“التائهان” ..عودة المشاكسان الى الشارع..ليتجسد مفهوم (الممثل المتفرج/ المتفرج الممثل)/ د. ميادة الباجلان

ها هما المشاكسان المبدعان (نزار الكشو) و(وليد الخضراوي) يعودان مجددا ليزعزعا سكون الشارع, ويشعلا نبضه الحي بفنهما الجريء, ففي السادس من يونيو/جوان 2025 افتتحت الدورة الثالثة عشرة من مهرجان الشعباني الدولي لمسرح الشارع والفضاءات المفتوحة, وكان شرف لي ان أشارك في بحث, وأحد أعضاء المناقشين في الندوة الفكرية, وكان افتتاح الفعاليات بعرض مسرحي فريد بعنوان (التائهان) من انتاج المركز الدولي للفنون المعاصرة بالقصرين, تحت اشرف الفنان المبدع (وليد الخضراوي), ولجنة الدعم والتوزيع بوزارة الثقافة, وعادا مجددا المبدعان المغايران (نزار الكشو, ووليد خضراوي) في الفضاءات المفتوحة ليقدما عرضا احترافيا لمسرح الشارع ليعد انتصارا لمسرح الشارع التونسي, وفرض لوجوده ضمن أنماط التعبير المسرحي المعترف بها.

فمسرحية (التائهان) لم تكن مجرد عرض فني بل كانت فعل عرض مسرحي مغاير كسرت الجدران المغلقة وخرجت الى فضاءات الناس في اعتماده على الفضاء المفتوح, وتكيفه المستمر مع طبيعة المكان والمتلقي ليصبح عرضا حيا نابضا, يتغير بتغير السياق واللحظة, بل وأكثر من ذلك هو ذلك التجاوز العرض لفكرة الجمهور المتلقي ليجعله جزءا من الحدث, يتيح تفاعلا حيا مع المتلقي, مشاركا وفي انسجام تام مع جوهر مسرح الشارع كفن حر, آني, متحرر من قيود الشكل التقليدي الكلاسيكي, يتحرر من العلبة الإيطالية, وينطلق في متاهة شارع ليتحول الى مسرح مفتوح.
(التائهان) عرض بمثابة رهان جرئ بكل مقتنياته, واقتداره, عرض مسرحي نابض بالأسئلة والانكسارات, تتجسد شخصيتان تلونتا بالحزن وغرقتا في دوامة الضياع (الشيخ) عامل نظافة يبلغ من العمر (70) عاما قام بالدور (نزار) يرمز الى تراكم الخيبة والانكسارات المجتمعية, لم يعد قادرا على تخليص الذرات(اللامعنى) و(الشاب) طالب علم عمره (35) عاما قام بالدور (وليد) يمثل الجيل الباحث, المتسائل, الضائع في خضم مفاهيم باتت في هواء الضياع, يحمل على كاهله أعباء الفكر, والبحث و(اللايقين), الشخصيتان يشتركان في رحلة رمزية شاقة في محاولة للعثور على(مكان), في مسرحية تنحت من الضياع الإنساني مشهدا متحركا من التأمل والسؤال, لتفتح أبوابا مؤلمة على سؤال الانسان في زمن اختلت فيه القيم وتهاونت فيه المعايير الأخلاقية, اذ يتحول المكان الى فخ وجودي, والمشاركة ليست مجرد مشاهدة بل تجربة شعورية, فكرية, حسية عميقة, احتجاج فني وجودي, ورسالة مضخمة بالمرارة, والسؤل: هل نمللك كمشاهدين الجرأة لننقذ ما تبقى من ذواتنا..؟ أم أننا سنواصل التيه بصمت..؟


ويعد اليوم مسرحية (التائهان) مكسبا حقيقيا وتاريخيا لهذا الفن وأهميته, يحسب لإنتاج (مركز الفنون المعاصرة الدولي بالشعباني), ويعد تجربة ريادية في مسار فن الشارع في تونس, وبابا لن يغلق.. ترى هل وجدا المشاكسان خلاصا..؟ فربما تكون الأحداث القادمة أكثر صدمة وانبهارا, وأكثر تحررا.. من يدري.. الى أين سيقودنا المشاكسان( نزار, ووليد).. دمتما مبدعان في سماء الفن المسرحي وفضاءاته المفتوحة.. أيها المبدعان الرفيقان المشاكسان.
* الأستاذ الدكتورة ميادة الباجلان/ جامعة الموصل ـ العراق



