“ميثولوجيا والتحولات الروحية في مسرحية ألورا :”البحث عن الحرية والخلاص”/ا. د. ميادة مجيد الباجلان

مسرحية: ألورا ..
إخراج وكوريغرافيا: وليد قصوري
أداء الممثلة: ايناس الهداوي
مسرحية “ألورا” تجسيدا حيا لمعاناة الانسان الوجودية, صراع الانسان من حوله وقضاياه المجتمعية, والصراع الدائم بين الانسان ووجوده, تجسد الصراع الأزلي الذي يخوضه الانسان بين رغبته الداخلية في التحرر, وضغوط المجتمع الذي يفرض عليه قوالبه ومعاييره, وخلاصه من الصراعات النفسية, والمجتمعية, يضع الانسان امام مرآة وجوده, وجنونه واسئلته الكبرى, وتستند البحث عن الحرية والخلاص, والهوية الى ميثولوجيا رمزية عميقة تستحضر الأساطير القديمة المتعلقة بالبحث عن الهوية والخلاص .
“ألورا” تمثل الانسان الأزلي, يراهن على التعبير الكلي للإنسان, فهي ليست مجرد شخصية بل رمز للإنسان والقلق الوجودي, وتجسيد المعاناة, وصراعات الفرد في العالم المعاصر, الباحث عن الحرية, والعدالة, وحقوقه المسلوبة, البطل الذي يمر بمراحل الانكسار, ثم الموت الرمزي, ثم الولادة الجديدة, والغوص في أعماق الأسئلة الفلسفية والاجتماعية. اذ يغوص المخرج “وليد قصوري” في عمق الميثولوجيا القديمة فهي ليس سردا دراميا بل طقسا مسرحيا يعيد بناء علاقة الانسان بالأزمنة القديمة, والمجتمع الحاضر, والمستقبل الآتي, تجربة حسية كاملة تستنطق القيم الكبرى بطرح قضاياه المصيرية في قالب حديث مستفز لمكونات العقل والوجدان معا, تحفز الفكر وتوقظ الروح تدعو المتلقي(المشاهد) الى مراجعة ذاته ومجتمعه في رحلة شاقة نحو التقدم والازدهار .
نجح المخرج قصوري في مسرحية “ألورا” أبعادها الفنية الابداعية في تقديم رؤية اخراجية مبتكرة ضمن الاطار الحديث للمسرح المعاصر في مزج بين فنون “الكوريغرافيا“(الرقص الحركي التعبيري) والعناصر البصرية, والسمعية, والحركية, والرمزية, والتعبيرية, والجمالية في مغامرة فنية متكاملة لتخلق نسيجا دراميا متكاملا ينهل من جماليات الصورة المعبرة للإيقاع البصري الجاذب فضلا عن الايقاع السمعي والحركي في اطار تجريبي معاصر ينتمي الى تيارات المسرح البصري الحديث,

تميزت اداء الممثلة الرائعة “ايناس هداوي” قدراتها الابداعية المقنعة والمدهشة, المعقدة والمليئة من التحولات, حيث استطاعت بمهارة فائقة ان تجسد التحولات النفسية العميقة والغوص في أعماق الشخصية بطريقة مبتكرة من خلال تجسيدها الدقيق للمعاناة والأحلام وهي تخوض في رحلة روحية معقدة بأداء حسي عميق تجسد من خلالها عمق المعاناة, وألم التشظي لمعاناة المرأة في واقع مأزوم بالتعبير الداخلي والخارجي, الشخصية المتعبة والمعذبة المحملة بالهموم والأحلام وسط حياة مكبل بالخراب والتحدي, تصارع الألم بحثا عن بصيص أمل, والنجاة معلنة أن الألم يمكن أن يكون مدخلا نحو بناء الأمل واعادة بناء الذات, مما جعلت من المتلقي\ المشاهد يعيش معاناتها وأحلامها, والغوص في عالمها الداخلي فجعلته يعيش التجربة الانسانية بكل تفاصيلها المؤلمة, وبهذا اكتسب العرض قوة تأثيرية للأداء الحي التي جعلت من الممثلة جسرا بين النص والجمهور\ بين الفكرة والاحساس, ويحسب هذا التوهج الابداعي في التكامل بين الرؤية الاخراجية المتبصرة والابداع التمثيلي للبناء الجمالي والفكري للعرض .
تتحرك شخصية “ألورا” برؤية اخراجية واعية بين مشاهد متتابعة كلوحة تشكيلية تتراقص كالفراشة الباحثة عن الحياة والحرية, الرقص, الايماءة, الموسيقى, الضوء, الظلال, الصوت, الصمت, ثنائية الجسد والروح, والحياة والموت, صراخ , صمت .. عالم غني بالدلالات الحسية والفلسفية, يتجاوز الكلمة المنطوقة الى لغة الجسد الراقص الغني بالرموز والاشارات, اضفى طابعا حيا ومؤثرا, ودعوة للتأمل بين علاقة الانسان والأشياء, تدعو الى تأمل عميق في جدلية مستمرة ليترك المتلقي في حيرة مقصودة بين أفق التلقي وتعدد مستويات التأويل للقراءة الميثولوجي للأحداث النابض بالابتكار والحيوية, محفزة اياه على التأمل, والترقب, والمشاركة الوجدانية للمتلقي .
الرمزية والدلالات الرمزية الفلسفية في الرؤية الاخراجية لمسرحية “ألورا” اذ تتحول الأشياء اليومية الى رموز فلسفية متعددة, اذ يكشف “قصوري” المعاني(زمان, مكان, حدث) وتداخلها في سياق بصري تعبيري عميق في تجرد العناصر البصرية (السرير) كرمز للنوم والراحة ليتعدى ذلك ليصبح مرآة للموت رمزا للعبور من الحياة الى الغياب, ومفردة (الطاولة) المنضدة تتسع دلالتها بين العمل والكدح اليومي وبين المحكمة والكتابة مما يربطها بمفاهيم الالتزام بالعقود والقضاء والقدر الانساني, لا تبقى الأشياء مجرد عناصر ديكورية بل تتحول الى شواهد على رحلة الانسان برؤية اخراجية فلسفية ابداعية التي تتدفع بالمتلقي الى البحث عن المعنى الخفي ليفتح مجالا واسعا لتعدد التأويلات واثارة التفكير النقدي والوجداني.
شكلت استخدام الاضاءة والموسيقى في مسرحية “ألورا” عنصرا جوهريا من عناصر البناء الجمالي والفكري للعرض, اذ وظف المخرج “قصوري” الاضاءة كأداة فلسفية لا كمجرد انارة, بل تحولت الاضاءة والظلال الى رموز تعبيرية تكشف عن الصراع الداخلي لشخصية “ألورا” أطرت بمشاهد طقسية, وحلمية, وتارة أخرى كابوسيه مما عزز الاحساس بالألم والغربة والبحث عن الخلاص, فضلا عن مساندة الموسيقى التصويرية في مرافقة ومكملة الأحداث وفق الرؤية الاخراجية ضمن معادلات الجذب البصري والسمعي تحفز المتلقي فيه المشاركة الذهنية والوجدانية على حد سواء .
“ألورا” للمخرج المبدع “وليد قصوري” وادا الممثلة الرائعة “ايناس هداوي” تجربة مسرحية فنية معاصرة, نابض بالحياة والابتكار, يتجاوز التقليد نحو التجربة الانسانية المتطورة, يستحق المشاهدة والدراسة بتمعن, مكتملة الشكل والمعنى جمعت بين الابتكار الجمالي والعمق الفكري, تحمل قيمة فنية عالية تتداخل فيها الفنون البصرية والسمعية والحركية ضمن رؤية انسانية فلسفية عميقة بلغتها الفنية المتطورة ورسالتها الوجودية الانسانية لتفتح ” ألورا” افاقا للفعل المسرحي وتكرسها كعلامة فارقة في مشهد المسرح التجريبي المعاصر, ودافع قوي لمزيد من التألق في مسيرة المسرح الانساني الحديث.
الاستاذ الدكتور ميادة مجيد الباجلان/ ناقدة واكاديمية
كلية الفنون الجميلة\ العراق



