل السياسة (رجل ٣) لم يعد يملك سوى “مذكرات” ليبرر بها وجوده أمام العدم.

يبدأ النص بتكرار لجملة “البحر هادئ هذا اليوم”، وهي ليست مجرد وصف لحالة الطقس، بل مفتاح شعري يدشّن المسرحية ويخلق إيقاعًا دائريًا يتكرر في بداية المشاهد ونهايتها. هذا التكرار ينتمي إلى بنية الشعر الكورالي في المسرح الإغريقي، حيث كان التكرار أداة للتعليق والتأمل والربط بين المشاهد. البحر هنا هو الشاهد، وربما الحَكم، وربما المخرج الوحيد من هذا الجسر الذي صار سردابًا للندم.

بُنيت المسرحية على حوارات ثنائية سريعة، تُظهِر تدريجيًا حقيقة الشخصيات، كما يحدث في الأدب الإنجليزي الكلاسيكي، حيث يتم الكشف عن الجوهر البشري من خلال الحوار لا من خلال الوصف الخارجي. فالمتسول رجلٌ بسيط، لكنه في النهاية هو الناجي الوحيد، لأنه لم يفسد، ولم يتورط في كذبة السلطة. بينما رجل الدين، الذي كان “مفتيًا أعلى”، ينهار تمامًا أمام فكرة أنه لم يعد يُؤمن حتى بالجحيم. والسياسي الذي كانت في جيوبه “أطنان من المجوهرات”، يسقط في فخ السؤال البسيط: “هل هناك سبب واحد يجعلني أعيش؟”. هنا يعود النص إلى جذوره الوجودية: لماذا نحيا؟

أما على مستوى التكوين الفني، فالنص حافظ على وحدة المكان والزمان، وهذا يُذكرنا بمسرحيات صمويل بيكيت، خصوصًا “في انتظار غودو”، حيث لا يحدث شيء، وكل شيء يحدث. شخصيات تتحدث كثيرًا، تتحاور، تصرخ، تصمت، لكنها لا تملك ما تفعله سوى التأمل في البحر أو التفكير في الموت. ومن هذا الفعل المسرحي البسيط يولد عمق شديد. المسرحية لا تعتمد على الحدث بل على الوعي بالحدث، وهي في ذلك تنتمي إلى تيار “الدراما الذهنية” التي تركز على الانفعالات والأفكار أكثر من الحبكة.

لغة المسرحية عارية، صافية، خالية من الزخرفة، لكنها مليئة بالشعر الخفي. الجمل قصيرة، مبنية على التوازي، والحوارات تأتي على شكل كرة تتدحرج بين الشخصيات، لكن ما يكشفها هو طبقات التوتر العاطفي الذي يصعد شيئًا فشيئًا حتى اللحظة النهائية التي يلقي فيها الرجلان بنفسيهما في البحر. كل كلمة هنا موزونة، محسوبة، وتعمل داخل البناء العام للنص كحجر في فسيفساء فكرية كبرى.

أما رمزية الشخصيات فهي ثرية للغاية. المتسول (رجل 2) ليس فقط صوت الشعب الجائع، بل هو ضمير النص، المرآة التي يرى من خلالها الطرفان الآخران انهيارهما. رجل الدين هو تجسيد للسلطة اللاهوتية التي تماهت مع المقدّس حد التأليه، ثم سقطت فجأة حين انقطع “الحبل” بين الأرض والسماء. أما رجل السياسة فهو مأساة السلطة الحديثة، التي تملك كل شيء وتخسر كل شيء في لحظة.

وفي حوارهما الأخير، يكشف رجل ٣ عن خوفه من الموت لأنه يخشى أن “يُظن أنه مات مفلسًا”، وهنا ذروة التراجيديا. السلطة التي كانت يومًا تملك مفاتيح الوجود، تنتهي إلى القلق بشأن “كيف سيراني الناس بعد موتي؟”. إنه سؤال الكائن المحطّم الذي لم يبق له من الكينونة سوى صورته، وهذا من صميم النقد المسرحي الإنجليزي الذي يركز على التحليل النفسي للشخصيات وتحولاتها تحت ضغط الأزمة.

المسرحية تنطوي أيضًا على طيف من التناصات الفكرية والفلسفية. يمكن تلمس أصداء من أعمال ألبير كامو، لا سيما في عبثية الحديث عن الانتحار، وأيضًا أصداء من دوستويفسكي في “الإخوة كارامازوف”، حيث يتساءل أحدهم عن جدوى الحياة إذا لم يكن هناك إله أو عدالة. كل شخصية هنا تمثل تيارًا فلسفيًا: رجل الدين يمثل “اللاهوت المتصدع”، والسياسي يمثل “الليبرالية الفاسدة”، والمتسول يمثل “الواقعية الأخلاقية”، ذلك الحبل الأخير الذي يربط الإنسان بالمغزى.

لكن أجمل لحظات المسرحية وأعمقها على الإطلاق تكمن في اللحظة التي يقول فيها رجل الدين لرجل ٢: “لقد حدث، ووجدتك على هذا الجسر”. هذه الجملة، البسيطة في ظاهرها، هي خلاص المسرحية كله. فهي اعتراف ضمني بأن وجود الآخر البسيط، الجائع، الهامشي، هو ما منعه من الانتحار حتى اللحظة الأخيرة. هنا تتحول المسرحية من تراجيديا سياسية إلى ملحمة روحية، يُستعاد فيها حضور الآخر كمرآة للذات، ويُفهم أن ما ينقذ الإنسان ليس العقائد أو السلطة بل شخصٌ آخر، يراه، يسمعه، يعاتبه، ويشاركه قطعة نقدية أو لحظة صمت.

في ختام هذه القراءة، لا بد لنا من القول: إن هذه المسرحية ليست عن سقوط نظام سياسي فحسب، بل عن انهيار نظام كامل من القيم والرموز، وتحول الكائن من سيدٍ للمعنى إلى سائلٍ عنه. كل شخصية تُجسد محاولة للهروب من الحفرة التي حفروها هم أنفسهم. ومع ذلك، يلمع في نهاية النص نور خافت من الرجاء، حين يقول المتسول: “لا تدري أي باب، قد يفتح أمامك في آخر لحظاتك”.

هذه الجملة تحمل نَفَسًا صوفيًا خالصًا، كما في مقولات محيي الدين بن عربي أو رابعة العدوية، حيث قد يكون اللقاء الصادق الوحيد بين اثنين هو كفيل بفتح أبواب أخرى، لا تُرى، لكنها حقيقية.

إن “بعد يوم القيامة” ليست دعوة للانتحار، بل تأمل عميق في معنى البقاء. النص لا يُدين أحدًا بقدر ما يُدين النظام كله. السلطة، والدين، والشعب، كلهم على الجسر، وكلهم خائفون، وكلهم ينتظرون شيئًا لا يأتي. ومع ذلك، فإن مجرد الحضور، مجرد الاعتراف، مجرد الحوار، ربما يكون هو المعجزة.

وهكذا، بعد أن قفز رجلان إلى البحر، بقي الثالث على الجسر، ومعه جملة واحدة: “أخاف عليهم مما سيحدث بعد الآن”. ربما تكون هذه الجملة هي بداية العالم الجديد، بعد أن انتهى القديم، بعد يوم القيامة.

** الناقد محيي الدين إبراهيم – مصر

Related Articles

Back to top button