مقالات

(التذويت والهوية الثقافية).. قراءة لمسرحية “فرح” للاطفال/ د. ايمان الكبيسي

تشكل العولمة عملية تطوير اقتصادية وثقافية وسياسة على مستوى العالم، بحيث تصّير العالم أكثر فاعلية وترابط، عبر وسائل كثيرة منها (الانترنت، وسائل التواصل الاجتماعي، المنظمات الدولية، ووسائل الاعلام، الغزو الثقافي، النسيان والتحول الثقافي) والعولمة مثل ما لها تأثيرات إيجابية لها ترسبات سلبية تتمثل (الاستغلال الاقتصادي، والتناقضات الاجتماعية، وفقدان الهوية الثقافية، الغزو الثقافي) مشكّلة مجموعة من التحديات والصعوبات التي تقف عائقا امام تعزيز الهوية الثقافية وتشكيلها بالشكل القويم ولأجل هذا الهدف لابد من الحفاظ على التراث الثقافي وتعزيز التعليم الثقافي، وتعزيز الفخر بالهوية والتعاون الثقافي عبر الحفاظ على اللغة التي تشكل ركنا اساس في الهوية الثقافيةفضلا عن باقي عناصر الهوية.

لكن ما نلمسه في ايامنا المعاصرة من غياب لأي سلطة ثقافية حكومية فاعلة وتوسع  رقعة ادوات الغزو الثقافي الذي بات يغزو البيوت ويخترق الابواب والنوافذ الى عقول ونفوس ابنائنا ومستقبلنا لتشويه الهوية تهجينها، واتساع مساحة الجهل عموما والجهل او التجاهل للهوية على وجه التحديد، فضلا عن توجيه انظار ابناءنا وتذويتهم نحو رفض الهوية الثقافية واعتبارها عارا او تخلفا يصيب من يعتز بها، فصارت اللغة المهجنة بين العربية والغربية او النطق الخاطئ لمخارج الحروف العربية سمة وعلامة جمال وثقافة كذلك الابتعاد عن التقاليد والاعراف وحتى الشعائر والطقوس الدينية نوعا من التحضر والاقتراب من الحضارة الغربية التي تشكل قدوة ومثل اعلى لدى المذوَتين من شعوب العالم الثالث، كل تلك المخاطر والتبعات تعمل عليها القوى الناعمة بشكل غير مباشر وغير محسوس وصولا الى الغزو الثقافي، ولمنع هذا والوقوف بوجهه لابد من وسائل واساليب جمالية فاعلة وناجعة ومسرح الطفل رغم انحسار رقعته وتأثيره محليا الا انه مازال يشكل خطرا امام العولمة ومشاريعها في جعل العالم بشخصية مذوتة واحدة، فنجد محاولات هنا وهناك من كُتاب ومخرجين تلمسوا خطورة المشكلة وسعوا الى الحد منها والوقوف بوجهها منهم المخرج العراقي (حسين علي صالح). فقد شاهدت قبل فترة عرضا من عروضه تحت عنوان (فرح) بعد ان قدم لي الدعوة مشكورا، والعنوان عتبة النص الاولى ومفتاحه، فقد شاء ان يطلق عليه هذا العنوان ربما لأنه اراد ان يشيع الفرح في نفوس متلقيه من الاطفال او لربما انه اراد ان يعطي دلالة تحيل الى مدول يحتويه العمل ويركز عليه، او انه اراد ان يعطي بصيص امل في نفس فرح (مريضة السرطان) واخيها المشرد. تتلخص المسرحية حول معاناة (فرح وسعيد) وهما طفلان من الاطفال المشردين سُرقا وهما صغيران من والديهما واستغلهما ضعاف النفوس في التسول والسرقة والكسب الحرام، يتعرض الطفلان لمواقف كثيرة ومشاكل كبيرة بسبب سوء تصرفهما وجهلهما بسوء ما يفعلان حتى يصدفان الرجل النبيل صاحب اليد البيضاء الساعية الى انقاذ الاطفال المشردين وحمايتهم وبعد اقناعهما بمساعدته هما من اجل القبض على مستغلي الاطفال، من خلال هذه الحكاية سلط المؤلف الضوء على قضايا ضاغطة وحاضرة في المجتمع وهي (عمالة الاطفال، واستغلالهم، التسرب المدرسي، والتركيز على معاناة شريحة الاطفال المرضى)، وهو كعمل مسرحي انساني لا يخلو من الهفوات والهنات في بعض الاحيان لكنه شكّل مصدر مهما من مصادر تعزيز الهوية الثقافية عراقيا وعربيا عبر عناصرها التي توزعت وتنوعت ضمن عناصر العرض المسرحي بشكلها المادي الذي تمظهر في المنظومة البصرية لسينوغرافيا العرض فنجد اختيار الرسوم الالوان والرموز في القطع المنظرية التي تحيل الى الابواب والشبابيك البغدادية وكذلك الجدران والشناشيل، ليس هذا حسب بل عمد مخرج ومصمم السينوغرافيا الى تعزيز الهوية ضمن اطار العرض المسرحي في وجود (الحِب، وجرار الماء، والاريكة البغدادية والمنسوجات التي تغطيها) كل تلك الاشياء شكلت رابطا لا واعيا بين العرض وبين جذره الثقافي وهويته، اما الحضور التاريخي الذي عززه ما سبق ذكره من اثاث ومقتنيات تراثية وثقافية نجد حضورا للاعراف المجتمعية التي تركز على محبة افراد العائلة لبعضها البعض وكذلك احترام الوالدين وعطف الكبير على الصغير ونبذ السرقة والكذب والتخريب، كما نجد تعزيز لما يميز الشخصية العراقية من كرم ودماثة اخلاق وايثار من خلال تضحية الرجل المنقذ بسلامته وطعامه من اجل الاطفال الصغار، اما على مستوى الدين فأننا من خلال اداء وحوارات الممثلين لاسيما المرأة المتسولة نجد الكثير من الدلالات على الهوية الدينية منها تكرار عبارات(لا اله الا الله، الحمد لله، واستعارة بعض الآيات القرآنية والاحاديث الشريفة)

على مستوى انواع الهوية فقد تسيدت الهوية الشعبية مع حضور بسيط للهوية الرسمية من خلال ايماءات وحركات الشخصيات لاسيما في حالات الحزن والفرح كمظاهر (اللطم والزغاريد وحالات الفزع والهرب ) وهذه ممارسات تحيل الى جذر حضاري عراقي موغل في القدم. فضلا عن تجسيد لعبة (الركيضان) في اداء الممثلين في استخدام اللغة الفصحى الوسيطة المرصعة ببعض العبارات الشعبية مثل عبارة (قط)(حسنة قليلة تمنع بلاوي كثيرة)(استخدام كلمة الله عند التعجب والاندهاش). اما على مستوى الرموز والاشارات فقد استثمر المخرج اللون بوصفه رمزا يحيل الى مدلولات مجتمعية متعاقد عليها ثقافيا منها توظيف اللون الازرق والفيروزي في اغلب المشاهد وما تمثله هذه الالوان من مرجعيات ثقافية شرقية وعربية

على مستوى سمات الهوية الثقافية فهناك سمات فطرية تمثلت (الشهقة) وما تبعها من ممارسات متعاقد عليها مجتمعيا، فضلا عن مستوى اخر من السمات المتمثل بالمستقلة التي جسدتها شاشة (الداتا شو) بعد استعراضها لشوارع بغداد وساحاتها ونهر دجلة واستحضار اسماء المحافظات العراقية. اذ لم يغب عن مخرج العمل توظيف الهوية الثقافية ضمن ثنايا الزي المسرحي بشكلها الرسمي والشعبي من خلال ازياء الشخصيات المجسدة للزي العراقي سواء كان مدنيا او متوارث، كل تلك العناصر عمد المخرج المؤلف الى توظيفها وبثها ضمن نشاطه الابداعي ليفّعل هدف مهم من اهداف مسرح الطفل في تعزيز الهوية وتفعيل المسرح كسلاح لمواجهة العولمة والتذويت للشخصية العربية ثقافيا واجتماعيا، عبر تفعيل كل الادوات الجمالية والتقنيات الجاذبة لذهن الطفل ومخيلته.

Related Articles

Back to top button