كتاب الخميس (الحلقة السيتون) / عرض وقراءة: محمد محسن السيد

**************
حينما يكون المسرح فعلا ثوريا….
الكتاب الذي بين ايدينا هو حكى الطائر سعد الله ونوس للكاتبة والناقدة عبلة الرويني من اصدارات مكتبة الاسرة 2005 القاهرة. نهض الكتاب بتصدير من قبل مكتبة الاسره عرفت به بشكل مكثف بمشروع (ونوس) المسرحي وانه مشروع مسرحي عربي متكامل وصاحب رؤية درامية خاصة حيث قدم للمكتبة العربية عدد من الاعمال المسرحية باللغة الاهمية اصبحت مع مرور الوقت علامات بارزة في الكتابات الدرامية الحديثة، مثل : الملك هو الملك، منمنمات تاريخية، اغتصاب، مغامرة راس المملوك جابر، طقوس الاشارات، والتحولات، الايام المخمورة، يوم من زماننا، احلام شقية، حفلة سمر من اجل5 حزيران، رحلة حنظلة، سهرة مع ابي خليل القباني، جثة على الرصيف، المقهى الزجاجي، الجراد، ماساة بائع الدبس الفقير، الرسول المجهول، في ماتم انتجونا، ملحمة السراب، الفيل يا ملك الزمان). وغيرها عرفت نصوص (ونوس) خشبة المسرح المصري مبكرا وتحديدا في الموسم المسرحي 1971- 1972 عندما قدم المخرج هناء عبد الفتاح مسرحية (الفيل يا ملك الزمان) ومنذ ذلك التاريخ تتابعت اعماله في القاهره واصبحت علامة على المسرح السياسي الجاد وجاء الكاتب بقسمين اساسيين : هما نص الحكي ومشهد الحكي حيث جاء في القسم الاول للنصوص التي كتبها (ونوس)، وفي القسم الثاني يتعرض للعروض المسرحيه لاعماله التي تم عرضها على مسارح القاهره احتوى القسم الاول على عده مواضيع ثانويه مقدمه السؤال الديمقراطي الحكايه اقوى من الحياه من الموت كتابه التحولات في طقوس الاشارات طقس الاتهام في الملك الى المسيح الاخلاق الصوريه في نص ونوس خراب الرؤيه التورانيه التوراتيه في الاغتصاب منمنمات تاريخيه من الهزيمه الى المجزره وفي القسم الثاني مشهد الحكي نقرا المواضيع التاليه مرحبا سعد الله الفرجه في مسرح في مسرحيه الفيل يا ملك الزمان رؤى الفيل المتعدده الملك هو الملك شرط المحبه جسار التاج فوق راس سعد الله طقوس الاشارات والتحولات بين حريه بيروت وحريه القاهره ونمنمات تاريخيه امتحان الصواب ام امتحان الخطا مسرح سعد الله ونوس في صيغه تجاريه يوم من زماننا اسئله الانهيار والواقعه احلام شقيه من سؤال السياسه الى سؤال لوجود الوجود القسم الاخير وهو اللقاء لقاء الحكاء وهو لقاء قصير مع ونوس ففي اولى مواضيع مواضع القسم الاول وهي المقدمه نقر بعض مما جاء فيها من نهايه السبعينات امتد صمت ونوس وطالع عشر سنوات كفه خلالها عن الكتابه الابداعيه بعد ان تبددت الاحلام فكثير من التصورات مزقتها الاحداث كانت في تحولات العنيفه التي بدات تتوالى في السبعينات قد وصلت الى لحظه العري حيث ضياع المشروع وغياب اي حياه ديمقراطيه في سنواته الاخيره ومنذ ان داهم المرض عام 1992 زاده غوصه في خيره نفسه ازدادت مع تفاهم المرض وحدته وانعزاله وصمت وازدادت رحلته الى الاعماق اغلى قبابه في كثير من الاحيان محاضره الانغماس في فوضى العلاقات اليوميه ومواضعات الاحياء الاجتماعيه ما نحل لنفسه للفرصه كامله للانطلاق داخل ذاته وملاحقه خفاياه .
(.. انه اقرب الى الشيخ (قاسم) مفتي الديار الشامية في طقوس الاشارات والتحولات في شوقه المحموم الى معانقة المطلق ومتابعة هواه الى اخر مدى ، ولعله صورة اخرى في (الماسة) في رفضها الخضوع لتاويل الاخر ورغبتها في التحليق في الفضاء الطيور والنسائم واشعه الشمس ، انها الكتابة الحرة او هي الحرية الجديدة التي لامسها (ونوس) في مسرحياته الاخيرة . ومنذ مسرحية (الاغتصاب) يمكن ان نرصد اختلافا في الشكل والاسلوب والرؤى . ثمة تحول في المنظور واختلاف في طبيعة الموضوعات التي تتناولها المسرحيات الاخيرة . وفيها يتاكد صعود الفرد وحضور الجسد ويمتزج الخاص بالعام وبرؤى جديدة …
وفي تتبعنا للنهايات الفاجعة للكيانات الفردية في نصوص(ونوس) الاخيرة( الماسة/ المفتي/ عبد الله) في( طقوس الاشارات والتحولات) ،(سناء) في (الايام المخمورة)، ( فاروق) في (يوم من زماننا) . يمكننا ان نرصد ذلك التحول من حالة اليقين والايمان العميق التي تحدث عنها(ونوس) في مسرحياته السابقة ، الى حالة اخرى من الشك والقلق والتوحبس والسؤال . شخصيات قلقة تنتقل من حافة الى حافة ومن سؤال الى سؤال دون ان يفضي ذلك لا شيء يقيني … ان ابطال (ونوس) الجدد في خروجهم المدوي . حتى مع كل نهايته الفاجعة . تفضح خراب الواقع وخوائه ومن ثم مواجهته . وفي اولى مواضيع هذا القسم وهو (السؤال الديمقراطي) وفيه نقرا : (… اسى (ونوس) مشروعه المسرحي على إمكان الحوار وجدل العلاقة بين العرض والجمهور ; حيث المسرح : هو الاداة الاقدر ، والمكان النموذجي الذي يتامل فيه الانسان شرطه التاريخي والوجودي ، وهو المكان الذي يكسر فيه المتفرج محارته كي يتامل شرطه الانساني في سياق جماعي يوقظ انتماؤه الى الجماعة ويعلمه الحوار وتعدد مستوياته .
وحول تحديد النقاط تقسيم مراحل مشروعه المسرحي نقرا :(.. انشغل الكثير من النقاد بتحديد خطوط مشروعه المسرحي وتقسيمها الى ثلاث مراحل :
1- البدايات : وتضم مجموعة من النصوص المسرحيه القصيره منها 🙁 جثة على الرصيف) ،( مأساة بائع الدبس الفقير) ،( فصل الدم) ، (المقهى الزجاجي) ، (الجراد) ،( الرسول المجهول)، (في ماتم انتجونا). وتمتد هذه المرحلة بين عامي 1964- 1968
2- مرحلة الالتزام المركزي الصارم والسؤال الايديولوجي المنشغل بتحليل بنية السلطة وتضم المسرحياته : ( مغامره راس المملوك جابر) ،( حفلة سمر من اجل 5حزيران) ،( سهرة مع ابي خليل القباني) ، (الفيل يا ملك الزمان) ، (الملك هو الملك). وتقع بين عامي 1998- 1989 .
3- مرحلة اخيرة تبدا من مسرحية (اغتصاب- 1990) حتى (الايام المخمورة- 1997) . وتضم مسرحيات :(نمنمات تاريخيه) ،( طقوس الاشارات والتحولات) ، (ملحمه السراب) ، (احلام شقية) ،( يوم من زماننا) . حيث تطل الخصوصيات الفردية ، وينشغل الكاتب بالمكونات النفسيه والنوازع والاهواء الشخصيات لشخصياته المسرحية .
وفي موضوع ثانوي اخر هو (الديمقراطية الانواع المسرحية) ومما جاء فيه 🙁 عندما طرح (ونوس) مفهومه حول مسرح التسيس في بياناته المسرحية( 1968) متجاوزا المسرح السياسي الملتبس في عموميته كان يجيب عن سؤال : اية سياسة ، واية صيغة فنية يمكن ان تحقق فعالية اكبر ؟! كان المقصود هو طرح المشكلات السياسية من خلال قوانينها العميقة وعلاقاتها المترابطة والمتشابكة داخل بنية المجتمع الاقتصادية والسياسية ، واكتشاف افق تقدمي لهذه المشكلات ، اي ان التسيس في مسرح (ونوس) كان الخيار التقدمي للمسرح السياسي ، وهو في جوهره وتعريفه كما حدده في البيانات المسرحية : حوار بين مساحتين( العرض المسرحي) و(الجمهور) واختيار دائم للوسائل الفنية التي تحقق اعلى امكان لتقديم هذا الحوار .
(..ادرك (ونوس) ان فعالية المسرح ليست في انجاز الثوره وتغيير حركة التاريخ ، ولكنها جزء من هذه الجهود اليومية ، وامكان متواضع من امكانات التغير ، وتتمثل فعالية المسرح العميقة في : ان يكون وسيلة معرفية توسع وفق المتفرج معرفيا ، وانه وسيلة جمالية توقظ بذهن المتفرج قابليات للذوق والتذوق المختلفة ، وتتقاطع مع القيم الجمالية التي يعممها الفن والاعلام السائدان .. لم يقدم (ونوس) شكلا فنيا محددا باعتباره شكل النهائي ; لم يقدم نصوصا مسرحيه تامة ولا مغلقة ، لكنه قدم دائما للعرض المسرحي نصا مقترحا لمخرج مجتهد وفريق عمل متجانس ، وجمهور عليه ان يشارك بنوع من الايجابيه في كل مسرحيه من مسرحيات (ونوس) ، هامش مطروح للبحث والاجتهاد مساحة فارغة تركب عمدا يملأها العرض المسرحي . واخر لمواضيع هو( عربة التاريخ) وفي سطوره الاولى نقرا : (كان سؤاله المطروح دائما على نفسه الى اي احد في اطمئنانه اليقيني والايديولوجي يستجيب لبقايا الاهوتية مقدسة مستقره في لا وعيه؟
… لم يقفز (ونوس) من عربة التاريخ ، لكنه ادرك بعد طول مراجعة : ان الوعي بالتاريخ ليس يقينا ثابتا ، ليس مجرد شعار ولا تحيز ايديولوجي انما ممارسة واعيه ونقد واعادة نظر ومراجعة مستمرة . انه معرفة الذات بلا اوهام ، ومعرفة العالم بعمق ونفور تناول اهواء الشخصية الفردية ونوازعها بعيدا عن وضعيتها التاريخية او الاجتماعية او السياسية في نصه الاهم (طقوس الاشارات والتحولات) وهكذا اصبح بالامكان ملامسة الحسية في الكثير من نصوصه الاخيرة … اسئلة متلاحقة ومراجعة دائمة هي موقف اصيل لهذا الكاتب لم يتنكر فيها لمرتكزاته الفكريه والايديولوجية . وفي موضوع (رحلة في مجاهل موت عابر) وهي تسيير غور مرض (ونوس) وظروفه العائلية والاجتماعية وتاثير كل ذلك عليه وعلى منجزه . وفي موضوع (كتابة التحولات في طقوس الاشارات) وموضوعها الاثير هو الحرية التي ترفض كل ما يقمع نبض الانسان الحقيقي والطبيعي ، ويكبت وجوده الاصلي .
وبطلتها (الماسة) التي كانت زوجة لنقيب الاشراف ، وكان اسمها (مؤمنة) من قبل تحولاتها الاخيرة الى غانية .. وفي الاشارة الى (الف ليلة وليلة) داخل النص ، دلالة ساطعة على الخروج والتمرد ، حيث بدا ذلك واضحا في علاقة (الماسة) و(المفتي) والمواجهة بينهما . وهناك موضوع اخر هو (طقوس تحرير الجسد) ومما جاء فيها: ( يطل الجسد – طقسا – للتحولات ، وحدثا يمكن مواضعته وتعيينه اكتمالا لشروط ادراكه وتحديده .. حيث يفضح النص بطقوسه وتحولاته صورا من الهيمنة الاجتماعية على الجسد في اشكالها العنيفة المباشرة كالسجن(القاء القبض على عبد الله ووردة في عملية تطويع الجسديهما) اوالقتل (اغمد صغوان خنجره خنجره في صدر شقيقته الماسة) او في تلك العربدة السلطوية المطبوعة على الاجساد المهزومة (الاعتداءات الجنسية المتكرره على خادمات في بيت الشيخ محمد الخزار والرالماسة) (انتهاك عباس الجسد العفصة). اشكال متعددة من الهيمنة الاجتماعية على الجسد ، تشكل صورة النظام اجتماعي ثقافي يولد اجسادا خاضعة ، هكذا لم تجد (الماسة) في مدينتها الا اناسا من العبيد والمساجين .. وعبر حضور الجسد وغيابه ، تتحرك مدى رؤية الشخصية في اكتشاف الجسد وتحريره . وفي موضوع (طقس الاتهام من الملك الى المسيح) وفيه سلط الضوء على مسرحيته (الايام المخمورة) اخر مسرحيات (ونوس) وتوظيفه (الفرقه الاراجوز) والتي تقدم ثلاث مشاهد داخل الناس وهي (فصل المفاخرة بين الطربوش القبعة) ،( فصل جريمة العصر) ،( فصل ختام المسرحية) وفيها يشير(ونوس) احداث المسرحيه حول قصه الحب بين (حبيب) و(سناء) وهنا نصل الى موضوع الاخلاق الصورية في مسرحية (اغتصاب) والتي كتبها (ونوس) بعد انقطاع طويل عن الكتاب المسرحية وهي قراءه مغايره لنص الكاتب الاسباني( بايير و بايينو) (القصة المزدوجة للدكتور بالمى) حيث يصوغ (ونوس) الرؤية الفكرية داخل نصه للصراع العربي الاسرائيلي، ولم تكن مجرد حادث اغتصاب اخال ضابط الامن الخاص الى عمود من الملح منهارا على مقعد في عيادة طبيب نفسي كما جاءت في نص(باييخو) . جاءت المسرحية في (14) مشهدا يقدم رؤيتين وحكايتين متقابلتين ، احداهما فلسطينية والاخرى اسرائيلية .
… وهذه هي المرة الاولى التي يلجا فيها (ونوس) الى الفهم البرجوازي طرح اخلاقية صورية تبتعد كثيرا عن جدلية التاريخ ولعل هذه الرؤية الاخلاقية المغلقة تشكل حادثا ايديولوجيا لدى (ونوس) وهي ما استدعت تحولا ملحوظا في بنية الشكل داخل نصه المسرحي حيث ابتعد كثيرا عن حسه الملحمي ، بل قام بحذف كل بعد ملحمي اعتمده (باييخو) في نصه الاصلي مقررا السكون الى الدراما الاخلاقية ومسلما بالقراءه التوراتية ، لا من حيث رسم الشخصيات التوراتية ولكن من حيث ارتكاز النص كرؤية على نبؤة . ارميا وهذا الموضوع قد تناوله في الموضوع القادم بالذات وهو اخراب الرؤية التوراتية في (الاغتصاب) بشكل مسهب تقريبا . و(الاغتصاب) هي اكثر مسرحيات (ونوس) اثاره للجدل ، وهي ايضا اكثر مسرحياته اثاره لغضبه ، والتي قدمتها فرقة المسرح الوطني الفلسطيني ومن اخراج العراقي جواد الاسدي ، وفيه تسلط الباحثة على الحديث بخصوص الرؤية الفنية لـ (باييخو) و(ونوس) حيث يقوم يستخدم الاول في مسرحيته منهجا نفسيا للعلاقه بين الجلاد والضحية عبر قصه ضابط الامن الخاص الذي اصيب بالعجز الجنسي ، كرد فعل لحادث اغتصابه احد المعتقلين السياسيين ، بينما يذهب (ونوس) الى تسليط الضوء الى الطبيعة الاسرائيلية وفق رؤية تاريخية وسياسية .
انحصرت برصد العلاقة بين التفسير الاخلاقي عبر اسفار النص اليومية التسعة لدى الجانب الفلسطيني و(التنبؤية) لدى الجانب الاسرائيلي . وفي كل القراءات يظل فكر (ونوس) المسرحي المضاد في كل تفسير اخلاقي للتاريخ ، حاضرا في دلالته .
وفي كل ذلك يقدم(ونوس) اسفار التوراة كعقيدة قمع ، وهي مرجعية لكل صياغة عنصرية للايدلوجيا الصهيونية ، وسلفية تفضي الى عنصرية تفضي الى خراب محتوم ، تلك هي نبؤة الخراب لفاشية دينية لابد لها ان تنكر ذاتها والاخرين . وهنا نصل الى اخر مواضيع هذا القسم وهو (منمنمات تاريخية من الهزيمة الى المجزرة) وهذه المسرحية (منمنات تاريخية) هي اول اصدارات (ونوس) في مصر عن روايات الهلال .
ومما جاء في سطوره الاولى: (حين يقترب اللحظة الاشد خطورة في الواقع المصري ، من ذات اللقطة التاريخية التي يلتقطها (ونوس) في نصه (منمنمات تاريخية)وهي سنة ثلاث وثمنمائة اوائل القرن التاسع الهجري زمن السلطان الناصر فرج ابن برقوق وحكم الخليفه امير المؤمنين المتوكل على الله حين اغار تيمور لينك على اقاليم الشام واقام عساكره على ابواب دمشق ، محكما احصاره بينما المدينة غارقة في دعاواه وتعصبها . كل بدعة ضلالة ، وكل اجتهاد كفر ، وكل اختلاف خروج على الاجتماع والامة ، ينبغي مجابهته . (منمنمات تاريخية) إدانة للعصر الذي يتضاءل فيه اعمال العقل ويتراجع فيه الاجتهاد وينطوي عقل الامة على التعصب والتقليد والاتباع . إدانه لنمط ثقافي يعادي الحوار ، وحق الاختلاف في الفهم والتاويل ، ويعتمد خطابا قميعا معارضا للوعي والحرية . ويتابع (ونوس) زمن الحصار والتفصيلات وتفصيلاته من الهزيمة الى المجزرة عبر ثلاث منمنمات الاولى منها بعنوان (الهزيمة) وبطلها الشيخ برهان الدين التاذلي قاضي المالكية في دمشق وهو نموذج للكفر النقلي للفكر النقلي الاصولي ، والعقل التقليدي المحافظ في معاداته ومجابهته لكل فكر اجتهادي مغاير ويمثله (الشيخ جمال الدين الشرائجي قاضي الشافعية في دمشق المطالب باعمال العقل في امور الدين . والثانية: محنة العلم والعلماء وفيها يظهر ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون طرازا فاسدا من العلماء في صياغة (ونوس) ونموذجا انتهازيا يقرن العلم بالمنفعة ، ويجرد علمه الواقعي من هموم امته وقضاياها ، وفي المنمنمة الثالثة وعنوانها (المجزرة) وبطلها عز الدين ازدار نائب قلعة دمشق نموذجا للممكن وحدوده الثابتة والسائدة ، وهو نموذج للسلطة في صورتها التقليدية المحافظة .. يدافع عن السلطة والنظام والدولة كمبدأ حتى لو فرّ السلطان من ارض المعركة . وعبر هذه المنمنمات الثلاث يكشف (ونوس) عن رؤى ثلاث كاشفة عن بنية عقل المدينة وانماط تفكيرها : خطاب ديني غيبي ، خطاب ديني نفعي ، وخطاب سلطوي تقليدي … ومن بين ثلاثين شخصية داخل المسرحية ، خص (ونوس) سبع شخصيات فقط يمثلون رجال الدين والعلماء باسلوب الابعاد والعزل ، وتكنيك التباعد وهم : (التاذلي ، ابن مفلح ،ابن العز ، ابن النابلسي ، شرف الدين ، دلامة ، المؤرخ ). وهو التوقف المقصود امام دور المثقف وفعاليته التاريخية في محاورة زمانه وعصره .
وهنا يصل بناء المقام الى القسم الثاني: وهو (مشهد الحكي) وموضوعها الاول هو (مرحبا سعد الله) وفي تسلط الباحثة على اهم السمات الاساسية لابداع (ونوس) والتي منها ان الكتابة لديه هي ضرب من ابتكار حريه مجازية تقاوم القمع ، كما انها على المستوى الفني شرط التجاوز الخطابة والتلقين . والتجريب شرط آخر لاغنى عنه في مسرح (ونوس) فهو ككاتب يرفض اغلاق النص عليه تاركا هوامش مفتوحة ومساحات للحرية لكل العاملين معه ، فالنص المسرحي – لديه – لا يكتمل الا ببحث اخراجي مبدع وبحث تمثيلي مبدع .. بل ان التجريب شرط لاستقامه العرض المسرحي .. وان جوهر ظاهرته المسرحية – اي ونوس – هو الحوار الديمقراطي والتجريب سمات اساسية في مسرحه بالاضافة الى ان البدء بالجمهور هو جوهر هذه الظاهرة ، حيث ان تحديد الجمهور بداية يعني موقف المسرحي والمسرح ، وموقعه على خريطة الصداع الاجتماعي وهو ايضا ما يحدد دوره في احداث التغير . اما الموضوع الثاني في هذا القسم فقد حمل عنوان (الفرجة في مسرحيه الفيل يا ملك الزمان)
وتتعرض الباحثة فيه بالحديث عن تجربة اخراجية لمسرحيه (الفيل يا ملك الزمان) من قبل الاستاذ الدكتور هناء عبد الفتاح ، في باكورة اعمال معمل المسرحي التجريبي لمديريه ثقافه الجيزة . وفي موضوع الثالث واستمرارا مع ما تقدمه نلحظ عنوانا هو (رؤى الفيل المتعددة) وفيه تذكر الباحثة ما نصه : (الفيل يا ملك الزمان) هي اول تقديم لسعد الله ونوس في القاهرة ، قدمها المخرج هناء عبد الفتاح في الموسم المسرحي (1971- 1972) كفرقة الشرقية المسرحية بمدينه(الزقازيق).. لم ينشغل هنا عبد الفتاح وحده بفيل سعد الله فقد حظي هذا النص بمعالجات مختلفة على المسرح المصري قدمتها فرق الثقافة الجماهيرية في اكثر من محافظة من خلال(6) فرق مسرحية ، وقدمتها فرق الجامعات المصرية وفرق الهواة . ونمضي في هذا الكتاب لنلتقي بعنوان جديد هو (الملك هو الملك : شرط المحبة الجسارة) وفيها تلقي الباحثة الضوء على تجربة المخرج على الموقف الفكري لنص(ونوس) مع اضافات احدثت على النص كالغبارات النثرية والنكات الشعبية وفي كتابة الاشعار المفتاة . وقد بدت العبارات النثرية زوائد غير مشروعة ومقحمة بصورة غير جمالية مع الاشادة بمشهد النهاية وهي اضافة اخرى الى النص الاصلي ويظل من اقوى المشاهد الجمالية فيما يخص العرض على مستوى التشكيل والدلالة .
والموضوع الجديد ياتي بعد ذلك حاملا عنوان (التاج فوق راس سعد الله) وهي عودة اخرى لتجربه اخراجية للفنان مراد منير السابقه وانطلاقه من فهم(ونوس) للمسرح كحوار مستمر ، ومشروع متواصل لا يطرح شكلا نهائيا ولا صيغا جاهزة بقدر ما يقدم محاولات للعمل والتجربة ، ادرك فيها (مراد منير) جميعا ان افضل فهم لمسرح(ونوس) ، بل افضل استحقاق للعمل على نصوصه المسرحية هو ان يتجاوز النص المكتوب الى فضاء البحث والابتكار ; لتكتمل بخطواته الاخراجية تجربة البحث المسرحي ، وهو ما يطلبه ويؤكد عليه كثيرا (ونوس) نفسه عند تناول اعماله . وهنا نصل الى موضوع (طقوس الاشارات والتحولات بين حرية (بيروت – وحرية القاهرة) . وفيه تتحدث الباحثة حول الاختلاف الجمالي والفني لقراءة الخرجة اللبنانية نضال الاشقر لمسرحية(طقوس الاشارات والتحولات) وقراءة المخرج المصري حسن الوزير لنفس المسرحية . قدم العرض اللبناني حرية الجسد وانعتاقه بعمق وجرأة تنتمي الى النص ، وهمش الصراع السياسي والديني متجنبا الاشارة الى هوية الشيخ قاسم مفتي الديار الشامية ، وعلى العكس قدّم العرض المصري قراءة جريئة ومواجهة شجاعة للمؤسسة الدينية والسلطة السياسية ، لكنه حرص على تغطيه جسد سوسن بدر التي لعبت دور (الماسة) بجوارب ثقيلة اسفل بدلة الرقص . مع منح البطولة كاملة للشيخ قاسم مفتي الديار الشامية بالقرن التاسع عشر .
كاشفا بفهم عميق عن اشكال المكر والتواطؤ في ممارسات رجال الدين والساسة ، والتي اداها ببراعة الفنان نبيل الحلفاوي . وتجري بنا هذه السياحة الجمالية والمعرفية سريعا فنصل الى موضوع (منمنمات تاريخية: امتحان الصواب أم امتحان الخطأ) وتتناول بالنقد والتحليل رؤيتين فنيتين لنص (منمنمات تاريخية) لمخرجين اثنين هما : عصام السيد والمخرج العراقي جوادي الاسدي .
ويطالعنا الان موضوع (مسرح سعد الله ونوس في صيغه تجارية) ويتمحور الحديث فيه حول مسرحية (مغامرة راس المملوك جابر) من اخراج مراد منير والذي قدم على خشبة المسرح القومي في القاهرة وبطولة احمد بدير وفايزة كمال والمطرب حسن الاسمر ، اعتمد فيه المخرج جوهريا على رموز المسرح والفن الاستهلاكي او ما يسمى بـ (المسرح التجاري) وعلى توليفة تجارية تحولت منذ سنوات الى آفة اصابت المسرح المصري – كما تذكر الباحثة – باكمله (مطرب جماهيري + ممثل كوميدي + شاعر غنائي يحيل كل لغة فصحى الى لغة عامية).
وهنا نصل الى الموضوع ما قبل الاخير في هذا الفصل والمعنون (يوم من هذا الزمان: اسئلة الانهيار والواقع) ويتمحور الحديث فيه عن عرض مسرحية (يوم من هذا الزمان) للمخرج عمر دواره والتي ادى ادوارها الرئيسية (فاروق عطية) بدور الاستاذ فاروق ، و (سهير المرشدي) بدور مديرة المدرسة ، و(حنان مطاوع) في اول ادوارها على خشبة المسرح .
وهنا يصل بنا المقام الى الموضوع الاخير وهو (احلام شقية : من سؤال السياسة الى سؤال الوجود) وتتحدث عن التجربة الفنية لعرض (احلام شقية) للمخرج محمد ابو السعود وقراءته المبدعة لنقل سؤال النص من السؤال السياسي والاجتماعي الى السؤال الميتافيزيقي واضعا العرض باكمله داخل قوس مسيحي واسئلة اكثر صعوبة ، مع التزامه التام بالنص الاصلي رقم قراءته المبدعة المضافة . وهنا نصل الى اخر مواضيع الكتاب وهو (لقاء الحكي) وهو لقاء شبه طويل مع (ونوس) مجيبا على اسئلو من قبيل : طرح مشكلة المسرح في اطار مشكلة الواقع ، تتحدد اصالة المسرح بقوله وليس باشكال الفرجة فيه ، هناك جانب جمالي في مسرح التسيس ، تعدد المونودراما مؤشر غياب الديمقراطية ، الديمقراطية في المسرح ابتكار حرية مجازية ، وهذه هي اهم محاور اللقاء واهم ما خلص إليه .
* محمد محسن السيد/ مدير المركز العراقي للمونودراما



