ما المجتمع الذي يمكن أن يزدهر فيه المسرح؟./ د. فاضل الجاف

يشهد تاريخ المسرح أن ازدهاره لا يتحقق إلا في المجتمعات التي تتمتع بقدر كبير من الانفتاح السياسي والثراء الثقافي والفكري. فقد تطوّر المسرح منذ نشأته في مراكز الحضارة والثقافة، ولعب فيها دورًا مؤثرًا. كان النظام السياسي المنفتح، والأيديولوجيا الإنسانية الديمقراطية، يشكّلان دائمًا القاعدة التي انطلقت منها العصور الذهبية للمسرح.
لا يعيش المسرح عصره الذهبي إلا حين تكون الحقول الفكرية والعقلية والثقافية في المجتمع حرة ومتقدمة. فعصر الديمقراطية في أثينا، والعصر الإليزابيثي التنويري في بريطانيا، وحكم لويس الرابع عشر في فرنسا، وكذلك عصر النهضة الأوروبية، ثم الديمقراطيات الحديثة، كلها شواهد حقيقية على هذه الفكرة.
لقد كان المسرح دائمًا فعّالًا ومتغيّرًا في ظل أنظمة سياسية ومجتمعية متطورة ومنفتحة، يوجّه رسالته نحو المستقبل. لم يكن يومًا في انسجام مع نظام رجعي أو متخلّف أو استبدادي، بل ارتبط دومًا بالمستقبل، ولهذا كان إشكاليًا بالنسبة لأي سلطة، حتى أكثرها ديمقراطية.
الصفة الجوهرية للمسرح تكمن في كونه حاملًا لمهمّة اجتماعية، ولذلك كان دائمًا داعيًا إلى التغيير والتجديد. في كل العصور، كان المسرح سبّاقًا ومبادرًا، لم يتبع التغيير السياسي، بل تصدّره. بل إنه سبق حتى سائر أشكال التنوير، فكان يقرع ناقوس الحاجة إلى التغيير، ويوجّه نداءً لليقظة، ويتنبأ بالتحوّلات والثورات القادمة.
في جميع أعمال الكتّاب الكلاسيكيين، لا سيّما شكسبير، نسمع نداءً دائمًا ضد الفساد والظلم واللاعدالة والطغيان. لكن تلك العدالة الاجتماعية المنشودة تبدو كأنها حلمٌ أبديّ، بعيد المنال. وما دام الفساد قائمًا في هذا العالم، فإن مسرحيات شكسبير لن تفقد راهنيتها أبدًا، لأنها تعبّر عن جوهر مأساة الإنسان في مواجهة الظلم والطغيان.
لا يوجد إبداع أدبي مسرحي نابض بالحياة يخلو من صيحات الاعتراض والغضب ضد بؤس الإنسان في هذا العالم. ومع ذلك، فإن هذه الأعمال مفعمة بالأمل، وتحمل تفكيرًا بمستقبل أكثر عدلًا وسلامًا.
من منّا يستطيع أن ينسى أحلام وتنبؤات تشيخوف في الخال فانيا والأخوات الثلاث، حيث يرسم ملامح عالم يسوده السلام والعدالة؟ تشيخوف، في أعماله، يدق جرس المستقبل، ويتنبّأ بروسيا جديدة، ومجتمع مختلف، ونظام بديل، بعيد عن الكسل وشرب الشاي بلا انقطاع، وبعيد عن الفساد المتغلغل في جسد المجتمع.
لم تمضِ سوى سنتين حتى اندلعت ثورة 1905 في روسيا، حين طالبت الأمة بالإصلاح وسُفك الدم. ثم جاءت ثورة أكتوبر 1917 التي هزّت روسيا والعالم بأسره.
المسرح لا يدافع عن النظام القائم أو عن المؤسسات المترهّلة في عصره، بل يسعى نحو نظام آخر، نحو المستقبل، الذي ينبغي أن يشكّل بديلًا للنظام السائد. وحتى إن حمل هذا البديل أيديولوجيا ما، فإن على المسرح أن يحتفظ بدوره النقدي تجاهها، لا أن يكون في خدمتها.
فطبيعة الدراما لا تقوم على التمجيد أو الدعاية أو التضليل، بل على النقد والمواجهة. ولذا، فإن أقصى درجات الاعتدال والمصالحة في الدراما لا تخلو من رسالة إصلاحية، وأعمال إبسن الإصلاحية ( أعمدة المجتمع، بيت الدمية، عدو الشعب)أمثلة حيّة على ذلك.
أما المسرح الروسي في ظل الشيوعية، فقد كان في إحدى مراحله أكثر أشكال المسرح التزامًا بالخطاب السياسي والأيديولوجي. ولأول مرة، ظهر “المسرح السياسي” بمعناه الحديث، فالمسرح السياسي ظهر لأول مرة في روسيا على يد مييرهولد ومايكوفسكي وتريتياكوف وآخرين، كمسرح يحمل دورًا نقديًا جذريًا، يدافع عن مكتسبات الثورة، لكنه في الوقت ذاته لم يتردد في نقد انحراف مسارها نحو مستقبل غامض ومصيرٍ مخيف، وكان هذا النقد صادرًا عن روّاد المسرح السياسي أنفسهم. لذلك، لم يتوانَ ستالين عن ملاحقة قادة هذا التيار المسرحي، وكان مصيرهم القتل أو السجن أو النفي إلى سيبيريا.
ضحايا المسرح هؤلاء لم يكونوا فقط من الشيوعيين المثقفين، بل كانوا أعضاء فاعلين في الحزب الشيوعي، غير أن فنّهم كان نقديًا ومختلفًا عن التيارات التقليدية السائدة.
يبدو لي أن المسرح السوفييتي، حتى مرحلة إرهاب ستالين، كان في بعض جوانبه قريبًا من نموذج المسرح في العصر المدني اليوناني. فكلاهما حمل حلمًا ويُوتوبيا إنسانية؛ الأول استند إلى الديمقراطية، والثاني إلى الاشتراكية.
لقد تنبّأت مآسي الكتّاب الإغريق، قبل أكثر من ألفين وخمسمئة عام، ببزوغ قمر الديمقراطية في سماء أثينا. وعلى مدى سنوات طويلة، وقبل أن تتحقّق الديمقراطية فعليًا، كان المسرحيون الإغريق يطالبون بالتغيير، ويقرعون ناقوس إصلاح المدينة-الدولة، مسلّطين الضوء على جراح المجتمع، وعلى الحاجة إلى العدالة والكرامة. فقد مارسوا نقدًا فنيًا يتقاطع مع النقد السياسي، وعبّروا عن آمال الناس وتطلّعاتهم، فصار المسرح لديهم منبرًا لطرح الأسئلة الكبرى.
لكن، ما البيئة التي يُمكن أن ينمو فيها المسرح؟ وهل يمكن له أن يعيش داخل مجتمع مغلق؟ وهل يمكن أن ينضج بعيدًا عن فضاء الحرية والانفتاح؟
أسئلة كثيرة لا تزال راهنة، خصوصًا حين نقرأ تاريخ المسرح من زاوية ارتباطه بالحريات. فالفنون عمومًا، والمسرح على وجه الخصوص، لم يتطور يومًا في الظل، بل كانت دائمًا بحاجة إلى هواء نقي، إلى فضاء مفتوح، إلى عقول تتحاور، وأرواح تتوق إلى التجدد والانعتاق من القوالب الجاهزة.
لقد ارتبط ازدهار المسرح دومًا بمراكز الحضارة والثقافة الواسعة الأفق، وظلّ رهين البيئة التي تحتضنه؛ فإن كانت منفتحة على الآخر، متصالحة مع ذاتها، منحته فسحة للإبداع، وإن كانت منغلقة، خائفة، قمعية، أجهضته في مهده أو حوّلته إلى أداةٍ للدعاية لا أكثر.
العصور الذهبية للمسرح لم تكن يومًا معزولة عن السياقات السياسية والاجتماعية المتفتحة. ففي أثينا، نشأ المسرح الكلاسيكي في كنف النظام الديمقراطي الناشئ، حيث كانت المدينة-الدولة تمنح مواطنيها حقّ المشاركة، وتُعلي من قيمة النقاش العمومي، وتفتح المجال أمام التعدّدية. لذلك، لم يكن غريبًا أن يحتل المسرح مكانة مركزية في الحياة الأثينية، حيث كانت العروض مناسبة جماعية للحوار والمساءلة وإثارة القضايا الأخلاقية والسياسية. لم يكن العرض مجرد ترفيه، بل شكلًا من أشكال المواطنة.
وفي عصر النهضة، حين انتعشت الحريات الفردية وبدأ العقل الإنساني يخرج من قمقم القرون الوسطى، شهد المسرح تحوّلًا جذريًا، ليس فقط في اللغة والأسلوب، بل في مضمونه وفلسفته. في بريطانيا الإليزابيثية، ازدهر مسرح شكسبير، الذي لم يكن فقط شاعرًا ودراماتورغًا، بل مفكرًا سياسيًا قرأ تحوّلات عصره بلغة رمزية عميقة. لقد كتب عن السلطة، والجنون، والطموح، والخيانة، والعدل، بلغة لا تزال تُقرأ وكأنها كُتبت لأيامنا.
وفي فرنسا، بلغ المسرح قمة فنية جديدة في ظل حكم لويس الرابع عشر، الذي وإن كان ملكًا مطلقًا، فقد فهم أهمية الثقافة كوسيلة لتدعيم سلطته وبناء مجد فرنسا الثقافي. ومع ذلك، لم تمنع رعاية الملك للمسرح من بروز أصوات نقدية مثل موليير، الذي سخر من النفاق الاجتماعي، ومن بعض مظاهر السلطة الدينية والسياسية، في حدود ما كان ممكنًا آنذاك.
وهكذا، كلما وجدت الحرية مجالًا للتنفس، تنفّس المسرح معها. وكلما ضاق الخناق على العقل، ضاق على الخشبة، فخفت صوتها، أو تحوّلت إلى أداة طيّعة في يد السلطة.
والمفارقة أن المسرح، حتى في أكثر النظم ديمقراطية، كان دومًا إشكاليًا. فطبيعته قائمة على الجدل، وعلى النقد، وعلى طرح الأسئلة المزعجة. ولهذا، لم يكن يومًا فنًّا “مريحًا”. إنه فنٌّ يقلق، يهز، يعرّي، يكشف التناقضات، ويضيء المناطق المعتمة في المجتمع والنفس البشرية.
يقول بيتر بروك “في معظم النظم السياسية،حتى حين تكون الكلمة حرة،والصورة حرة، تبقى خشبة المسرح آخر وسيط يحظى بحريبه, بغيزتها ت=رك الحكومات أن الحدث يمكن أن يخلق نهربة خطيرة، حتى لو رأينا حميعا أن هذا أمر بالغ الندرة، غير أن هذا الخوف الق=يم إعتراف بقدرة كامنة قديمة، فالمسرح هو الساحة التي تحث فيها المواجهة الحية، وتركيز جماعة كبيرة من الناس حول الشيء نفسه يخلق قوة متفردة.”(المساحة الفارغة، ترجمة فاروق عبدالقادر، 113)
وإذا نظرنا إلى روسيا في القرن العشرين، نكتشف حالة فريدة: إذ تزامن قيام الدولة السوفييتية مع ازدهار مسرحي مذهل في بدايته، حيث رأى العديد من الفنانين أن الثورة، بما حملته من وعود كبرى، قد فتحت أفقًا جديدًا للمسرح. هكذا اندفع مبدعون كُثُر، وفي طليعتهم مييرهولد، وماياكوفسكي وتريتياكوف وآردمان، إلى إعادة اختراع المسرح ليكون أداة تربوية وجمالية في آنٍ واحد. وكانوا يرون أنفسهم جنودًا في معركة الوعي، لا مجرّد فنانين.
لكن المسرح، حين بدأ ينتقد انحراف الثورة، ويفضح البيروقراطية الجديدة، تعرّض للاضطهاد. لم يكن الاضطهاد آتيًا من فنانين رجعيين أو معادين للثورة، بل من داخل النظام نفسه، حين بدأت السلطة ترى في المسرح خطرًا على مشروعها السياسي. وحين غابت الحرية، غاب معها الفنّ الحقيقي.
وفي كل ذلك، ظل المسرح محتفظًا بخصائصه الكبرى: أنه فنّ يقاوم الزيف، ويراهن على المستقبل، ويرفض التماهي مع الخطاب السائد. وإذا بدا أحيانًا خافت الصوت، فذلك لأنه ينتظر لحظة تفتّح جديدة، لا لأن مهمّته قد انتهت.



