فلسفة الأخلاق في طروحات الفيلسوف نيتشه (عرض مسرحية راسبوتين أنموذجاً)/ د. علي جابر الطائي.

يختلف الفلاسفة والنقاد حول طروحات الفيلسوف الألماني (فريدريك نيتشه 1844-1900م)، ومن عناصر الاختلاف سؤال الفرد لنفسه من يحدد كون أفعالنا تنتمي إلى الصواب أو الخطأ؟.
من أصول الفلسفة أن تُطرح الأسئلة، بمن؟ وكيف؟ وأين؟ ومتى؟ ولماذا؟، باحثة عن العلة الأولى في الأشياء، ومحاولة إيجاد النتائج المقنعة للإجابة عن تلك الأسئلة، وحين الاطلاع على فلسفة نيتشه تكون النتائج مخالفة لآراء غيره، وهو يعتمد فيها على المبررات الصادمة، ولعل أغرب ما يصدم المتتبع لطروحات نيتشه هو معالجاته لمشكلة الأخلاق؛ تلك المشكلة الفلسفية القديمة قدم الفلسفة، فنيتشه في فلسفته يخالف مثالية الفلاسفة المثاليين، ولا يتفق مع الفلاسفة الماديين أنما يقترح على المجتمع فلسفة أخلاق جديدة، يكون فيها الحارس الليلي جاني على اللص لأن اللص لم يسرق المنازل نهاراً حتى لا يراه المارة في الشوارع، بينما الحارس الليلي لا يستحي فهو يراقب ويسترق النظر على أفعال اللص السرية التي يؤديها تحت ستار الليل خجلاً، وحياء، فاللص كمن يسهر الليل في العبادة دون أن يراه الناس يدعو ويجتهد كل الليل لحصل على لقمة العيش، والحارس الليلي كمن يسهر الليالي باحثاً عن أفعال اللص المستورة ليفضحها، ومن يفضح سر الناس هو الجاني وسيء الأخلاق!.

يعالج المخرج (د.محمد حسين حبيب) في العرض المسرحي “راسبوتين” موضوع الأخلاق، ويطرح تلك الأسئلة الفلسفية؛ من راسبوتين؟ وكيف أصبحت أخلاقه هكذا ؟ وأين مارس أفعاله؟ ومتى تكونت أخلاقه تلك؟ ولماذا ينقسم المجتمع في الرأي حول شخصية راسبوتين؟ فمن الناس من يراه كاهن عظيم مقدس لا يرد له دعاء، ومن الناس من يراه مشعوذ خائن لبلده، وحول هذه القضايا تأسست فلسفة الأخلاق في عرض (راسبوتين) المسرحي.
يلبس راسبوتين عباءة الدين ويتمتم بحروف المشعوذين، وهذا ما تأكد في أداء الممثل (أحمد عباس)، فقد كانت عباءة الدين التي يلبسها طويلة بشكل مبالغ فيه تغطي مساحة كبيرة من المسرح وفي هذا قصدية تطابق فلسفة نيتشه، فالمخرج يؤكد إن حجم العباءة لا يرتبط بحجم الفضيلة لدى راسبوتين، إنما ارتداها لتناسب حجم رغبات الناس في مجتمعه الذين يرغبون بالعبودية للمظاهر، وكذلك ترانيم حروفه التي يرددها مع حركات تشي بأنه ساحر كبير فهي تلبي ما يرغب الناس فيه لترتاح نفوسهم المهلوسة، ويمكن وضع تبرير لما فعله راسبوتين وفقاً لفلسفة نيتشه تبين أنه ذو أخلاق حميدة، لأنه فعل ما فعله ليخدم الناس المتعطشين لدعوات الكهنة وشعوذة السحرة، وكلنا يتفق على أن خدمة الناس فضيلة.
أن المدعو (غريغوري راسبوتين 1869-1916م) عاش في زمن وظروف سياسية متقاربة مع الفيلسوف نيتشه، ولو أطلعنا على تلك المرحلة من التاريخ لوجدنا أن الحروب والمجاعة والمجازر تفتك في أوربا والعالم، وأن النموذج الأخلاقي الذي ظهر في الرجل الأوربي-راسبوتين- هو ذاته ما يعتقد نيتشه بأنه نموذج للأخلاق التي ينتجها المجتمع نفسه، فتبرير الأنسان لأفعاله وأن خالفت كل الأعراف والأخلاق هي ذاتها ما توصل إليه نيتشه في فلسفته للأخلاق، ويمكن تطبيق طريقة نيتشه على أسئلتنا السابقة كالتالي:

- من راسبوتين؟
هو ذلك الرجل الأوربي الطيب، والضحية للحظة من الزمن المضطرب حروباً وصراعات.
- كيف أصبحت أخلاقه هكذا؟
عندما تأمل في مشاكل مجتمعه تغير أخلاقه لتلبي حاجة الناس المحيطين به.
- أين مارس أفعاله؟
أنطلق من بيئته لأنه أعرف الناس بها، وتسلق سلالم الدين والاقتصاد والسياسية.
- متى تكونت أخلاقه تلك؟
حينما قرر أن يقفز إلى صدارة المجتمع في بلده.
- لماذا ينقسم المجتمع في الرأي حول شخصية راسبوتين؟
لأن المجتمع في الأساس هو من أنتج شخصية راسبوتين وحينما تسلط عليهم أنكره بعضهم، ووصف أخلاقه بالرذيلة، بينما أعترف بعضهم أن أخلاقه هي ذات أخلاقهم، لأنه نموذج منهم.
وعلى ذات المعنى ينقسم الرأي لدى مشاهدة عرض مسرحية راسبوتين، فمن الجاني؟ ومن الضحية؟ وهل ما نشاهده في العرض جزء من الواقع في بلادنا؟ أم هو لشخص عاش في القرن الثامن عشر؟ وهل ظهور شخصية منحرفة يكون بفعل البيئة والمجتمع؟ أم تتحمل الشخصية جميع الأسباب في تكون أخلاقها؟.
وتأتي الإجابة على تلك الأسئلة في نهاية العرض عندما يسدد المجتمع رصاصاته على راسبوتين، للتخلص من فعله الذي يمثل نتاج مجتمعه في نهاية الأمر.




