“نيني يا مومو” أو الألم الذي لا ينام..رؤية فرجوية من داخل العرض/ محمد منير

الثقافة من أبرز معالم هوية الأمم، وتجلياتها تتنوع بين مختلف الفنون. ومن بين هذه الفنون، يبرز المسرح كأداة فعالة للتعبير عن الآلام والآمال، وتوجيه النقد الاجتماعي بأسلوب فني يجسد مآسي الشعب وإرادته في التغيير، وهذا ما قدمه بقوة بالقاعة الصغرى بمديرية الثقافة الداوديات، العرض المسرحي المونودرامي “نيني يا مومو”، حيث تضافرت جهود فرقة السلام المسرحي مراكش لتقديم عرض مسرحي يعكس واقع البؤس والقهر الذي يعيشه فئات واسعة من المجتمع.
تجسد مسرحية “نيني يا مومو”، من تأليف الكاتب الدرامي عبد الحق الصقلي، وإخراج المخرج المسرحي الأستاذ عبد العزيز أشنوك ، وقد تقمصتها بإبداع تشخيصي إحساسي متمكن الممثلة المخضرمة الفنانة نادية المنساوي، تروي المسرحية قصة إنسانية عن القهر الذي تمارسه النخبة الغنية بشكل يومي على الفئات الأكثر هشاشة، توجَد في قلب هذا النص المونودرامي رسالة قوية مدفوعة بعاطفة مجتمع يرزح تحت وطأة الفقر والاستغلال، حيث يستولي من يملكون المال والجاه على السلطة لتشكيل مصائر الناس وفق أهوائهم ورغباتهم الشخصية.

مسرحية “نيني يا مومو” اعتبرها نصا، أعاد صياغة واقعنا الأليم فرجويا بشكل حداثي من خلال رؤية سينوغرافية متكاملة مع لعبة إخراجية يجمع بين الضوئي والحركي، وبلغة جسدت الهوية والثقافة المجتمعية، نابشة في الأرض وتربتها الواقعية، مع استحضار الفعل الخيالي والجمالي عبر توظيف تقنيات حديثة على بساط الركح الفرجوي، فتوظيف تقنية (الفيديوهات السينمائية المابينك) جعلت من الرؤية المشهدية متناغمة ومتكاملة بين الممثلة ولعبها المسرحي فوق الركح، كما أن اللغة الدارجة لم تكن لغة هجينة، بل كانت لغة عالمة واصلة بجمالية إلى سماع المتفرج.
تتجلى براعة العمل المسرحي، ليس فقط في النص المكتوب، بل أيضًا من خلال الإخراج المتقن الذي تولى مسؤوليته المخرج عبد العزيز أوشنوك، استطاع هذا الأخير أن يسلط الضوء على معاناة الشخصيات بأسلوب عبقري يعكس مستويات متعددة من الإحباط والأمل. تكمن جمالية الإخراج أيضًا في القدرة على دمج العناصر الفنية المختلفة، مما جعل العرض متكاملًا وقادرًا على إثارة مشاعر الجمهور.
كان أداء الفنانة المسرحية نادية مسناوي بمثابة القلب النابض للعرض، حيث قدمت أداءً قوياً ومؤثرًا تجلى في تعابير وجهها وأسلوبها في إيصال المشاعر إلى الجمهور، استطاعت أن تُعبر عن كل أوجاع الشخصيات التي تجسدها بصدق واحترافية، مما جعل المتلقي يشعر بتلك المعاناة وكأنها جزء من واقعه اليومي.

إن صرخة مسرحية “نيني يا مومو” لم تكن مجرد كلمات على خشبة المسرح، بل كانت دعوة إلى التفكير والتأمل في واقع فئات واسعة من المجتمع الذين يقاومون القهر بصرخة مدوية، فالعرض تجاوز حدود الترفيه، فكان فعلاً ثقافيًا يحمل في طياته قضايا إنسانية عميقة، ويشجب الاستغلال والظلم بكل أشكاله.
وبذلك، يُحقق العرض المسرحي المونودرامي “نيني يا موم” هدفه في خلق حالة احتفالية تجريبية، حيث تُعتبر الفنون مؤلمة وداعمة، قادرة على التغيير، مُدخلاً لوعي أكبر يخص القضايا الإنسانية. يُرسخ هذا العرض أهمية المسرح كفضاء للحوار والتأمل، ومكان لتبادل الأفكار والرؤى بين الأفراد، ليصبح العمل الفني وسيلة لتجسيد الأماني والطموحات والرغبات الإنسانية.

ورقة تقنية
فرقة السلام المسرحي مراكش
مسرحية: نيني يا مومو
تشخيص: نادية المسناوي
تأليف: عبد الحق الصقلي
إخراج: عبد العزيز أوشنوك
إدارة الفرقة ومساعدة المخرج، وإدارة الممثل: رشيد بيديد
السينوغرافيا والملابس مع الإكسسوار: مبارك المحمودي
الإضاءة: أنس فتح
ماكياج: فراح أبو الصواب
الغناء: نزهة الجعيدي
تركيب مقاطع الفيديو: ياسين تابعي



