مسرحية ” السكات” وصخب الحديث عن الذاكرة المنسية/ أسامة السروت

عرضت فرقة خشبة الحي من مراكش بمسرح سيدي بليوط مساء الجمعة 04/04/2025 مسرحيتها “السكات” و هو ثاني تعامل لها مع المخرج عماد فجاج، و يشخص المسرحية التي كتبها عبد الفتاح عشيق، عدد من الفنانين: عصام الدين محريم، فيروز عامري، علال خودار وفيصل كمرات.
تستعرض المسرحية في فضاء مغلق أحداثا جامحة، تحمل في طياتها جماليات مسرحية خاصة، أو ما يمكن أن نطلق عليها بجماليات الهامش، فهي وعدد من العروض المغربية الأخيرة (1)، باتت تمتح من واقع الشارع المغربي و تستعرض قساوة وصلابة هويته المكلومة، لقد أضحى المسرح فضاء قسوة في الفعل ورد الفعل.
الخشبة تستضيف حائطا يتوسطه (ريدو) وتشير مجموع الخربشات المرسومة على أننا في فضاء منطقة شعبية، وينبغي التذكير بأن الكتابة الحائطية في الأصل فضاء تعبير سابق عن فضاءات التواصل الاجتماعي الرقمية، فهو جزء لا يتجزء من هوية الهامش التي يقترحها العرض، ولعل المتتبع لمسيرة المخرج يكشف عن تأثير تجاربه السابقة في إبداعاته الجديدة، فنجده يكتب مثلا ” جون لينون لم يمت” وهي عبارة تحيل لمسرحية سابقة للمخرج، كما أن هناك عدد من العبارات المتناثرة مثل “سمع صوت الشعب” ، و “1981-2024 “، وعدد كبير من العلامات التي تحيل إلى السياق الذي تتجه نحو أطوار المسرحية.

إن العرض المسرحي هو صرخة عارمة في تضاد كامل مع عنوانه وهو” السكات”، و لا يتبين معنى العنوان إلا بتتبع حبكة المسرحية.
تطرح المسرحية أمام جمهورها ثلاث شخصيات هي المعطي (عصام محريم)، نجمة ( فيروز)، والعربي (علال خودار) وهي نماذج بشرية مهمة تنتظر أمام ذلك (الريدو) لكن ينفتح يوما، وفي غمرة الإنتظار تتبين حقائق متعددة ، فالمعطي شاب ولد لعائلة فقيرة وهو يبحث عن فرصته في التمثيل والفن، وهذه الذريعة الدرامية كانت فرصة ليعبر فيها المخرج عن امتعاضه من أحوال المسرح المغربي بتعبيرات قاسية، وهناك الثنائي المعطي و نجمة اللذان سيكونان سببا في اكتشاف خبايا سرد ذكرى 1981 بالمغرب أو ما يحيل لشهداء الكوميرا (2)، فالمعطي كان مختبئا مع أمه يتتبع من شق براكته، أحداث مقتل سعيد أب نجمة، وفي هول الحدث تذوب الحقيقة وتتباين المسؤولية، فهل المعطي مذنب كما يروي جزء من التاريخ أم هو على حق فباسعيد أب نجمة لم يشارك في الأحداث النضالية إلا حماية لنفسه و متجره المكدس بالمنتوجات الغذائية، تلك التي هي أصل حدوث هذه الأحداث المؤسفة .
تنتهي المسرحية بفتح (الريدو) لكي تتناحر الشخصيات حول أحقية كل واحد منهم في ركوب الطاكسي الذي ينتظر فليس هناك إلا مقعد واحد شاغر.
إن المتتبع لأحداث العرض يجد أن المخرج قد تصرف في النص بإقحامه شخصية جديدة، هي صاحب (الريدو) تلك الشخصية التي تتدخل في عدد من المرات دون جدوى، لكنها أداة مفتاحية متحكمة في نهاية العرض فهي صاحبة الحل والعقد وهي التي تتعلق مصائر الشخصيات بإرادتها، ولعل المخرج بهذه الإضافة أعطى للمسرحية بعدا سياسيا خاصا، فمن ذا الذي يمكنه معالجة جروح الماضي إذا لم نتمكن من ضبط و محاكمة شخصيات كثيرة “متحكمة ” مثله في واقعنا.
يبقى العرض المسرحي فضاء سرد مفتوح على كل التأويلات خاصة وأنه مادة فنية تستزيد حيويتها بعد كل أداء، و يبقى للمشاهد المسرحي الحق في استكشاف خبايا العرض من خلال العروض المبرمجة، وتبقى تجربة مسرحية “سكات” من أهم التجارب في مسرحنا المغربي المعاصر التي تحاول استحضار ذاكرتنا الجماعية وخاصة زمن سنوات الرصاص الذي يجب أن تستعيده الدراما لكي لا تضيع أهميته في تلافيف المسكوت عنه .
هوامش:
(1): نحيل هنا لعروض مثل” في مكان ما” لمحمد فركاني، “لافيكتوريا” و “بريندا” لأمين الساهل، ونشير أيضا أن المخرج قد اشتغل طويلا في مسرح الشارع من خلال عدد كبير من العروض لذا فحضور تيمة الشارع تبدو مهمة للمخرج ووعيه الجمالي.
(2): نشير إلى أن هناك مسرحية “أستورياس” لأيوب أبونصر، حيث عالجت أيضا نفسر الموضوع، وهو سنوات الرصاص بأسلوب آخر واختارت الانطلاق من نص الأرجنتيني أريال لادورفمان (الموت والعذراء).



