
يأتي هذا المُنجز المسرحي، الذي يحمل توقيع الكاتب والشاعر المغربي كمال الإدريسي، ضمن تجربته المتجددة في مسرح المونودراما الشعرية، وهو الإصدار الثالث عشر ضمن مسيرته المتنوعة بين الزجل، الشعر، القصة، والمسرح. يحمل العنوان “مثل الظلال تتحرك الدمى” طابعًا استعارياً كثيفًا، يشير إلى هشاشة المصائر البشرية، وإلى طغيان القدر أو الوهم أو الأنا في دفع الشخصيات نحو أفعالها، كما لو كانت دمى تتحرك في الضوء/الظلال دون قدرة على الانفلات من الخيوط الخفية التي تحركها.
صدر الكتاب عن مطابع بلال-فاس، وقد شكّل لوحة الغلاف، الفنان: أيوب المودن، الذي تعمال معه في عدد من المحافل الفنية..
يتكوّن العمل من أربع مونودرامات شعرية:
غاردينيا: تنفتح على مأساة فتاة غجرية مطرودة من قبيلتها بسبب الحب، تخوض صراعاً داخلياً بين الانتماء والتمرّد، بين الأب والنداء الحرّ. يستحضر النص الزهرة كرمز لهشاشة النفس حين لا تجد التربة المناسبة للنمو، وتبقى البطلة في حالة بحث دائم عن معنى للحب والحرية والكرامة.
بعد شهر: مونودراما رجل ظلّ ينتظر حبيبته التي وعدته أن تأتي في القطار بعد شهر، دون أن يعلم أنها ماتت لحظات قبل الموعد. النص يعتمد على تقنية التكرار والدهشة والانتظار الوجودي، ويطرح تساؤلات عن الأمل المؤجل، واللقاء المستحيل، والزمن الذي يمرّ دون أن ننتبه لانهياراتنا البطيئة.
الغُراب: نص غني بالرموز البصرية والتحوّلات النفسية، يحكي عبر شخصية طائر ينتقل من عصفورة إلى غراب بجناح واحد بعد صراع مميت مع الأفعى. نص يشبه حكاية رمزية عن المرأة التي تلدها السموم لتصبح أقوى، لكنها تتشوّه في ذات الوقت. حضور أنثى الغراب والأفعى يقدّم تناوبًا على مفاهيم الصراع، الأمومة، البقاء، والسقوط.
أنثى الليل: مونودراما مكثفة تمتح من تقنيات الحكاية والبوح، حيث تلج البطلة في عمق ذاتها المسكونة بالأشباح، وتواجه ظلّها من خلال مرآة الليل. المسرحية تشتغل على الإيحاء، على اللغة الشعرية المحمّلة بالتمزق والرغبة في الانعتاق.

قيمة النصوص وجودتها:
ما يميز هذا العمل هو التوازن بين قوة اللغة الشعرية، والحمولة الرمزية، والبنية الدرامية المحكمة. استطاع كمال الإدريسي أن يمزج بين البوح الداخلي، والشكل المسرحي، والصوت الواحد الممزق بين المتكلّم والمخاطَب، ليصوغ مونودرامات لا تسقط في التكرار أو الإنشائية.
الشخصيات – رغم أنها فردية – تقف على خشبة ممتلئة بالأسئلة، وتتعدد أصواتها الداخلية رغم وحدتها الظاهرة. وهناك حس بصري عالٍ يتبدى في الإضاءة، والملابس، وتوزيع الحركة، مما يجعل هذا النص قابلاً لتجسيد مسرحي فاعل ومؤثر.
لنحتفي بهذه النصوص، ولنسعد بكمال الإدريسي الكاتبُ الذي لا يكتفي بالمسرح كفن، بل يتخذه كمرآة، ونافذة، ومختبرًا للغة والحلم والهوية.
وهو في كل ذلك، يعلن عن مدرسة مسرحية خاصة، شاعرية في بنيتها، درامية في ملامحها، حداثية في روحها، مغربيةٌ بامتياز.



