مقالات

قراءة في العرض المسرحي “بحر” / عبد الله العطية

عرضت مسرحية “بحر” على خشبة مسرح جمعية الثقافة والفنون في الأحساء، ضمن جولة المسرح التي نظمتها هيئة المسرح والفنون الأدائية بالتعاون مع جمعية المسرح والفنون الأدائية في أربع وجهات: الباحة، الجبيل، الدمام، الأحساء، بهدف دعم الفن المسرحي السعودي، وتعزيز حضوره، ونشر ثقافته في مختلف مناطق المملكة، وقد حازت المسرحية على الكثير من الجوائز في مهرجان الرياض للمسرح ومهرجان الخليج.

مسرحية “بحر” من تأليف الراحل عبدالرحمن المريخي وإخراج سلطان النوه، تدور أحداثها حول حياة البحارة أثناء رحلاتهم للبحث عن اللؤلؤ، حيث تعالج بعض القضايا المتمثلة في الطبقية التي تبرز في أبعادها روح الأنا الطاغية ضمن أجواء مفعمة بالحب ومحاطة بالإحباط والقلق والخيبة، وتحكي المسرحية قصة النهام “بحر” الذي يعمل عند النوخذة “أبو فرج”، وعلاقته العاطفية مع “نورة” ابنة النوخذة “صقر” المنافس للنوخذة الأول، وهذه العلاقة يشوبها الكثير من المعاناة والأسرار الغامضة، حيث يبزر النهام رغبته في طلب يد نورة إلا أن الحقائق التي تنكشف لاحقًا تحول دون تحقيق ذلك نتيجة المفاجآت وما يترتب عنها من تحولات في مجريات الحدث.

لا يتوفر وصف.

وقد عرضت المسرحية بسينوغرافيا بسيطة على مستوى الديكور والإضاءة الزرقاء التي تحيل على دلالة البحر، إضافة إلى شكل المركب في وسط الخشبة، حيث يجلس عليه رجلٌ ذو شخصية نمطية يحمل بين يديه طبلة للدلالة على فكرة النهام الموجود على سطح السفينة، كذلك وجود شباك الصيد والحبال التي يستخدمها السيب مع الغواصين، ليجد المتفرج نفسه أمام سفينة في البحر، والفوانيس التي رافقت الشخصيات تدل على أن الأحداث وقعت في الزمن الماضي، وقد وظفت بما يتناسب وأحداث المسرحية، ولم يتم تكثيف صوت البحر لمحاكاتها بالشكل المطلوب إلا أن الاعتماد كان على أداء البحارة، ومواويل النهام.

الإيقاع الموسيقي وغناء النهام بحر حقق وظيفته الدرامية في الربط بين المشاهد باحترافية عالية، وقد نجح المخرج (سلطان النوه) في المحافظة على الانسجام بينها، الأمر الذي جعل المتفرج يشعر بانسيابية سير الأحداث.

تبدأ المسرحية بأسلوب الجوقة التي تضطلع بمهمة التمهيد للدخول في موضوع المسرحية، وتعتمد على إيقاع البحارة، وكلماتهم “او يا مال” وهي نوع من أنواع الفن البحري الغنائي يعمل على تحفيز أداء البحارة أثناء مرافقته لهم في رحلة الصيد الطويلة، وإثارة حماسهم في سبيل إنجاز المهمة، ويتم اختيار النهام بعناية فائقة من قبل النوخذة كونه المحرك الأساسي للعاملين على سطح السفينة.

لا يتوفر وصف.

فيما يبدأ الحوار أيضًا بأسلوب البحارة العائدين من رحلتهم بعبارات الحمد والثناء، ويشكل الحوار بين النهام ونورة الذي يقوم على استذكار الحياة الطفولية التي عاشوها، نقطة انطلاق الأحداث، فيكشف النهام عن مشاعره الداخلية تجاه نورة التي قابلته برفض الفكرة المطروحة، وكان البعد الاجتماعي المتمثل في تباين الشخصيتين عائقًا أمام نجاح الفكرة المطروحة، فلا يمكن أن تتزوج ابنة نوخذة ذات الطبقة الرفيعة بنهامٍ ينتمي إلى الطبقة الكادحة، إلا أنها وضعت شرطًا لقبول الزواج وهو الحصول على دانة البحر، مما يعني أن قبولها ليس انتصارًا لمبدأ الحب، بل سقط أمام تحقيق المآرب الشخصية.

تميزت شخصية البطل النهام بحر بالموهبة في الأداء الفني الدرامي سواء على مستوى تمثيل الطبقة البسيطة أو الغناء الشجي أو حركة الجسم على الخشبة، وهنا أنوه على أداء الممثل شهاب الشهاب وموهبته الفريدة، والحرية الكبيرة في الحركة المسرحية، إضافة إلى صوته الجهوري، فقد جمع بين موهبتي التمثيل والغناء، فيما تميزت الشخصيات الثانوية ذات الطبقات الرفيعة الممثلة في النوخذة صقر والنوخذة أبو فرج بإبراز روح الأنا والكبرياء، فيما تقلدت شخصيتي “بشير” و”بو سرور” ذات الطبقة المتوسطة روح الظرافة واللطافة، بينما اتخذت شخصية “نورة” الطابع العاطفي نتيجة للدور الذي تقوم به في المسرحية، أما الجوقة فحققت وظائفها في الربط بين المشاهد ومواكبة تحولات الحدث.

الحديث الجانبي في حوار البطل “بحر” يكشف عن مشاعره العاطفية في ترديد عبارة “وينك يا نورة”، كما يشف عن القلق الكبير الذي تعيشه الشخصية، مما يشد انتباه المتفرج ويستميله نحو التعاطف معها، ناهيك عن المونولوج الداخلي لشخصية بحر، وهي عبارة عن أصوات الشخصيات الأخرى المحملة بالحقائق التي أجهضت فكرة الزواج من ابنة النوخذة كونها أخته غير الشقيقة في مرحلتي بلوغ الذروة وهبوط الحدث.

لا يتوفر وصف.

الصراع الخارجي بين النواخذة قائم على الأنانية التي تبرهن على أن المصلحة الشخصية وراء الأفعال والدوافع التي يقوم بها الإنسان، فحينما شعر النوخذة “صقر” بفشله في الرحلات البحرية التي خاضها مؤخرًا أدركَ بأنه في حاجة إلى نهامٍ يحيي روح الصيادين ويستنهض هممهم للخروج برحلة ناجحة في صيد اللؤلؤ، فابتكر الحيل لتحقيق مصلحته متجاهلًا شرف المنافسة إلى الحد الذي جعله يكسر بروتوكول العرف بموافقته لتزويج ابنته من النهام ذي الطبقة البسيطة مقابل الانتقال للعمل معه، وفي تصريح “نورة” بالموافقة على الزواج من النهام ليس انتصارًا للحبِّ بل من أجل إنقاذ أبيها وتعاطفها معه.

ويحضر الصراع المادي في الحوار بين النهام وسيده النوخذة أبي فرج أثناء طلب الأول بالتقدم لخطبة ابنة النوخذة، مما جعل النهام أن يتعرض للإهانة والإذلال والإساءة بالضرب والركل من قبل سيده نتيجة للمكانة الاجتماعية والعبودية التي يعيشها.

لقد برزت الصراعات في صورتها المثلى، فلم تكتف بالصراع بين القوي والضعيف فحسب بل اتكأت على جهل الطرف الأول حقيقة الأشياء التي تعرفها الأطراف الأخرى، وهذه الصراعات تصب في مصلحة العمل الدرامي.

وتبرز نقطة التحول والانكشاف أثناء التعرف على شخصية مريم والدة النهام بحر التي ماتت كمدًا عندما كان النهام طفلًا جراء الأحداث التي تعرضت لها من زوجها النوخذة صخر، وهذه المرحلة في المسرحية قائمة على تقنية الاسترجاع، إذ استثمرها المخرج للعودة للوراء والكشف عن حقيقة ابنه بحر ووالدته مريم، مستعينًا بالإضاءة في استذكار الأحداث الماضية، وهنا حضر عنصر المفاجأة والصدمة بأن بحر لا يمكنه أن يتزوج من نورة، والمثير للشفقة إخبار “نورة” موافقتها على الزواج! وكان للمونولوج دور في الكشف عن الحقيقة ومدى فداحة الموقف والأبعاد النفسية التي تعيشها الشخصية، بحضور مجمل الحوارات التي دارت بين الشخصيات أثناء الرجوع للماضي واستكشاف الحقائق مما جعلها تصرخ باتخاذ القرار “لا”، وتحضر الطبقية لدى “نورة” في الاعتراف بأن قرار الزواج هو من أجل أبيها، والعرف لا يخول لها الارتباط بالطبقة البسيطة “انظر من أنا ومن أنت”.

لا يتوفر وصف.

في النهاية يستغل “أبو فرج” أسرار الماضي فيتخذها وسيلة لابتزاز النوخذة “صقر”، وقد تمكن من انتزاع الموافقة حينما طلب الزواج من “نورة”، إذ لقي الإذعان الكامل من “صقر” خوفًا من انكشاف الأسرار.

وهذه النهاية الحاسمة نجحت في استفزاز المتفرج وكسبت تعاطفه مع شخصية النهام وما تعرض له من اضطهاد، لأن المسرح يمتلك من إثارة المتعة بقدر ما يمتلك من إثارة الألم، وليس هناك أمر أدعى من الشعور بالخيبة، ولكون مرحلة الحل مغلقة إلا أنها فتحت أمامه أبواب الفلسفة الأخلاقية وجعلته يتأمل في المعايير المثالية والسلوكية، ويجيب على الأسئلة التي تطرأ في ذهنه عن السلوكيات الصائبة والخاطئة للإنسان وكيفية التعاطي معها، (كيف حصل ذلك، وما الأسباب التي أدت إلى حصول هذه الأشياء وفرضت هذه السلوكيات في تصرفات الإنسان، الطبقة، الثراء، الفوقية، ماذا لو حصل الشيء الذي يغير المعادلة؟)، إذًا يخرج المتفرج حاملًا معه جملة من الأفكار والحلول التي يراها مناسبة في معالجة القضايا المطروحة على المسرح.

إن المسرح هو رسالة إنسانية تحمل في طياتها الكثير من التجارب والثقافات في سبيل الارتقاء بالإنسان بما فيها الأبعاد السيكولوجية، وذلك في سعيه إلى طرح مجموعة من الأسئلة من أجل استعراض المفاهيم الأخلاقية التي تميز بين الخير والشر، وقد تؤدي الدراما الرسالة الإنسانية في وصورتها المؤثرة وحجتها المقنعة، وهذه الوسيلة أكثر إقناعًا من أية وسيلة أخرى.

وبناء على ما تقدم يمكن القول بأن حضور عناصر المسرحية في صورتها الوظيفية المتقنة، وتمكن الشخصيات من أدائها بجدارة، وتقديم المخرج المسرحي (سلطان النوة) عرضه المسرحي معتمدًا على النظرية الدرامية الأصيلة دليل على نجاح المسرحية، الأمر الذي دفع الجهة المسؤولة لتقديمها في جولةٍ تهدف إلى نشر الثقافة المسرحية

Related Articles

Back to top button